فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 4

اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 4

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الأحد سبتمبر 02, 2012 10:17 am

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم، سورة البقرة، الآية: 4

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)

قوله تعالى: {وما أنزل إليك}الإنزال، والوحي متقاربان، لكن استعمال "الإنزال" على اعتبارِ حالِ المُنزِلِ والمُنزَلِ إليه بالشرفِ والمَنزِلة، لا بالمكان. والوحيُ: هو الإشارةُ والإبقاءُ. وذلك على ثلاثة أَضْرُبٍ بيَّنَها اللهُ تعالى في قوله {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}.
فالأول الوحي: وهو الإنزالُ الذي بيّنَه تعالى وبيَّنَ أُولي العزمِ من الرسلِ بسفيرٍ يَروْنَه.
والثاني: بسماعٍ من غيرِ رؤيةٍ، كحالِ موسى ـ عليه السلام ـ في ابتداءِ بِعثَتِه.
والثالث: بالإلهامِ والإلقاءِ في الرَّوعِ. وذلك ضَربان: إمّا الإلقاءُ في الرَّوعِ في حالِ اليَقَظَةِ، وهو المُعَبَّرُ عنه بالمُحَدَّثِ و"المُرَوَّعِ"، وعليه نَبَّهَ عليه الصلاةُ والسلام بقوله: ((إنَّ في أُمَّتي لَمُرَوَّعين)) وقولِه: ((إنْ يَكُ في هذه الأُمَّةِ مُحَدَّثٌ فعُمَرُ بنُ الخَطّابِ)). رضي اللهُ عنهُ وأرضاه. وقولُه: ((إنَّ روحَ القُدُسِ نَفَثَ في رَوْعي)).
وإمّا إلقاءٌ إليه في المَنامِ، وذلك ضَرْبان: إمّا ظاهرٌ مِن المَنامِ لا يَحتاجُ إلى تعبيرٍ. وإمّا تَلْويحٌ ورَمْزٌ يَحتاجُ إلى تعبير(تفسير وتأويل)، ولهذا قال عليه الصلاةُ والسلام: ((الرُؤيا الصادقةُ (الصالحة) جُزْءٌ من خمسٍ وأربعين جُزْءًا من النُبُوَّةِ)). فالذي يكون في المنامِ بالإلقاءِ في الرَّوْعِ، قد يكون لغيْرِ الأنبياء ـ عليهم السلام ـ والذي يكون بالسَماعِ من غيرِ رؤيةٍ قد يكون لغيرِ أُولي العَزْمِ مِن الرُّسُلِ. والذي يكون بالسَفيرِ المَرْئيِّ لا يكون إلّا لأُولي العزم. وعلى هذا حالُ الإنزال، فقد ذَكَرَ تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ}، وقال: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} وقولُه: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}. ومعلومٌ أنَّ ذلك بالتَمْكينِ والإلْقاءِ في الرَّوْعِ: بالهِدايَةِ إليه.
و{ويوقنون} اليقينُ هو أقوى إدراكاتِ العَقْلِ، ولهذا قيل: هو مشاهدةُ الغُيوبِ بعينِ القُلوبِ، كما أنَّ رؤيةَ البَصَرِ أقوى إدراكاتِ الحَواسِّ، ولصُعوبَةَ إدْراكِه، قال ـ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((أَخوَفُ ما أخافُ على أُمّتي ضَعْفُ اليقين)). ولذلك قالوا: اليقينُ هو اطْمِئنانُ القلبِ اعتباراً بثَمَرَتِهِ. وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} واستُعمِلَ فيه "الرؤيةُ" تنبيهاً على ما تقدَّمَ.
وإيمانُهم بالغيبِ اقْتَضى إيمانَهم بالقرآن، وبما أَنْزَلَ اللهُ من الكتب قبلَ القرآن، ولكنّه أَعادَ ذِكرَ الإيمان ها هنا على جهةِ التَخصيصِ والتأكيدِ، وتصديقِ الواسِطةِ صلى الله عليه وسلم في بعض ما أخبرَ يُوجِبُ تصديقَه في جميعِ ما أخبرَ، فإنَّ دَلالَةَ صِدْقِه تَشْهَدُ على الإطلاقِ دون التَخصيصِ، وإنّما أَيقنوا بالآخرةِ لأنّهم شَهِدوا على الغيبِ فإنَّ حارثَةَ لمّا قال له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم: ((كيف أصبحت؟)) قال: أصبحتُ مؤمناً بالله حقًّا، وكأنّي بأهْلِ الجَنَّةِ يَتزاوَرون وكأنّي بأهلِ النارِ يَتعاوُون، وكأنَي بعرشِ ربّي بارزاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَصَبْتَ فالْزَمْ))، وفي رواية ((عَرَفتَ فالزم)). وهذا عامرٌ بنُ عبدِ القيْسِ يقول: (لو كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقيناً). وحقيقةُ اليقينِ التَخَلُّصُ من تردُّدِ التَخْمين، والتَقَصّي عن مَجوزاتِ الظُنون.
قولُه سبحانه: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك ...} قِيلَ: الْمُرَادُ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَفِيهِ نَزَلَتْ، وَنَزَلَتِ الْأُولَى فِي مُؤْمِنِي الْعَرَبِ. وَقِيلَ: الْآيَتَانِ جَمِيعًا فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَيْهِ فَإِعْرَابُ "الَّذِينَ" خَفْضٌ عَلَى الْعَطْفِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ أَيْ وَهُمُ الَّذِينَ. وَمَنْ جَعَلَهَا فِي صِنْفَيْنِ فَإِعْرَابُ "الَّذِينَ" رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ "أُولئِكَ عَلى هُدىً" وَيُحْتَمَلُ الْخَفْضُ عَطْفًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ} يَعْنِي الْقُرْآنَ {وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} يَعْنِي الْكُتُبَ السَّالِفَةَ، بِخِلَافِ مَا فَعَلَهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى حَسْبَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا}. البقرة: 91. الْآيَةَ. وَيُقَالُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ" قَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: نَحْنُ آمَنَّا بالغيب، فلما قال: "وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ" البقرة: 3. قَالُوا: نَحْنُ نُقِيمُ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا قَالَ: "وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ" قَالُوا: نَحْنُ نُنْفِقُ وَنَتَصَدَّقُ، فَلَمَّا قَالَ: "وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ" نَفَرُوا مِنْ ذَلِكَ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَ اللَّهُ؟ قَالَ: ((مِئَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى شِيثَ خمسينَ صحيفةً وعلى أَخنُوخَ (إدريس) ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ وَأَنْزَلَ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرَ صَحَائِفَ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ)). الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الْحُسَيْنُ الْآجُرِّيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ الْبَسْتِيُّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}. أَيْ وَبِالْبَعْثِ وَالنَّشْرِ هُمْ عَالِمُونَ. وَالْيَقِينُ: الْعِلْمُ دُونَ الشَّكِّ، يُقَالُ مِنْهُ: يَقِنْتُ الْأَمْرَ (بِالْكَسْرِ) يَقْنًا، وأيقنتُ واستيقنتُ وتيقَّنتُ كله بمعنى، وَأَنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ. وَإِنَّمَا صَارَتِ الْيَاءُ وَاوًا فِي قَوْلِكَ: مُوقِنٌ، لِلضَّمَّةِ قَبْلَهَا، وَإِذَا صَغَّرْتَهُ رَدَدْتَهُ إِلَى الْأَصْلِ فَقُلْتَ مُيَيْقِنُ وَالتَّصْغِيرُ يَرُدُّ الْأَشْيَاءَ إِلَى أُصُولِهَا وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ. وَرُبَّمَا عَبَّرُوا بِالْيَقِينِ عَنِ الظَّنِّ، قَالَ الشَّاعِرُ أبو سدرة الأسدي:
تَحَسَّبَ هَوَّاسٌ وَأَيْقَنَ أَنَّنِي .............. بِهَا مُفْتَدٍ مِنْ وَاحِدٍ لَا أُغَامِرُهْ
يَقُولُ: تَشَمَّمَ الْأَسَدُ نَاقَتِي، يَظُنُّ أَنَّنِي مُفْتَدٍ بِهَا مِنْهُ، وَأَسْتَحْمِي نَفْسِي فَأَتْرُكُهَا لَهُ وَلَا أَقْتَحِمُ الْمَهَالِكَ بِمُقَاتَلَتِهِ. فَأَمَّا الظَّنُّ بِمَعْنَى الْيَقِينِ فَوَرَدَ فِي التَّنْزِيلِ وَهُوَ فِي الشِّعْرِ كَثِيرٌ، وَسَيَأْتِي.
وَالْآخِرَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّأَخُّرِ لِتَأَخُّرِهَا عَنَّا وَتَأَخُّرِنَا عَنْهَا، كَمَا أَنَّ الدُّنْيَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الدُّنُوِّ، على ما يأتي.
قوله تعالى: {والذين يُؤْمِنُونَ} الذين: عطفٌ على "الذين" قبلَها، من باب عَطْفِ بعضِ الصفاتِ على بعضٍ كقول الشاعر:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ ............. وليثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ
وقول آخر:
يا ويحَ زيَّابَة للحارثِ الــ........................ـصابحِ فالغانمِ فالآئِبِ
يعني: أنّهم جامعونَ بين هذه الأوصافِ إنْ قيلَ إنَّ المرادَ بهما واحدٌ.
أو أن يكونوا غيرهم. وعلى كِلا القولينِ فيُحكم على موضعِه بما حُكم على موضِعِ "الذين" المتقدِّمةِ من الإِعرابِ رفعاً ونصباً وجَرًّا قَطْعاً وإتباعاً، كما مرَّ تفصيلُه، ويَجوزُ أنْ يكونَ عطفاً على "المتقين"، وأن يكونَ مبتدأً خبرُه "أولئك" وما بعدَها إنْ قِيلَ إنَّهم غيرُ "الذين" الأولى، و"يؤمنون" صلةٌ وعائدٌ.
و"بما أُنْزِلَ" متعلِّقٌ به، و"ما" موصولةٌ اسميَّةٌ، و"أُنْزِلَ" صِلَتُها
وهو فِعْلٌ مبنيٌّ للمفعول، والعائدُ هو الضميرُ القائمُ مقامَ الفاعلَ، ويَضْعُف أن يكونَ نكرةً موصوفةً، لأنَّ النَكِرةَ الموصوفةَ لا عمومَ فيها، ولا يَكْمُلُ الإِيمانُ إلّا بجميعِ ما أُنزل.
و"إليك" متعلِّقٌ بـ "أُنزل"، ومعنى "إلى" انتهاءُ الغاية، ولها معانٍ أُخَرُ: المصاحَبَةُ {وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ} النساء:2، والتبيين: {رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ} يوسف: 33، وموافقة اللّامِ وفي ومِنْ: {والأمرُ إِلَيْكِ } النمل: 33 أي لك: قال النابغة :
فلاَ تَتْرُكَنِّي بالوعيدِ كأنّني ............ إلى الناسِ مَطْلِيٌّ بِه القارُ أَجْرَبُ
أي في الناس، وقال آخر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . ... أَيُسْقَى فلا يُرْوى إليَّ ابنُ أَحْمَرا
أي: لا يُرْوى مني، وقد تُزَادُ، قُرئ: "تهوَى إليهم" بفتح الواو.
والكافُ في "إليك": في محلِّ جرٍّ، وهي ضميرُ المُخاطَبِ، ويتّصِلُ بها ما يَدُلُّ على التثنيةِ والجمعِ تَذكيراً وتأنيثاً كتاءِ لمخاطب. والنزولُ: الوصول والحلولِ من غيرِ اشتراطِ علوٍّ، قال تعالى: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} الصافات: 177. أي حلَّ ووَصَل، و"ما" الثانيةُ وصِلَتُها عطفٌ على "ما" الأولى قَبلَها، فالكلامُ عليها وعلى صِلَتِها كالكلامِ على "ما" التي قبلَها.
و{مِنْ قبلِك} متعلِّقٌ بـ "أُنْزِلَ"، و"مِنْ" لابتداءِ الغاية، و"قبل" ظرفُ زمانٍ يَقتضي التَقَدُّمَ، وهو نقيضٌ "بعد"، وكِلاهما متى نُكِّرَ أو أُضيفَ أُعْرِبَ، ومتى قُطِعَ مِنَ الإِضافةِ لفظاً وأُرِيد به معنى بُنيَ على الضمِّ، فمِن الإِعرابِ قولُه:
فساغَ ليَ الشرابُ وكنتُ قَبْلاً ............... أكادُ أَغَصُّ بالماءِ القَراحِ
وقال آخر :
ونحن قَتَلْنَا الأُسْدَ أُسْدَ خَفِيَّةٍ .......... فما شَرِبوا بَعْداً على لَذَّةٍ خَمْرا
ومن البِناءِ قولُه تعالى: {لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} الروم: 4.
وزعم بعضُهم أنَّ "قبل" في الأصلِ وصفٌ نابَ عن موصوفِه لُزوماً فإذا قلتَ: قمتُ قبلَ زيدٍ. فالتقدير: قمتَ في زمانٍ قبلَ زمانِ قيامِ زيدٍ، فحُذِف هذا كلُّه، ونَاب عنه "قبلَ زيد".
وحُكْمُ "فوق" و"تحت" و"على" و"أوَّل" حكمُ "قبلُ" و"بعدُ" فيما تقدَّم.
وقُرئ: "بما أَنْزَلَ إليك" مبنيَّاً للفاعلِ وهو اللهُ تعالى أو جبريلُ.
وقُرئ أيضاً: "أُنْزِلْ لَّيْكَ" بتشديدِ اللّام، وتوجيهُه أنْ يكونَ سَكَّنَ آخرَ الفعل كما سكَّنَه الشاعرُ في قوله:
إنّما شِعْريَ مِلْحٌ ................................. قد خُلِطْ بِجُلْجُلانْ
بتسكينِ "خُلِطْ". ثمّ حَذَف همزةَ "إليكَ"، فالتقى مِثْلان فَأَدْغَمَ.
و"بالآخرةِ" متعلِّقٌ بيُوقِنون، و"يُوقنون" خبرٌ عن "هُمْ" وقُدِّمَ المجرورُ للاهتمامِ بِهِ كما قُدِّمَ المُنْفَقُ في قولِه: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} البقرة: 3. وهذه جملةٌ اسميَّةٌ عُطِفَتْ على الجُملةِ الفعليّةِ قبلَها فهي صلةٌ أيضاً، ولكنّه جاء بالجُملةِ هُنا من مبتدأٍ وخبرٍ بِخِلافِ: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} لأنَّ وصفَهم بالإِيقان بالآخرةِ أَوْقَعُ مِنْ وَصْفِهم بالإِنْفاقِ من الرزقِ فناسَبَ التأكيدَ بمَجيءِ الجُملةِ الاسميَّةِ، أو لئلاَّ يتكرَّرَ اللفظُ لو قيلَ: ومِمَّا رَزَقْناهم هم ينفقون.
والإِيقانُ: تحقيقُ الشيءِ لوُضوحِه وسُكونِه، يُقال: يَقِنَ الماءُ إذا سَكَنَ فظَهَرَ ما تحتَه، وَيَقِنْتُ الأمرَ بكسرِ القافِ، ويُوقنون مِنْ أَيْقَنَ بمعنى اسْتيْقَنَ، وقد تقدَّم أنَّ أَفْعَل تأتي بمعنى استفعل.
والآخرةُ: تأنيثُ "آخِر" المقابِلِ لـ "أوَّل"، وهي صفةٌ في الأصلِ جَرَتْ مَجْرى الأسماءِ، والتقديرُ: الدارُ الآخِرةُ أو النَشْأةُ الآخِرةُ، وقد صُرِّح بهذيْن الموصوفيْن، قال تعالى: {وَلَلدَّارُ الآخرةُ خَيْرٌ} الأنعام: 32، وقال: {ثُمَّ اللهُ يُنشِىءُ النَشأةَ الآخِرةَ} العنكبوت: 20.
وقُرئ يُؤْقِنُون بهمز الواو، كأنّهم جَعَلوا ضمّةَ الياءِ على الواوِ لأنَّ حركةَ الحرفِ بين يديه، والواوُ المضمومةُ يَطَّرِدُ قلبُها همزةً بشروط: منها ألَّا تكونَ الحركةُ عَارضةً، وألَّا يُمْكِنَ تخفيفُها، وألَّا يكونَ مُدْغماً فيها، وألاَّ تكونَ زائدةً، على خلافٍ في هذا الأخير، وسيأتي أمثلةُ ذلك في سورة آل عمران على قوله: {وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ} آل عمران: 153، فأجْرَوا الواوَ الساكنةَ المضمومَ ما قبلَها مُجْرى المَضمومةِ نَفْسِها، ومثلُ هذه القراءةِ قراءةُ قُنْبُلٍ {بالسُّؤْقِ} ص: 33، و{على سُؤْقِه} الفتح: 29، وقال الشاعر:
أَحَبُّ المُؤْقِدينَ إليَّ موسى ................ وجَعْدَةُ إذ أضاءَهُما الوَقودُ
بهمزِ "المُؤْقدين". وجاء بالأفعالِ ِالخمسةِ بصيغةِ المُضارِع دَلالةً على
التَجَدُّدِ والحُدوثِ وأنَّهم كلَّ وقتٍ يفعلون ذلك. وجاء بأُنْزِل ماضياً وإن كان إيمانُهم قبلَ تمامِ نُزولهِ، وذلك تَغليباً للحاضِرِ المُنَزَّلِ على ما لم يُنَزَّلُ، لأنّه لا بُدَّ من وُقوعِه فكأنّه نَزَل، فهو من بابِ قولِهِ: {أتى أَمْرُ الله} النحل: 1، بل أقربُ منهُ لنزولِ بعضِهِ.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى