فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية:233

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية:233

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الخميس أغسطس 16, 2012 3:28 pm

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، الآية : 233

وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا
عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)

قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} لما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الولد لأن الزوجين قد يفترقان وثم ولد فالآية إذا في المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن أي هن أحقّ برضاع أولادهن من الأجنبيات لأنهنّ أحنى وأرقّ وانتزاع الولد الصغير إضرار به وبها، وهذا يدل على أن الولد وإن فطم فالأمّ أحقّ بحضانته لفضل حنوّها وشفقتها وإنّما تكون أحقَّ بالحضانة إذا لم تتزوج، على ما يأتي. وعلى هذا يشكل قوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} لأنّ المطلَّقةَ لا تستحقّ الكسوةَ إذا لم تكن رجعيّةً بل تستحقُّ الأجرةَ إلّا أنْ يحمل على مكارم الأخلاق فيقال: الأولى ألّا تنقص الأجرةُ عمّا يكفيها لقُوتِها وكِسوتِها وقيل: الآية عامّة في المطلَّقات اللواتي لهنَّ أولادٌ وفي الزوجات، والأظهر أنّها في الزوجات في حال بقاء النكاح لأنهنّ المستحقّات للنفقة والكسوة، والزوجةُ تستحقُّ النفقةَ والكسوةَ، أرضعتْ أو لم تُرضع، والنفقةُ والكسوةُ مقابِلةُ التمكين، فإذا اشتغلت بالإرضاع لم يكمل التمكين فقد يتوهّم أنّ النفقةَ تسقط فأزال ذلك الوهم بقول تعالى: {وعلى المولود له} أي الزوج {رزقهن وكسوتهن} في حال الرضاع لأنه اشتغال في مصالح الزوج فصارت كما لو سافرت لحاجة الزوج بإذنه فإن النفقة لا تسقط.
قوله تعالى: {يرضعن} معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات وعلى جهة الندب لبعضهن على ما يأتي وقيل: هو خبرٌ عن المشروعيّة كما تقدم.
واختلف الناس في الرضاع هل هو حقٌّ للأمّ أو هو حقٌّ عليها واللفظ محتمل لأنّه لو أراد التصريح بكونه عليها لقال: وعلى الوالدات رضاعُ أولادهنّ كما قال تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} ولكن هو عليها في حال الزوجية وهو عرف يلزم إذ قد صار كالشرط إلّا أنْ تكون شريفة ذات ترفّه فعُرْفُها ألّا تُرضعَ وذلك كالشرط عليها إن لم يقبل الولد غيرها واجب وهو عليها إذا عدم لاختصاصها به فإن مات الأبُ ولا مال للصبيِّ فمذهبُ مالكٍ في المدوّنة أنّ الرضاعَ لازمٌ للأمِّ بخلاف النفقة. وأما المطلّقة طلاقَ بينونةٍ فلا رَضاع عليها والرضاعُ على الزوج إلّا أن تشاء هي فهي أحقّ بأجرة المثل، هذا مع يسر الزوج، فإن كان معدِمًا لم يلزمْها الرضاع إلّا أن يكون المولود لا يقبل غيرها فتجبَر حينئذ على الإرضاع وكل من يلزمها الإرضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب. وروي عن مالك أن الأب إذا كان معدِمًا ولا مال للصبيِّ فإنّ الرضاعَ على الأمّ فإن لم يكن لها لبن ولها مال فالإرضاع عليها في مالها قال الشافعي: لا يلزم الرضاع إلا والداً أو جدًّا وإن علا وسيأتي ما للعلماء في هذا عند قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك}.
قوله تعالى: {حولين} أي سنتين {كاملين} قُيّدَ بالكمال لأنّ القائلَ قد يقول: أقمت عند فلان حولين وهو يريد حولًا وبعضَ حَوْلٍ آخر. قال الله تعالى: {فمن تَعَجَّل في يومين} البقرة: 203 وإنّما يتعجّل في يومٍ وبعضِ الثاني، وقولُه تعالى: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} دليل على أنّ إرضاع الحولين ليس حتمًا فإنّه يجوز الفِطامُ قبل الحولين ولكنّه تحديدٌ لقطع التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع فلا يجب على الزوج إعطاءُ الأُجرةِ لأكثرَ من حولين، وإنْ أراد الأبُ الفَطْمَ قبل هذه المدة ولم ترضَ الأمُّ لم يكن له ذلك والزيادة على الحولين أو النقصان إنّما يكون عند عدم الإضرار بالمولود وعند رضا الوالدين.
انتزع مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه وجماعة من العلماء من
هذه الآية أنّ الرضاعةَ المحرّمةَ الجاريةَ مجرى النسب إنّما هي ما كان في الحولين لأنّه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة ولا رضاعة بعد الحولين معتبرةً. وهو قول عمر وابن عباس وروي عن ابن مسعود رضي الله عنهم، وبه قال الزهري و قتادة و الشعبي و سفيان الثوري والأوزاعي و الشافعي و أحمد و إسحاق و أبو يوسف و محمد و أبو ثور.
وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((لا رضاع إلّا ما كان في الحولين)) قال الدارقطني : لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ. وهذا الخبر مع الآية والمعنى ينفي رضاعة الكبير وأنّه لا حرمة له، وقد رُوي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها القول به وبه يقول الليث بن سعيد من بين العلماء.
قال جمهور المفسرين: إن هذين الحولين لكلّ ولدٍ. ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه قال: هي في الولد يمكث في البطن ستة أشهر فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرًا، فإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهرًا، فإن مكث تسعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهرًا لقوله تعالى: {وحملُه وفِصالُه ثلاثون شهرًا} الأحقاف: 15. وعلى هذا تتداخل مدّةُ الحملِ ومدّةُ الرضاع ويأخذ الواحد من الآخر.
قوله تعالى: {وعلى المولودِ له} أي وعلى الأبِ ويجوز في
العربية (وعلى المولود لهم) كقوله تعالى: {ومنهم من يستمعون إليك} يونس: 42 لأنّ المعنى وعلى الذي ولد له و (الذي) يعبر به عن الواحد والجمع كما تقدم.
قوله تعالى: {رزقهن وكسوتهن} الرزق في هذا الحكم الطعام الكافي، وفي هذا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد، لضعفه وعجزه وسمّاه الله سبحانه للأم لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرضاع كما قال: {وإن كنَّ أولاتِ حَمْل فأنفقوا عليهن} الطلاق: 6 لأنّ الغذاء لا يصل إلّا بسببها.
وأجمع العلماء على أن على المرء نفقةُ ولده الأطفال الذين لا مال لهم. وقال صلى الله عليه و سلم لهند بنت عتبة وقد قالت له: إنّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ وإنّه لا يُعطيني من النفقةِ ما يكفيني ويكفي بنيَّ إلّا ما أخذتُ من مالِه بغيرِ علمِه فهل عليَّ في ذلك جُناح؟ فقال: ((خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف)). والكِسْوةُ: اللِّباسُ، وقولُه: {بالمعروف} أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط. ثم بيّن تعالى أنّ الإنفاقَ على قدر غِنى الزوج ومنصبها بقوله تعالى: {لا تُكلَّفُ نفسٌ إلّا وُسْعَها}. على ما يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى وقيل المعنى: أي لا تكلَّفُ المرأةُ الصبرَ على التقتيرِ في الأُجْرَةِ ولا يُكلَّفُ الزوجُ ما هو إسرافٌ بل يُراعى القصد.
التاسعة في هذه الآية دليل لـ مالكٍ رحمه الله على أنّ الحضانة للأم فهي في الغلام إلى البلوغ وفي الجارية إلى النّكاح، وذلك حقّ لها وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي إذا بلغ الولد ثمان سنين وهو سن التمييز خير بين أبويه فإنّه في تلك الحالة تتحرك همَّتُه لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات وذلك يستوي فيه الغلام والجارية. وروى النَّسائيُّ وغيرُه عن أبي هريرة: أنَّ امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالت له: زوجي يريد أن يذهب بابني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((هذا أبوك وهذه أمُّك فخُذْ أيهما شئت)) فأخذ بيد أمه. وفي كتاب أبي داود عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده فقالت: يا رسول الله إنّ زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عتبة وقد نفعني. فقال النبيُّ صلى الله عليه و سلم: ((اسْتَهِما عليه))، فقال زوجها: من يُحاقِّني في ولدي! فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ((هذا أبوك وهذه أمُّك فخذ بيد أيهما شئت)) فأخذ بيد أمه فأنطلقت به. ودليلنا ما رواه أبو داود عن الأوزاعي قال: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن امرأةً جاءت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثدي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((أنت أحقّ به ما لم تنكحي)).
وقد أجمع أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد أن الأم أحق به ما لم تنكح.
إذا تزوجت الأم لم ينزع منها ولدها حتى يدخل بها زوجها عند
مالك وقال الشافعي: إذا نكحت فقد انقطع حقها فإن طلقها لم يكن لها الرجوع فيه عند مالك في الأشهر من مذهبه. فإذا خرجت الأم عن البلد الذي به ولدها ثم رجعت إليه فهي أحق بولدها في قول الشافعي و أبي ثور وأصحاب الرأي وكذلك لو تزوجت ثم طلقت أو توفي عنها زوجها في حقها من الولد.
وكذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب فإن طلقها الزوج أو مات عنها كان لها أخذه لزوال العذر الذي جاز له تركه.
فإن تركت المرأة حضانة ولدها ولم ترد أخذه وهي فارغة غير مشغولة بزوج ثم أرادت بعد ذلك أخذه نظر لها فإن كان تركها له من عذر كان لها أخذه وإن كانت تركته رفضًا له ومقتًا لم يكن لها بعد ذلك أخذه.
واختلفوا في الزوجين يفترقان بطلاق والزوجة ذمية، فقالت طائفة: لا فرق بين الذمية والمسلمة وهي أحقُّ بولدها، هذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي و ابن القاسم صاحب مالك، وفيه قول ثان أن الولد مع المسلم منهما هذا قول مالك وآخرين، وحكي ذلك عن الشافعي. وكذلك اختلفوا في الزوجين يفترقان أحدهما حر والآخر مملوك فقالت طائفة الحر أولى هذا قول عطاء و الثوري و الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك: في الأب إذا كان حرًا وله ولد حر والأم مملوكة: إن الأم أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الأب أحق به.
قوله تعالى: {لا تُضارَّ والدةٌ بولدِها ولا مولودٌ له بولدِه} المعنى:
لا تأبى الأم أن ترضعه إضرارا بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها ولا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك مع رغبتها في الإرضاع هذا قول جمهور المفسرين.
قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} هو معطوف على قوله: {وعلى المولود له}. واختلفوا في تأويل قوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} فقال قتادةُ و السِدِّيُ و الحسنُ وعمرُ بن الخطاب رضي الله عنه هو وارثُ الصبيِّ أنْ لو مات. وقال بعضهم: وارثُه من الرجال خاصّةً يلزمُه الإرضاعُ كما كان يلزم أبا الصبيِّ لو كان حيًا. وقال مجاهد وعطاء وقتادة وغيرُهم هو وارث الصبيِّ مَن كان من الرجال والنساء ويلزمُهم إرضاعُه على قَدْرِ مواريثِهم منه، وبه قال أحمد و إسحاق. وقال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق في كتاب معاني القرآن له: فأمّا أبو حنيفة فإنّه قال: تجب نفقة الصغير ورضاعه على كلِّ ذي رحم محرَّمٍ مثلِ أن يكون رجلٌ له ابنُ أختٍ صغيرٍ محتاجٍ وابنُ عمٍّ صغيرٍ محتاجٍ وهو وارثه فإنّ النفقة تجب على الخال لابن اخته الذي لا يرثه وتسقُطُ عن ابنِ العمِّ لابن عمّه الوارث. وحكى الطبري عن أبي حنيفة وصاحبيه أنهم قالوا: الوارث الذي يلزمه الإرضاع هو وارثه إذا كان ذا رحم محرم منه فإن كان ابن عم وغيرُه ليس بذي رَحَمٍ محرَّمٍ فلا يلزمه شيء وقيل: المراد عصبة الأب عليهم النفقة والكسوة، قال الضحاك: إن مات أبو الصبي وللصبي مال أُخِذ رضاعُه من المال، وإن لم يكن له مال أُخِذ من العَصَبة، وإن لم يكن للعَصَبةِ مالٌ أُجبرت الأمُّ على إرضاعه. وقال قبيصة بن ذؤيب و الضحاك و بشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز: الوارث هو الصبي نفسُه وتأولوا قوله: {وعلى الوارث} المولود مثل ما على المولود له أي عليه في ماله إذا ورث أباه إرضاع نفسه وقال سفيان: الوارث هنا هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما فإن مات الأب فعلى الأمِّ كفايةُ الطفل إذا لم يكن له المالُ ويشاركها العاصب في إرضاع المولود على قدر حظه من الميراث. ولو كان اليتيم فقيرًا لا مال له وجب على الإمام القيامُ به من بيت المال فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين الأخص به فالأخص والأم أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به ولا ترجع عليه ولا على أحد والرضاع واجب والنفقة استحباب ووجه الاستحباب قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} وواجب على الأزواج القيام بهن فإذا تعذر استيفاء الحق لهن بموت الزوج أو إعساره لم يسقط الحق عنهن، ألا ترى أن العدة واجبة عليهن والنفقة والسكنى على أزواجهن وإذا تعذرت النفقة لهن لم تسقط العدة عنهن؟ وروى عبد الرحمن بن القاسم في الأسدية عن مالك بن أنس رحمه الله أنه قال : لا يلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا ذي رحم منه قال: وقول الله عز و جلّ: {وعلى الوارث مثل ذلك} هو منسوخ ولم يبين ما الناسخ لها.
قوله تعالى: {فإن أرادا فصالًا} الضمير "أرادا" للوالدين و"فصالا" معناه فطامًا على الرضاع أي عن الاغتذاء بلبن أمّه إلى غيره من الأقوات والفصال والفصل: الفطام وأصله التفريق فهو تفريق بين الصبي والثدي ومنه سمي الفصيل لأنه مفصول عن أمه {عن تراض منهما} أي قبل الحولين {فلا جناح عليهما} أي في فصله وذلك أن الله سبحانه لما جعل مدة الرضاع حولين بين أن فطامهما هو الفطام وفصالهما هو الفصال ليس لأحد عنه منزع إلّا أن يـتفق الأبوان على أقلّ من ذلك العدد من غير مُضارةٍ بالولد فذلك جائز بهذا البيان، وقال قتادة: كان الرضاع واجبًا في الحولين وكان يحرم الفطام قبله ثم خفف وأبيح الرضاع أقل من الحولين بقوله: {فإن أرادا فصالا} وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح الصغير، وذلك موقوف على غالب ظنونهما لا على الحقيقة واليقين. والتشاور: استخراج الرأي وكذلك المشاورة والمشورة كالمعونة.
قوله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} أي لأولادكم غير الوالدة مثل {كالوهم أو وزنوهم} المطففين: 3 أي كالوا لهم أو وزنوا لهم، وحذفت اللام لأنّه يتعدى إلى مفعولين، وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز اتخاذ الظئر إذا اتفق الآباء والأمهات على ذلك وقد قال عكرمة في قوله تعالى: {لا تُضارَّ والدةٌ} معناه الظِئر، والأصل أنّ كلَّ أمٍّ يلزمها رَضاعُ ولدِها كما أخبر الله عزَّ وجلَّ، فأمر الزوجات بإرضاع أولادِهِنَّ وأوجب لهنَّ على الأزواج النفقة والكسوة، والزوجيّةٌ قائمةٌ فلو كان الرضاع على الأبِّ لذكره مع ما ذكره من رزقهِنَّ وكسوتِهِنَّ إلّا أنَّ مالكًا رحمه الله دون فقهاء الأمصار استثنى ذات الحَسَبِ فقال: لا يلزمها رضاعه، فأخرجها من الآية وخصصَّها بأصل من أصولِ الفقه وهو العملُ بالعادة، وهذا أصل لم يتفطن له إلا مالك والأصل البديع فيه أنَّ هذا أمرٌ كان في الجاهلية في ذوي الحسب، وجاء الإسلام فلم يغيِّرْهُ، وتمادى ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمهات للمُتعة بدفع الرُضُعاءِ للمراضع إلى زمانِه فقال به.
قوله تعالى: {إذا سلَّمتم} قال سفيان الثوري يعني الآباء أي سلَّمتُمُ الأُجرةَ إلى المرضِعةِ الظِئْرِ. وقال مجاهد: سلَّمتم إلى الأمهات أجرَهُنَّ بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع. وقال قتادة والزهري: المعنى سلَّمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع أي سلَّمَ كلُّ واحدٍ من الأبوين ورضي، وكان ذلك على اتّفاقٍ منهما وقصدِ خيرٍ وإرادةِ معروفٍ من الأمر. وعلى هذا الاحتمال فيدخل في الخطاب "سلّمتم" الرجالُ والنساءُ، وعلى القولين المتقدِّمين الخطابُ للرجال.
قوله تعالى: {والوالدات يُرْضِعْنَ} كقوله: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ} فَلْيُلتفتْ إليه. والوالدُ والوالدةُ صفتان غالبتانِ جاريتانِ مَجْرى الجوامدِ، ولذلك لم يُذْكَرَ موصوفُهما.
قوله: {حَوْلَيْنِ} منصوبٌ على ظرفِ الزمانِ، ووصفُهما بكاملين رفعاً للتجوُّز، إذ قد يُطْلَقُ "الحولان" على الناقصين شهراً وشهرين. والحَوْلُ: السنةُ، سَمُيِّتْ لتحوُّلِها، والحَوْلُ أيضاً: الحَيْلُ ويقال: لا حولَ ولا قوة، ولا حَيْلَ ولا قوة.
قوله: {لِمَنْ أَرَادَ} في هذا الجارِّ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه متعلِّقٌ بيُرْضِعْنَ، وتكونُ اللامُ للتعليلِ، و"مَنْ" واقعةٌ على الآباء. والثاني: أنها للتبيين، فتتعَلَّق بمحذوفٍ، وتكونُ هذه اللامُ كاللام في قوله تعالى: {هَيْتَ لَكَ} يوسف: 23، وفي قولهم: "سُقْياً لك". فاللامُ بيانٌ للمدعوِّ له بالسَّقْي وللمُهَيَّتِ به، وذلك أنه لمّا ذَكَر أنَّ الوالداتِ يُرْضِعْنَ أولاَدَهُنَّ حولينِ كاملينِ بيَّن أنَّ ذلكَ الحكمَ إنما هو لِمَنْ أرادَ أن يُتِمَّ الرَّضَاعَة. و"مَنْ" تحتمل حينئذ أن يُرادَ بها الوالداتُ فقط أو هُنَّ والوالدون معاً. كلُّ ذلك محتملٌ. والثالث: أنَّ هذه اللامَ خبرٌ لمبتدأ محذوفٌ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ، والتقديرُ: ذلك الحكمُ لِمَنْ أرادَ. و"مَنْ" على هذا تكونُ للوالداتِ والوالدَيْنِ معا.
قوله: {أَن يُتِمَّ الرضاعة} "أَنْ" وما في حَيِّزها في محلِّ نصبٍ مفعولاً بأراد، أي: لمن أراد إتمامَها. والجمهور على "يُتمَّ الرَّضاعة" بالياء. المضمومة من "أتَمَّ" وإعمال أنْ الناصبة، ونصب "الرَّضاعة" مفعولاً به، وفتح رائها. وقرأ مجاهد والحسن وابن محيصن وأبو رجاء: "تَتِمَّ" بفتح التاء من تَمَّ، "الرضاعةُ" بالرفع فاعلاً وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة كذلك إلّا أنّهما كَسَرا راء "الرِضاعة"، وهي لغةٌ كالحَضارة والحِضارة، والبصريون يقولون: فتحُ الراء مع هاء التأنيثِ وكسرُها مع عدمِ الهاء، والكوفيون يزعمون العكسَ. وقرأ مجاهد ـ ويُرْوى عن ابنِ عباس: {أَنْ يُتِمُّ الرَّضاعة} برفع "يُتِمُّ" وفيها قولان، أحدُهما قولُ البصريين: أنها "أَنْ" الناصبة أُهْمِلت حَمْلاً على "ما" أختِها لاشتراكِهما في المصدرية، وأنشدوا على ذلك قوله:
إني زعيمٌ يا نُوَيْ ............................. قَةُ إنْ أَمِنْتِ من الرَّزاحِ
أنْ تهبطِين بلادَ قَوْ ............................ مٍ يَرْتَعُون من الطِّلاحِ
وقولَ الآخر :
يا صاحبيَّ فَدَتْ نفسي نفوسَكما ........... وحيثما كُنتما لُقِّيتما رَشَدا
أَنْ تقرآنِ على أسماءَ ويَحْكُما .......... مني السلامَ وألاَّ تُشْعِرا أَحَدا
فأَهْملها ولذلك ثَبَتَتْ نونُ الرفع، وأَبَوا أن يَجْعلوها المخفّفةَ من الثقيلةِ
لوجهين، أحدُهما: أنّه لم يُفْصَل بينها وبين الجملةِ الفعليةِ بعدَها، والثاني: أنَّ ما قبلَها ليس بفعلِ علمٍ ويقينٍ. والثاني: وهو قولُ الكوفيين أنها المخففةُ من الثقيلة، وشَذَّ وقوعُها موقعَ الناصبةِ، كما شذَّ وقعُ "أَنْ" الناصبةِ موقعَها في قوله:
. . . . . . . . . . . . قد علموا ......... أَنْ لا يُدانِينَا في خَلْقهِ أحدُ
وقرأ مجاهد: "الرَّضْعَة" بوزن القَصْعة. والرَّضْعُ: مَصُّ الثَّدْي: ويقال للَّئيم: راضعٌ، وذلك أنه يَخاف أن يَحْلُبَ الشاةَ فَيُسْمَعَ منه الحَلْبُ، فَيُطْلَبَ منه اللبنُ، فَيَرْتَضِعُ ثديَ الشاةِ بفَمِه.
قوله: {وَعلَى المولود لَهُ} هذا الجارُّ خبرٌ مقدَّمٌ، والمبتدأ قولُه: "رِزْقُهن"، و"أل" في المولودِ موصولةٌ، و"له" قائمٌ مقامَ الفاعل للمولودِ، وهو عائدُ الموصولِ، تقديرُه: وعلى الذي وُلِدَ له رِزْقُهُنَّ، فَحُذِف الفاعلُ وهو الوالداتُ، والمفعولُ وهو الأولادُ، وأُقيمَ هذا الجارُّ والمجرورُ مُقامَ الفاعلِ.
قوله: {بالمعروف} يجوز أن يتعلَّقَ بكلٍّ مِنْ قولِه: "رزقُهنَّ" و"كسوتُهنَّ" على أن المسألة من بابِ الإِعمالِ، وهو على إعمالِ الثاني، إذ لو أُعْمِل الأولُ لأُضْمِر في الثاني، فكان يقال: وكسوتهنَّ به بالمعروفِ. هذا إنْ أُريد بالرزقِ والكسوةِ المصدران، وقد تقَدَّم أنَّ الرزقَ يكون مصدراً،
والجمهورُ على "كِسْوَتِهِنَّ" بكسر الكاف، وقرأ طلحة بضمها، وهما لغتان في المصدر واسم المكسوِّ، وفعلُها يتعدَّى لاثنين، وهما كمفعولّيْ "أعطى" في جوازِ حَذْفِهما أو حَذْفِ أحدِهما اختصاراً أو اقتصاراً. قيل: وقد يتعدَّى إلى وَاحدٍ وأنشدوا:
وَأْركَبُ في الروعِ خَيْفانَةً ..................... كسا وجَهَا سَعَفٌ مُنْتَشِرْ
ضَمَّنه معنى غَطَّى. وفيه نظرٌ لاحتمالِ أنه حُذِف أحدُ المفعولين للدلالةِ عليه، أي: كسا وجهَها غبارٌ أو نحوه.
قوله: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ} الجمهورُ على "تُكَلَّفُ" مبنياً للمفعولِ، "نفسٌ" قائمٌ مقامَ الفاعلِ وهو الله تعالى، "وُسْعَها" مفعولٌ ثانٍ، وهو استثناءٌ مفرغٌ، لأنَّ "كَلَّفَ" يتعدَّى لاثنين، ولو رُفِعَ الوُسْعُ هنا لم يَجُزْ لأنه ليس ببدَلٍ.
وقرأ أبو رجاء: {لاَ تَكَلَّفُ نفسٌ} بفتح التاءِ والأصلُ: "تتكلف" فَحُذِفَتْ إحدى التاءين تخفيفاً: إمَّا الأولى أو الثانيةُ على خلافٍ في ذلك، فتكونُ "نفسٌ" فاعلاً، و"وُسْعَها" مفعولًا به، استثناء مفرغاً أيضاً. وَرَوى أبو الأشهب عن أبي رجاء أيضاً: {لا يُكَلِّفُ نفساً} بإسناد الفعلِ إلى ضميرِ الله تعالى، فتكونُ "نفساً" و"وُسْعَها" مفعولَيْنِ.
والتكليفُ: الإِلزامُ، وأصلُه من الكَلَفِ، وهو الأثرُ من السَّوادِ في الوجهِ، قال:
يَهْدِي بها أَكْلَفُ الخَدَّيْنِ مُخْتَبِرٌ ....... من الجِمالِ كثيرُ اللَّحْمَ عَيْثُومُ
وَفلانٌ كَلِفٌ بكذا: أي مُغْرىً به.
وقوله: {لاَ تُضَارَّ} قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو: "لا تضارُّ" برفع الراء مشددةً، وتوجيهُها واضحٌ، لأنه فعلٌ مضارعٌ لم يَدْخُلْ عليه ناصبٌ ولا جازمٌ فَرُفِعَ، وهذه القراءةُ مناسِبَةٌ لِما قبلِهَا من حيث إنه عَطَفَ جملةً خبريةً على خبريةً لفظاً نَهْيِيَّةٌ معنى، ويدل عليه قراءةُ الباقين كما سيأتي. وقرأ باقي السبعة بفتح الراءِ مشددةً، وتوجيهُها أنَّ "لا" ناهيةٌ فهي جازمةٌ، فَسَكَنَتِ الراء الأخيرةُ للجزمِ وقبلَها راءٌ ساكنةٌ مدغمةٌ فيها، فالتقى ساكنان فَحَرَّكْنا الثانيةَ لا الأولى، وإنْ كان الأصلُ الإِدغامَ، وكانَتِ الحركةُ فتحةً وإنْ كانَ أصلُ التقاءِ الساكنينِ الكسرَ لأجلِ الألفِ إذ هي أختُ الفتحةِ، ولذلك لَمَّا رَخَّمَتِ العربُ "إسحارّ" وهو اسمُ نباتٍ قالوا: "إسحارَ" بفتح الراء خفيفةً، لأنهم لمَّا حَذَفوا الراءَ الأخيرةَ بقيتِ الراءُ الأولى ساكنةً والألفُ قبلَها ساكنةٌ فالتقى ساكنان، والألفُ لا تقبلُ الحركَةَ فحَرَّكوا الثاني وهو الراءُ، وكانَتِ الحركةُ فتحةً لأجلِ الألفِ قبلَها ، ولم يَكْسِروا وإنْ كان الأصلَ ، لما ذكرْتُ لك من مراعاةِ الألف.
وقرأ الحسن بكسرِها مشددةً، على أصلِ التقاءِ الساكنين، ولم يُراعِ الألفَ، وقرأ أبو جعفرٍ بسكونِها مشددةً كأنه أجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ فسكَّنَ، ورُوِي عنه وعن ابن هرمز بسكونِهَا مخففةً، وتَحْتمل هذه وجهين، أحدهما: أن يكونَ من ضارَ يَضير، ويكونُ السكونُ لإِجراءِ الوصلِ مُجْرى الوقف.
والثاني: أن يكونَ من ضارَّ يُضارُّ بتشديد الراءِ، وإنّما استثقل تكريرَ حرفٍ هو مكررٌ في نفسِه فَحَذَفَ الثانيَ منهما، وَجَمَع بين الساكنين ـ أعني الألفَ والراء ـ إمَّا إجراءً للوصلِ مُجْرى الوقفِ، وإمَّا لأنَّ الألفَ قائمةٌ مقامَ الحركةِ لكونِها حرفَ مَدٍّ. وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك عند{يَأْمُرُكُمْ} البقرة: 67 ونحوه.
ثم قراءةُ تسكينِ الراء تحتملُ أَنْ تكونَ مِنْ رفعٍ فتكونَ كقراءةِ ابن كثير وأبي عمرو، وأن تكونَ من فَتْح فتكونَ كقراءةِ الباقين، والأولُ أَوْلى، إِذ التسكينُ من الضمةِ أكثرُ من التسكينِ من الفتحةِ لخفتها.
وقرأ ابن عباس بكسر الراءِ الأولى والفكِّ، ورُوي عن عمر ابن الخطاب ـ رضي الله عنه: "لا تضارَرْ" بفتح الراء الأولى والفك، وهذه لغةُ الحجاز أعني فكَّ المِثْلين فيما سَكَنَ ثانيهما للجزمِ أو للوقفِ نحو: لم تَمْرُرْ، وامرُرْ، وبنو تميم يُدْغِمون، والتنزيلُ جاء باللغتين نحو: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ} المائدة: 54 في المائدةِ، قُرىء في
السبعِ بالوجهين وسيأتي بيانُه واضحاً.
ثم قراءةُ مَنْ شَدَّد الراءَ مضمومةً أو مفتوحةً أو مكسورةً أو مُسْكَّنةُ أو خَفَّفها تحتملُ أن تكونَ الراءُ الأولى مفتوحةً، فيكونُ الفعلُ مبنياً للمفعول، وتكونُ "والدةٌ" مفعولاً لم يُسَمَّ فاعله، وحُذِفَ الفاعلُ للعِلْمِ به، ويؤيده قراءةُ عمرَ رضي الله عنه. وأَنْ تكونَ مكسورةً فيكونُ الفعلُ مبنياً للفاعلِ، وتكونُ "والدةٌ" حينئذ فاعلاً به، ويؤيده قراءةُ ابنِ عباس.
وفي المفعولِ على هذا الاحتمالِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدهما ـ وهو الظاهر ـ أنه محذوفٌ تقديرُه: "لا تُضَارِرْ والدةٌ زوجَها بسسبِ ولدِها بما لا يَقْدِرُ عليه من رزقٍ وكِسْوةٍ ونحو ذلك، ولا يضارِرْ مولودٌ له زوجتَه بسبب ولدِه بما وَجَبَ لها من رزقٍ وكسوةٍ، فالباءُ للسببيةِ. أن يكونَ "تُضارّ" بمعنى تَضُرُّ، وأن تكونَ الباءُ من صلتِه أي: لا تضرُّ والدةٌ بولِدها فلا تسيءُ غذاءه وتعهُّدَه ولا يَضُرُّ الوالدُ به بأن ينزِعه منها بعدما ألِفَها. ومعنى "الباءُ من صلته" أي: تكونَ متعلقةً به ومُعَدِّيةً له إلى المفعول، كهي في "ذهبت بزيدٍ" ويكونُ ضارَّ بمعنى أضرَّ فاعَلَ بمعنى أَفْعَل، ومثلُه: ضاعفْتُ الحِسابَ وأَضْعَفْتُه، وباعَدْته وأبعدْتُه، وقد تقدَّم أن "فاعَلَ" يأتي بمعنى أَفْعَل فيما تقدَّم، فعلى هذا نفسُ المجرور بهذه الباءِ هو المفعول به في المعنى، والباءُ على هذا للتعديةِ، كما ذكرْتُ في التنظيرِ بذَهَبْتُ بزيدٍ، فإنه بمعنى أَذْهبته.
والثالث: أن الباءَ مزيدةٌ، وأنَّ "ضارَّ" بمعنى ضَرَّ، فيكون "فاعَلَ" بمعنى "فعَلَ" المجردِ، والتقديرُ: لا تَضُرُّ والدةٌ ولدَها بسوءِ غذائِه وعَدَم تعهُّدِه، ولا يَضُرُّ والدٌ ولدَه بانتزاعِه من أمه بعدما أَلِفهَا ونحوِ ذلك. وقد جاء "فاعَل" بمعنى فَعَل المجرد نحو: واعَدْته ووعَدْتُه، وجاوَزْته وجُزْته، إلّا أنَّ الكثيرَ في فاعَل الدلالةُ على المشاركةِ بين مرفوعِه ومنصوبِه، ولذلك كان مرفوعهُ منصوباً في التقدير، ومنصوبُه مرفوعاً في التقدير، فمن ثَمَّ كانَ التوجيهُ الأولُ أرجحَ. و"له" في محلِّ رفعٍ لقيامِه مَقامَ الفاعلِ.
وقوله: {لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ} فيه دلالةٌ على ما يقولُه النحويون، وهو أنّه إذا اجتمع مذكّرٌ ومؤنّثٌ، معطوفاً أحدُهما على الآخرِ كان حكمُ الفعلِ السابِق عليهما للسابِق منهما، تقول: قامَ زيدٌ وهندٌ، فلا تُلْحِقُ علامةَ تأنيثٍ، وقامَتْ هندٌ وزيدٌ، فتلحقُ العلامةَ، والآيةُ الكريمة من هذا القبيل، ولا يُستثنى من ذلك إلاَّ أَنْ يكونَ المؤنثُ مجازياً، فَيَحْسُنُ الاَّ يراعي المؤنثُ وإنْ تقدَّم كقوله تعالى: {وَجُمِعَ الشمس والقمر} القيامة: 9. ولا يَخْفى ما في هذه الجملِ من علمِ البيان، فمنه: الفصلُ والوصلُ أمَّا الفصلُ وهو عدمُ العطفِ بين قولِه: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ} وبين قوله: {لا تضارَّ} لأنَّ قوله: {لا تُضارَّ} كالشرحِ للجملةِ قبَلها، لأنّه إذا لَمْ تُكَلَّفِ النفسُ إلّا طاقَتَها لم يقع ضررٌ، لا للوالدة ولا للمولود له. وكذلك أيضاً لم يَعْطِف {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ} على ما قبلَها، لأنها مع ما بعدَها تفسيرٌ لقوله: "بالمعروفِ". وأمَّا الوصلُ وهو العطفُ بين قوله: {والوالداتُ يُرْضِعْنَ} وبين قولِه: {وعلى المولودِ له رزقُهن} فلأنَّهما جملتان متغايرتان في كلٍّ منهما حكمٌ ليس في الأخرى. ومنه إبراز الجملةِ الأولى مبتدأ وخبراً، وجَعْلُ الخبرِ فعلاً، لأنَّ الإِرضاع إنما يتجدَّدُ دائماً. وأُضيفت الوالداتُ للأولاد تنبيهاً على شفقتهنَّ وحَثَّاً لهنَّ على الارضاع. وجيء بالوالدات بلفظِ العموم وإنْ كان جمعَ قلة، لأنَّ جمعَ القلةِ متى حُلِّي بأَل عمَّ، وكذلك "أولادَهُنَّ" عامٌّ، لإِضافته إلى ضمير العامِّ، وإنْ كان أيضاً جمع قلةٍ. ومنه إبرازُ الجملةِ الثانيةِ مبتدأً وخبراً، والخبرُ جارٌّ ومجرورٌ بحرفِ "على" الدالِّ على الاستعلاء المجازي في الوجوبِ وقُدِّم الخبرُ اعتناءً به. وقُدِّم الرزْقُ على الكسوةِ لأنه الأهمُّ في بقاءِ الحياةِ ولتكرره كلَّ يومٍ. وأُبرزت الثالثة فعلاً ومرفوعَه، وجُعِل مرفوعُه نكرةً في سياقِ النفي ليعمَّ ويتناولَ ما سبقَ لأجله من حكم الوالدات في الإِرضاع والمولود له في الرزق والكِسْوة الواجبَتَيْنِ عليه للوالدةِ، وأُبْرِزَت الرابعةُ كذلك لأنها كالإِيضاح لما قبلها والتفصيلِ بعد الإِجمال، ولذلك لم يُعْطَفْ عليها.
ولَمَّا كان تكليفُ النفسِ فوق الطاقة ومُضَارَّةُ أحدِ الزوجينِ للآخر مِمّ يتكرَّر ويتجدَّدُ أتى بهاتين الجملتين فعليتين وأَدْخَلَ عليهما حرف النفي وهو "لا" لأنّه موضوعٌ للاستقبال غالباً.
وأمَّا في قراءة مَنْ جَزَمَ فإنَّها ناهيةٌ، وهي للاستقبالِ فقط، وأضافَ الولدَ إلى الوالدة والمولودِ له تنبيهاً على الشفقةِ والاستعطافِ، وقدَّمَ ذِكْرَ عدم مُضَارَّةِ الوالد مراعاةً لِمَا تقدَّم من الجملتين، إذ قد بدأ بحكمِ الوالداتِ وثَنَّى بحكمِ الوالدِ. ولولا خوفُ السآمةِ وأنَّ الكتابَ غيرُ موضوعٍ لهذا الفنِّ لذكرْتُ ما تَحتمِلُه هذه الآية الكريمةُ من ذلك.
قولُه: {وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك} هذه جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ، قَدَّم الخبرَ اهتماماً، ولا يَخْفَى ما فيها، وهي معطوفةٌ على قولِه: {وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ} وما بينهما اعتراضٌ؛ لأنه كالتفسيرِ لقوله: "بالمعروف" كما تقدَّم.
والألفُ واللامُ في "الوارث" بدلٌ من الضميرِ عندَ مَنْ يَرى ذلك، ثم اختلفوا في ذلك الضمير: هل يعودُ على المولود له وهو الأبُ، فكأنه قيل: وعلى وارِثِه، أي: وارِثِ المولدِ له، أو يعودُ على الولدِ نفسه، أي: وارثِ الولد؟ وهذا على حَسَبِ اختلافِهم في الوارثِ.
وقرأ يحيى بن يعمر: "الوَرَثَة" بلفظ الجمعِ، والمشارُ إليه بقوله: "مثلُ ذلك" إلى الواجبِ من الرزق والكسوة، وهذا أحسنُ مِنْ قول مَنْ يقول: أُشير به إلى الرزق والكسوة. وأشير بما للواحدِ للاثنين كقوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذلك} البقرة: 68. وإنما كان أحسنَ لأنه لا يُحْوِج إلى تأويل، وقيل: المشارُ إليه هو عَدَمُ المُضَارَّة، وقيل: أجرةُ المثلِ، وغيرُ ذلك.
قوله: {عَن تَرَاضٍ} فيه وجهان، أحدُهما: وهو الظاهر ـ أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ إذ هو صفةٌ ل "فِصالاً"، فهو في محلِّ نصبٍ أي: فصالاً كائناً عن تراضٍ. والثاني: أنه متعلَّقٌ بأراد، ولا معنى له إلاَّ بتكلفٍ. و"عن" للمجاوزة مجازاً لأنَّ التراضيَ معنىً لا عينٌ.
و"تراض" مصدرُ تفاعَل، فعينُه مضمومةٌ وأصله: تفاعُل تراضُوٌ، فَفُعِل فيه ما فُعِل بـ "أَدْلٍ" جمعَ دَلْوٍ، مِنْ قلبِ الواو ياءً والضمةِ قلبِها كسرةً، إذ لا يوجَدُ في الأسماءِ المعربةِ واوٌ قبلَها ضمةٌ لغير الجمع إلا ويُفْعَلُ بها ذلك تخفيفاً.
قوله: {مِّنْهُمَا} في محلِّ جرٍّ صفةً لـ "تَراضٍ"، فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي تراضٍ كائنٍ أو صادرٍ منهما. و"مِنْ" لابتداء الغايةِ.
وقوله: {وَتَشَاوُرٍ} حُذِفَتْ لدلالةِ ما قبلَها عليها والتقدير: وتشاورٍ منهما، ويُحْتَمَل أَنْ يكونَ التشاوُرُ من أحدِهما مع غيرِ الآخر لتتفق الآراءُ منهما ومِنْ غيرِهما على المصلحةِ.
قوله: {فَلاَ جُنَاحَ} الفاءُ جوابُ الشرطِ، وقد تقدَّم نظيرُ هذه الجملة، ولا بُدَّ قبلَ هذا الجواب من جملةٍ قد حُذِفَت ليصحَّ المعنى بذلك تقديرُه: فَفَصَلاه أو فَعَلا ما تراضيا عليه فلا جُناحَ عليهما في الفِصال أو في الفَصْل .
قوله: {أَن تسترضعوا} أنْ: وما في حَيِّزها في محلِّ نصبٍ مفعولاً ب "أراد" وفي "استرضع" قولان للنحْويين، أحدُهما: أنه يتعدَّى لاثنين ثانيهما بحرف الجرِّ، والتقديرُ: أَنْ تسترضعوا المراضعَ لأولادِكم، فَحُذِف المفعولُ الأول وحرفُ الجر من الثاني، فهو نظيرُ "أمرتُ الخيرَ"، ذكرْتَ المأمورَ به لوم تَذْكُرِ المأمورَ، لأنَّ الثاني منهما غيرُ الأول، وكلُّ مفعولين كانا كذلك فأنتَ فيهما بالخيار بين ذِكْرِهما وحَذْفِهما، وذِكْرِ الأولِ، دونَ الثاني والعكس. والثاني: أنه متعدٍّ إليهما بنفسِه، ولكنه حُذِفَ المفعولُ الأولُ وهذا رأيُ الزمخشري، ونَظَّر الآية الكريمة بقولك: "أنجح الحاجة واستَنْجَحَتْه الحاجة" وهذا يكون نقلاً بعد نقلٍ، لأنَّ الأصلَ "رَضِعَ الولدُ"، ثم تقول: "أَرْضَعَت المرأةُ الولدَ"، ثم تقول: "استرضَعْتُها الولد.
وفيه نظرٌ، لأنَّ قولَه "رضِع الولدُ" يُعتقدُ أنَّ هذا لازمٌ ثمَ عَدَّيْتَه بهمزةِ النقلِ، ثمَ عَدَّيْتَه ثانياً بسينِ الاستفعال، وليس كذلك لأنَّ "رَضِع الولدُ" متعدٍّ، غاية ما فيه أنَّ مفعولَه غيرُ مذكورٍ تقديرُه: رَضِع الولدُ أمَّه، لأنَّ المادةَ تقتضي مفعولاً به كضَربَ، وأيضاً فالتعديةُ بالسين قولٌ مرغوب عنه. والسينُ للطلبِ على بابها نحو: استسقيتُ زيداً ماءً واستطْعَمْته خبزاً، فكما أنَّ ماءٌ وخبزاً منصوبان لا على إسقاط الخافضِ كذلك "أولادكم". وقد جاء استفعل للطلب وهو مُعَدَّى إلى الثاني بحرف جر، وإن كان "أَفْعَل" الذي هو أصلُه متعدِّياً لاثنين نحو: "أفهمني زيدٌ المسألةَ" واستفهمتُه عنها، ويجوز حَذْفُ "عن"، فلم يَجِىءْ مجيء "استَسْقَيْت" و"استطعمت " من كونِ ثانيهما منصوباً على لا على إسقاطِ الخافض.
وفي هذا الكلام التفاتٌ وتكوينٌ: أمَّا الالتفاتُ فإنه خروجٌ من ضميرِ الغَيْبةِ في قوله "فإنْ أرادوا" إلى الخطابِ في قولِه: "وإنْ أردْتُم" إذا المخَاطَبُ الباءُ والأمهاتُ. وأمَّا التكوينُ في الضمائِر فإنَّ الأول ضميرُ تثنيةٍ وهذا ضميرُ جمعٍ، والمرادُ بهما الآباءُ والأمهاتُ أيضاً، وكأنه رَجَعَ بهذا الضمير المجموع إلى الوالدات والمولودِ له، ولكنه غَلَّب المذكَّرَ وهو المولودُ له، وإنْ كان مفرداً لفظاً. و"فلا جُناحَ" جوابُ الشرط.
قوله: {إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم} إذا: شرطٌ حُذِفَ جوابُه لدلالةِ الشرطِ الأولِ وجوابِه عليه.
وقرأ الجمهور: "آتيتم" بالمدِّ هنا وفي الروم: {وَمَا آتَيْتُمْ مِّن رِّباً} الروم: 39، وقَصَرَهما ابنُ كثير. ورُوي عن عاصم "أوتيتم" مبنياً للمفعول، أي: ما أَقْدَرَكم الله عليه. فأمَّا قراءةُ الجمهورِ فواضحةٌ لأنَّ آتى بمعنى أعطى فهي تتعدَّى لاثنين أحدُهما ضميرٌ يعودُ على "ما" الموصولةِ، والآخر ضميرٌ يعودُ على المراضعِ، والتقديرُ: ما آتيتموهنَّ إياه، فـ "هُنَّ" هو المفعولُ الأول، لأنه فاعلٌ في المعنى، والعائدُ هو الثاني، لأنه هو المفعولُ في المعنى. والكلامُ على حذفِ هذا الضمير وهو منفصلٌ قد تقدَّم ما عليه من الإِشكال والجوابُ عند قوله: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} البقرة: 3 فَلْيُلْتفتْ إليه. وأمَّا قراءةُ القصرِ فمعناها جِئْتم وفَعَلْتُم كقولِ زهير:
وما كان مِن خيرٍ أَتَوْه فإنَّما ................... توارَثَهُ آباءُ آبائِهم قَبْلُ
أي: فعلوه، والمعنى إذا سَلَّمتم ما جِئْتُمُ وفَعَلْتُم، تقديرُ: ما أتيتم نَقْدَه أو إعطاءه، فَحُذِفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامَه، وهو عائدُ الموصول، فصار: آتيتموه أي جئتموه، ثم حُذِفَ عائدُ الموصولِ. ويجوز أن يكونَ التقديرُ: ما جِئْتُم به فَحُذِفَ، يعني حُذِف على التدريج بأنَّ حُذِفَ حرف الجر أولاً فاتصل الضمير منصوباً بفعلٍ فَحُذِفَ.
و"ما" فيها وجهان، أظهرهُما: أنها بمعنى الذي، وأجاز أبو عليّ فيها أن تكون موصولةً حرفيةً، ولكنْ ذَكَر ذلك مع قراءةِ القصرِ خاصة، والتقدير: إذا سَلَّمتم الإِتيان، وحينئذٍ يُسْتَغْنَى عن ذلك الضمير المحذوف. ولا يختصُّ ذلك بقراءة القصرِ، بل يجوزُ أن تكونَ مصدريةً مع المدِّ أيضاً على أَن المصدرَ واقعٌ موقع المفعولِ، تقديرُه: إذا سلَّمتم الإِعطاء، أي المُعْطَى والظاهرُ في "ما" أن يكونَ المرادُ بها الأجرةَ التي تُعْطاها المرضعُ، والخطابُ على هذا في قولِه: "سَلَّمتم" و"آتيتم" للآباء خاصةً، وأجازوا أن يكونَ المرادُ بها الأولاد، قاله قتادة والزهري. وفيه نظرٌ من حيث وقوعُها على العقلاء، وعلى هذا فالخطابُ في "سَلَّمتم" للآباء والأمهاتِ.
وقرأ عاصم في رواية شيبان: "أُوتيتم" على البناء للمجهول ومعناه: ما آتاكم الله وأَقْدركم عليه من الأجرة، وهو في معنى قولِه تعالى: {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} الحديد: 7.
قوله: {بالمعروف} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يتعلَّق بـ "سَلَّمْتم" أي: بالقولِ الجميلِ. والثاني: أنْ يتعلَّق بـ "آتيتم"، والثالثُ: أن يكونَ حالاً من فاعل "سَلَّمْتم" أو "آتيتم"، فالعاملُ فيه حينئذٍ محذوفٌ أي: ملتبسين بالمعروفِ.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى