فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 12

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 12

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الإثنين سبتمبر 03, 2012 3:29 pm

.
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ
(12)
قوله عز وجل: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} في الأرضِ بالكُفرِ وهو أَشَدُّ الفَسادِ، وهو أبلغُ رَدٌّ لِما ادّعوه للاستئنافِ به وتصديرِهِ بحرفيْ التأكيد، رَدًّا عَلَيْهِمْ وَتَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ.
قَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِيَ: مَنْ أَظْهَرَ الدَّعْوَى كَذَبَ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: "أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ" وَهَذَا صَحِيحٌ. وكُسِرت همزةُ "إنَّ" لأنّها مُبتدَأة، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا. وَ"هُمْ" تَوْكِيدٌ لِلْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي "إِنَّهُمْ". وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فَاصِلَةً وَ"الْمُفْسِدُونَ" من الفساد والفَسادُ هنا الكُفْرُ والعملُ بالمَعصيةِ كما قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} وذلك لأنّهم يَظنّون أنَّ ما هم عليه من النِفاقِ وإبطانِ الكُفْرِ صلاحٌ وهو عينُ الفسادِ، وقيلَ لا يَشعرون بما أَعَدَّ اللهُ لهم من العذابِ، والأُولى أَوْلى.
يُقَالُ: مَا عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُفْسِدٌ مِنَ الذَّمِّ، إِنَّمَا يُذَمُّ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُفْسِدٌ ثُمَّ أَفْسَدَ عَلَى عِلْمٍ: فِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ الْفَسَادَ سِرًّا وَيُظْهِرُونَ الصَّلَاحَ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّ أَمْرَهُمْ يَظْهَرُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ فَسَادُهُمْ عِنْدَهُمْ صَلَاحًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّ ذَلِكَ فَسَادٌ، وَقَدْ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي تَرْكِهِمْ تَبْيِينَ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ.
وهو رَدٌّ لِدَعواهُمُ المَحْكِيَّةِ على أبلغِ وجهٍ حيث سَلَك فيه مَسْلَك الاستئناف المُؤدّي إلى زيادةِ تَمَكُّنِ الحُكْمِ في ذِهْنِ السامعِ مع تأكيدِ الحُكْمِ وتحقيقِه بـ "أنّ" و"ألا" بناءً على تركبها من همزة الاستفهام الإنكاري الذي هو نفي معنى و "لا" النافية فهو نفي نفي فيفيد الإثبات بطريق برهاني أبلغ من غيرِه ولإفادتها التحقيق كما أنّ "هم" تفيدُ تأكيدَ المعنى.
قوله تعالى: {ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون} ألا: حرفُ تنبيهٍ واستفتاحٍ، تدخلُ على الجملة إسميَّةً كانت أو فعليَّة، بين العَرْض والتخصيص، فتختصُّ بالأفعال لفظاً أو تقديراً، وتكونُ للتّمنِّي فتَجري مَجْرى "ليت" في بعض أحكامِها. إنهم: إنَّ حرفٌ مشبَّهٌ بالفِعلِ والهاءُ اسمُها والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ، و"هم" ـ الثانية ـ تَحْتمل ثلاثةَ أوجه، أحدها: أن تكون تأكيداً لاسم "إنَّ" لأنَّ الضميرَ المنفصلَ المرفوعَ يجوز أن يؤكَّد به جميعُ ضروبِ الضميرِ المتصلِ، وأنْ تكونَ فَصلاً، وأنْ تكونَ مبتدأً و"المفسدون" خبرُه، وهما خبرٌ لـ "إنَّ" وعلى القَولَيْن الأَوَّلَيْن يكونُ
"المفسدون " وحدَه خبراً لـ "إِنَّ" .
وجيءَ في هذه الجملةِ بضروبٍ من التأكيدِ، منها: الاستفتاحُ والتنبيه والتأكيدُ بـ "إنَّ" وبالتأكيدِ أو الفصلِ بالضميرِ "هم" وبالتعريفِ في الخبر "المفسدون" مبالغةً في الردِّ عليهم فيما ادَّعَوه من قولهم: "إنما نحن مصلحون"، لأنّهم أَخْرجوا الجوابَ جملةً اسميّة مؤكَّدة بـ "إنما"، لِيَدُلُّوا بذلك على ثبوتِ الوصفِ لهم فردَّ الله عليهم بأبلَغَ وآكدَ مِمَّا ادَّعَوه.
قولُه تعالى: {ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ} الواوُ عاطفةٌ لهذه الجملةِ على ما قبلها و"لكن" معناها الاستدراكُ، وهو معنىً لا يفارقها، وتكون عاطفةً في المفردات، ولا تكون إلّا بين ضِدَّيْن أو نقيضَيْن، وفي الخلافين خلافٌ، نحو: ما قامَ زيدٌ لكنْ خرجَ بكرٌ، واستدلَّ بعضُهم على ذلك بقولِ طَرَفَةَ:
ولستُ بحَلاَّلِ التِّلاعِ لِبَيْتِهِ ............. ولكن متى يَسْترفدِ القومُ أَرْفِدِ
فقوله: متى يسترفدِ القومُ أَرْفدِ ليس ضِدّاً ولا نَقيضاً لِما قبلَه، ولكنه خلافُه. قال بعضُهم: وهذا لا دليلَ فيه على المُدَّعَى، لأنَّ قولَه: لستُ بحلاَّل التِّلاعِ لبيتِهِ ـ وفي رواية مخافةً ـ كنايةٌ عن نَفْيِ البُخلِ أي: لا أَحُلُّ التِلاعَ لأجلِ البُخلِ، وقوله: متى يَسْتَرْفِد القومُ أَرْفِد كِنايةٌ عن الكَرَمِ، فكأنَّه قال: لستُ بخيلاً ولكنْ كَريماً، فهي هنا واقعةٌ بين ضِدَّيْنِ. ولا تعملُ مخفَّفةً "فتنصِبُ اسْمًا وترفَعُ خَبَراً، ولها أحكامٌ كثيرةٌ.
ومعنى الاستدراكِ في هذه الآيةِ يحتاجُ إلى فَضْلِ تأمُّلٍ ونَظَرٍ، وذلك أنّهم لَمَّا نُهُوا عن اتِّخاذِ مِثلِ ما كانوا يتعاطَوْنه من الإِفسادِ فقابلوا ذلك بأنّهم مصلحون في ذلك، وأخبَرَ تعالى بأنّهم هُمُ المُفسدون، كانوا حَقيقينَ بأنْ يَعْلَموا أنَّ ذلكَ كما أَخبرَ تعالى وأنّهم لا يَدَّعُون أنَّهم مُصلحون، فاستدرك عليهم هذا المعنى الذي فاتَهم من عدمِ الشعورِ بذلك، ومثلُه قولُك: زيدٌ جاهلٌ ولكن لا يعلم، وذلك أنَّه من حيثُ اتَّصَفَ بالجَهْلِ، وصار الجهلُ وصْفًا قائماً بِهِ كان يَنبغي أنْ يَعْلَمَ بهذا الوصفِ مِن نفسِه، لأنَّ الإِنسانَ ينبغي له أنْ يَعلَمَ ما اشْتملَتْ عليه نفسُه من الصِفاتِ فاستدركْتَ عليه أن هذا الوصفَ القائمَ به لا يعلمه مبالغةً في جَهْله.
ومفعول "يَشْعرون" محذوفٌ: إمَّا حذفَ اختصار، أي: لا يَشعرون بأنّهم مُفسِدون، وإمَّا حذفَ اقْتِصارٍ، وهو الأحسنُ، أي ليس لهم شعورٌ البتَّةَ.
ومن أبرز معاصي هؤلاء المنافقين، ما كانوا يَدْعونَ إليه في السِّرِّ من تَكذيبِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وإلقاءِ الشُبَهِ في طريقِ دعوتِه، والتَحالُفِ مع المشركين ضِدَّ المسلمين كلَّما وَجدوا إلى ذلك سبيلاً.
وسَلَكَ القرآنُ هذا الأُسلوبَ فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} بالبناءِ للمَجهولِ دون أنْ يُسنَدَ الفعلُ إلى فاعلِه، لأنَّ مصدرَ القولِ بالنهي عن الإِفسادِ ليس واحداً، فقد يَصلُ آذانَهم هذا النهي مرّةً مِن صَريحِ القولِ، وأُخْرى مِنْ تَجَهُّمٍ وإعراضٍ.
وعُلِّقَ بالفعل الذي هو الإِفسادُ قولَه: {فِي الأرضِ} إيذاناً بأنَّ الإِفسادَ مهما ضاقت حُدودُه، فإنّه لابدَّ يوماً أنْ يَتَعَدَّى الحُدودَ إلى ما وراءَ ذلك، فقد يَعُمُّ ويَشْمَلُ إذا لم يُشْتَدَّ في الاحتياطِ له، لذلك جعلَ ظَرْفَ إفسادِهمُ الأرضَ كلَّها مع أنّهم موجودون في بُقعَةٍ محصورةٍ هي المدينةُ المنوَّرةُ.
ولقد حكى القرآنُ جوابَهم على نَصيحةِ الناصحينَ وما فيه من تبَجُّحٍ وادِّعاءٍ فقال: {قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}. فقد بالغوا في الرَدِّ فحَصَروا أَنْفُسَهم أوَّلاً في الإصلاحِ مبالغةَ المَفجوعِ الذي أذهلتْه المفاجأةُ بكشفِ أستارِ حقيقةٍ، فتراهم لم يقتصروا على أن يقولوا: {إِنّا مُصْلِحُونَ} بل قالوا: "إنّما" ثم أكّدوا الجُمْلةَ بكونِها اسْميَّةً ليَدُلُّوا بذلك على أنَّ شأنَهم في الإصلاح ثابتٌ لازمٌ.
ولقد كذَّبهم الله ـ تعالى ـ تكذيباً مؤكَّداً في دعواهم أنهم مصلحون فقال: {ألَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدون ولكنْ لاَّ يَشْعُرُونَ}. فأنتَ تَرى أنَّ القرآنَ الكريمَ قد وضع في الرَدِّ عليهم جملةً صدَّرها بأداةِ الاستفتاح. ثمَّ أكَّد الجُملةَ بعِدَّةِ تأكيداتٍ منها: وصلُ "ألا" بـ "إنّ" الدالّةِ على تأكيدِ الخِبَرِ وتحقيقِه، ومنها تأكيدُ الضميرِ بضميرٍ منفصلٍ "هم" حتّى يَتِمَّ الْتِصاقُ الخبرِ بالمُبْتَدَأِ، ومنها اسميّةُ الجملةِ، ومنها إفادةُ قصرِهمُ على الإِفسادِ في مقابِلِ تأكيدِهم أنَّهمْ همُ المصلحون.
ولما كان هذا الردُّ المؤكَّدُ عليهم يَستدعي عَجَبًا، لأنّهم زَعموا أنّهم لا حالَ لهم إلّا الإصلاحُ، مع أنّهم في الحقيقةِ لا حالَ لهم إلّا الإفسادُ، لَمّا كان الأمرُ كذلك، فقد أزال القرآنُ هذا العجب بقوله: {ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ}.
أي: أنّهم ما قالوه إلّا عن غباءٍ اسْتَوْلى على إحساسِهم، ونفى عنهم الشعورَ بما يَصْدُرُ عنهم من الفساد، فأمْسَوا لا يُدركون مِن شأن أنفسِهم شيئاً، ومِن أسوأ ألوانِ الجهلِ أنْ يكونَ الإِنسانُ مفسِداً ولا يشعر بذلك، مع أنَّ أثَرَّ فَسادِه ظاهرٌ في العيان، مرئيٌّ لكل ذي حِسٍّ.
وليس عدمُ شُعورِهم رافعاً العِقابَ عنهم، لأنَّ الجاهلَ لا يُعذَرُ بجهلِه خُصوصاً إذا كانَ جهلُه يَزولُ بأدْنى تأمُّلٍ لوُضوحِ الأدِلَّةِ، وسُطوعِ البراهين.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى