فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة الفاتحة الآية:2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة الفاتحة الآية:2

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في السبت أغسطس 25, 2012 8:41 pm

الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ(2)
قَوْلُهُ تَعَالَى: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} وَصَفَ نَفْسَهُ تَعَالَى بَعْدَ "رَبِّ الْعالَمِينَ"، بِأَنَّهُ "الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي اتِّصَافِهِ بِـ "رَبِّ الْعالَمِينَ" تَرْهِيبٌ قَرَنَهُ بِـ "الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، لِمَا تَضَمَّنَ مِنَ التَّرْغِيبِ، لِيَجْمَعَ فِي صِفَاتِهِ بَيْنَ الرَّهْبَةِ مِنْهُ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ أَعْوَنَ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَمْنَعَ، كَمَا قَالَ:{نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ} سورة الحجر آية: 49 و 50. وَقَالَ: {غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ} سورة غافر آية: 3. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ)).
وبرحمتِه عَرَفَ العبدُ أنّه الرحمنُ ، ولولا رحمتُه لما عَرَفَ أحدٌ أنّه الرحمنُ ، وإذا كانت الرحمةُ إرادةُ النِعْمةِ، أو نفسُ النَعْمةِ ـ كما هي عند قومٍ ـ فالنِعَمُ في أنفُسِها مختلفةٌ، ومراتبُها متفاوتةٌ، فنعمةٌ هي نِعْمةُ الأشباحِ والظواهِرِ، ونِعمةٌ هي نِعمةُ الأرواح والسرائر.
وعلى طريقةِ مَنْ فَرَّقَ بينهما فالرحمنُ خاصُّ الاسمِ عامُّ المعنى، والرحيم عامُّ الاسم خاصُّ المعنى؛ فلأنّه الرحمنُ رَزَقَ الجميعَ ما فيه راحةُ ظواهِرِهم، ولأنّه الرحيمُ وَفَّقَ المؤمنينَ لِما بِه حياةُ سرائرهم، فالرحمن بما روَّح، والرحيم بما لوَّح؛ فالترويح بالمَبَارِّ، والتلويح بالأنوار: والرحمنُ بكشف تَجَلِّيه والرحيمُ بلطف تولِّيه، والرحمنُ بما أوْلى من الإيمان والرحيم بما أسدى من العرفان، والرحمنُ بما أعطى من العِرفانِ والرحيمُ بما تولَّى من الغفران، بل الرحمن بما يُنعم به من الغفران والرحيم بما يَمُنُّ به من الرضوان، بل الرحمنُ بما يَكتم به والرحيم بما ينعم به من الرؤية والعِيان، بل الرحمنُ بما يُوفِّقُ، والرحيم بما يُحقِّق، والتوفيق للمعاملات، والتحقيق للمواصلات، فالمعاملات للقاصدين، والمواصلات للواجدين، والرحمن بما يصنع لهم والرحيم بما يدفع عنهم؛ فالصُنعُ بجميلِ الرِعايةِ والدفعُ بحُسْنِ العِناية.
وفي تكرار: {الرحمن الرحيم} وجوهٌ أولها: ما سَبَقَ من أنّ رحمتيْ البسملة ذاتيتان ورحمتيْ الفاتحة صِفاتيتان كماليتان. والثاني: ليُعلَمَ أنّ البسملةَ ليست من الفاتحة ولو كانت منها لما أعادهما لخلوه من الفائدة. والثالث: أنّه ذكرَ رَبَّ العالمين فبيّن أنّ رَبَّ العالمين هو الرحمنُ الذي يَرزُقُهم فى الدنيا، الرحيم الذي يغفُرُ لهم في الآخرة، ولذلك ذكر بعدَه مالك يوم الدين، يعني أنَّ الربوبيَة إمّا بالرحمانيّةِ وهي رزقُ الدُنيا وإمّا بالرحيميَّةِ وهي المغفرةُ في الآخرة. والرابع: أنّه ذَكرَ الحمدَ وبالحمدِ تٌنالُ الرحمةُ فإنَّ أوّل مَنْ حَمَدَ اللهَ تعالى منَ البشرِ أبونا آدمُ عليه السلامُ حين عطسَ فقال: الحمد لله، وأُجيبِ للحال يَرْحَمُكَ ربُّكَ ولذلك خَلَقك. فعُلِمَ أنّ خُلُقَهُ الحمدُ وبيّن أنّهم ينالون رحمتَه بالحمدِ. والخامس: أنَّ التَكرارَ للتعليلِ لأنّ ترتيبَ الحمدِ على هذه الأوصافِ أمارةٌ عليه، فالرحمانيّةُ والرحيميَّةُ من جُمْلَتِها لدلالتهما على أنّه مختارٌ في الإحسان لا مجبَرٌ، وفي ذلك استيفاءُ أسباب استحقاقِ الحمدِ من فيضِ الذاتِ بِرَبِّ العالمين وفيضِ الكمالات بالرحمنِ الرحيم. ولا خارج عنهما فى الدنيا. وفيضِ الأثْوِبةِ لُطفًا والأجزية عدْلًا فى الآخرة. ومن هذا يفهم وجه ترتيب الأوصافِ الثلاثة. والفرق بين الرحمنِ والرحيمِ إمّا باختصاصِ الحقِّ بالاوَّلِ أو بعمومِه أو بجلائل النِعَمِ. فعلى الأوّل هو الرحمنُ بما لا يَصدُر جِنْسُهُ من العبادِ، والرحيمُ بما يُتَصَوَّرُ صدورُه منهم.
رُوي عن ذي النون المصري قُدِّسَ سِرُّهُ أنّه قال: وقعت وَلْوَلَةٌ في قلبي فخرجتُ إلى شَطِّ النيلِ فرأيتُ عقربًا يَعدو فتبعتُه فوصلَ إلى ضِفدَعٍ على الشَطِّ فركِبَ ظهرَه وعبرَ به النيلَ فركبتُ السفينةَ واتّبعتُه فنَزَلَ وعدا إلى شابٍّ نائمٍ وإذا أفعى بقربِه تَقْصدُهُ فتواثبا وتلادغا وماتا وسَلِم النائمُ فهذا من رحمته تعالى بعباده أن سخر العقرب والضفدع لينقذ هذا الشاب من شر الأفعى والشيء بالشيء يذكر فقد حدث العكسُ في زماننا أن رجلاً من مدينة حلب كان متوجهاً بسيارته من حلب إلى دمشق، وكان الوقت صيفًا وكان الرجل فاتحًا نافذة السيارة واضعًا ساعده منها وإذ بأفعى يحملها طير جارح ويطير بها في كبد السماء، وتفلت الأفعى وتقع على ساعد الرجل وتلدغه فيكون بها نهاية أجله، فانظر إلى عجائب تصرف الله في خلقه. ويُحكى أنّ ولدَ الغُرابِ إذا خرجَ من القِشرِ يكون كلحمٍ أحمرَ، ويَفِرُّ الغُرابُ منه، فيجتمع عليه البعوضُ إلى أنْ ينبتَ ريشُه فعند ذلك تعودُ الأمُّ إليه. فسبحان من لا تنتهي عجائب تصريفه. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مِنَ الْمَعَانِي، فلا معنى لإعادته.
{الرحمن الرحيم} نعتٌ أو بدلٌ، وقُرئا منصوبَيْنِ ومرفوعَيْنِ، وقد
ذكر ذلك في البسملة بالتفصيل فلْيراجعه من أحب.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى