فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 13

اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 13

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الإثنين سبتمبر 03, 2012 10:34 pm

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ الناس قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء ولكن لا يعلمون (13) .
قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِ مُقَاتِلٍ وَغَيْرِهِ. {آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ} أَيْ صَدِّقُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرْعِهِ، كَمَا صَدَّقَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأنصارِ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ. أَيْ إِيمَانًا كَإِيمَانِ النَّاسِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ} يَعْنِي أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قال ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما. وَعَنْهُ أَيْضًا: مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ. وَهَذَا الْقَوْلُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِنَّمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ فِي خَفَاءٍ وَاسْتِهْزَاءٍ فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَرَّرَ أَنَّ السَّفَهَ وَرِقَّةَ الْحُلُومِ وَفَسَادَ الْبَصَائِرِ إِنَّمَا هِيَ فِيهم وَصِفَةٌ لَهُمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ لِلرَّيْنِ الَّذِي عَلَى قُلُوبِهِمْ.
وَرَوَى الْكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْيَهُودِ، أَيْ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ يَعْنِي الْيَهُودَ "آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ": أي كما آمن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ، "قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ" يَعْنِي الْجُهَّالَ وَالْخُرَقَاءَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} مِثْلُ: {وَلكِنْ لَا يَشْعُرُونَ}، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَالْعِلْمُ مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، تَقُولُ: عَلِمْتُ الشَّيْءَ أَعْلَمُهُ عِلْمًا عَرَفْتُهُ، وَعَالَمْتُ الرَّجُلَ فَعَلِمْتُهُ أَعْلُمُهُ غَلَبْتُه بالعلم.
{وإِذَا قِيلَ لَهُمْ: آمِنُواْ} القول فيها كالقول في نظيرتِها قبلَها كما سبق.
و"آمِنُوا" فِعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ في مَحَلِّ رفعٍ لقِيامِها مَقامَ الفاعلِ على ما تقدَّم في {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ}، والأقوالُ المُتقدِّمةُ هناك تعودُ هنا فلا حاجةَ لذِكْرِها.
والكافُ في قوله: {كَمَا آمَنَ الناسُ} في محلِّ نصبٍ. وأكثرُ المُعْرِبينَ يجعلون ذلك نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، والتقدير: آمنوا إيماناً كإيمانِ الناسِ، وكذلك يقولون في: "سِرْ عليه حثيثاً"، أي سيراً حثيثاً.
و"ما" مصدريَّةٌ في محلِّ جَرٍّ بالكاف، و"آمَنَ الناسُ" صلتُها. و"ما" المصدريّةَ تُوصَلُ بالماضي أو المُضارعِ المتصرِّف. وأجاز بعضُهم أنْ تكونَ "ما" كافّةً للكافِ عن العمل، مِثْلَها في قولك: ربّما قام زيدٌ. ولا ضرورةَ تَدْعو إلى هذا، لأنَّ جَعْلَها مصدريّةً مُبْقٍ للكافِ على ما عُهِدَ لها من العملِ بخلافِ جَعْلِها كافّةً. والألفُ واللامُ في "الناس" تَحتمِلُ أنْ تكونَ جِنْسِيّةً أو عَهْدِيّةً. والهمزةُ في "أنؤمنُ" للإِنكارِ أو الاستهزاءِ، ومحلُّ جُمْلةِ "أنؤمنُ" النصبُ بـ "قالوا".
وقوله: {كَمَا آمَنَ السفهاءُ} القولُ في الكافِ و"ما" كالقول فيهما فيما تقدَّم، والألفُ في "السفهاء" تحتمل أن تكونَ للجنسِ أو للعهدِ، وأَبْعَدَ مَنْ جَعَلها للغَلَبةِ، لأنَّه لم يَغْلِبْ هذا الوصفُ عليهم، بحيثُ إذا قِيلَ السُفهاءُ فُهِمَ منهم ناسٌ مخصوصون.
والمُرادُ من "الناس" ـ هنا ـ المؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلَّم الصادقون في إيمانهم.
و"السفهاء" جمعُ سفيهٍ، وَأَصْلُ السَّفَهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْخِفَّةُ وَالرِّقَّةُ، يُقَالُ: ثَوْبٌ سفيهٌ إذا كان رديءَ النَّسْجِ خَفِيفَهُ، أَوْ كَانَ بَالِيًا رَقِيقًا. وَتَسَفَّهَتِ الرِّيحُ الشَّجَرَ: مَالَتْ بِهِ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ........... أَعَالِيَهَا مَرُّ الرياحِ النَواسِمِ
وَتَسَفَّهْتُ الشَّيْءَ: اسْتَحْقَرْتُهُ. وَالسَّفَهُ: ضِدُّ الْحِلْمِ. وَيُقَالُ: إِنَّ السَّفَهَ أَنْ يُكْثِرَ الرَّجُلُ شُرْبَ الْمَاءِ فَلَا يَرْوَى.
وَيَجُوزُ فِي هَمْزَتَيِ السُّفَهَاءِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، أَجْوَدُهَا أَنْ تُحَقَّقَ الْأُولَى وَتُقْلَبَ الثَّانِيَةُ وَاوًا خَالِصَةً، وَهِيَ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو. وَإِنْ شِئْتَ خَفَّفْتَهُمَا جَمِيعًا فَجَعَلْتَ الْأُولَى بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ وَجَعَلْتَ الثَّانِيَةَ وَاوًا خَالِصَةً. وَإِنْ شِئْتَ خَفَّفْتَ الْأُولَى وَحَقَّقْتَ الثَّانِيَةَ. وَإِنْ شِئْتَ حَقَّقْتَهُمَا جَمِيعًا.
وخِفَّةُ العقلِ وضَعفُ الرأي هو المعنى المقصودُ بالسفهاءِ في الآيةِ. فقد كان المنافقون يصفون المسلمين بذلك فيما بينهم. ورُوي أنّهم كانوا يقولون: أَنُؤمِنُ كما آمَنَ سَفيهُ بَني فلانٍ، وسفيهُ بني فلانٍ؟!
فأوحى اللهُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلَّمَ بهذا الذي كانوا يقولونه.
فقد كانوا في رياسة مِن قومِهم ويَسارٍ، وكان أكثرُ المؤمنينَ فُقراءَ ومنهم مَوالٍ كصُهَيْبٍ وبِلالٍ وخَبَّابٍ، فدَعَوْهم سُفَهاءَ تَحقيراً لشأنِهم.
وقد رَدَّ اللهُ عليهم بما يُبكِّتَهم ويَفضحُهم فقال: {ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ} لأنَّهم أَعرضوا عن النَظَرِ في الدليلِ وباعوا آخرتَهم بدنياهم، وهذا أقصى ما يَبْلُغُه الإِنسانُ مِنْ سَفَهِ العقل.
وقد تضمَّن هذا الردُّ تسفيهَهم وتكذيبَهم في دَعوى سَفَهِ الصادقين في إيمانِهم، فإنَّ قولَه ـ تعالى: {ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاءُ} يُفيدُ أنَّ السَفَهَ مقصورٌ عليهم، وقد تَضَمَّنتْ هذه الجُملةُ من المؤكِّداتِ ما تضمَّنَتْه الجملةُ السابقةُ في قولِه تعالى: {ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون}.
وإنّما قال في الآيةِ السابقةِ: "ولكن لا يشعرون" وقال في هذه الآية: {ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ} لأنّ الآيةَ السابقةَ وصَفتْهم بالإِفسادِ، وهو من المحسوسات التي تُدرَك بأدْنى نَظَرٍ فيُناسِبُه نفيُ الشعورِ الذي هو الإدراكُ بالمشاعِرِ: الحَواسِّ، أمّا هذه الآيةُ فقد وَصَفَتْهم بالسَفَهِ، وهو ضَعفُ الرأيِ والجهلُ بالأمورِ، وهذا لا يُدركُه الشخصُ في نفسِه إلّا بعدَ نَظَرٍ وإمعانِ فِكْرٍ فيُناسِبُه نفيُ العلم.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 811
نقاط : 2408
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى