فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 18

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 18

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الجمعة سبتمبر 07, 2012 7:27 am

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
(18)
قولُه تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُميٌ} الصَّمَمُ داءٌ يَمنعُ من السَّماعِ، وأصلُه من الصَّلابَةِ ، يقال: "قناةٌ صَمَّاء" أي صُلْبةٌ، وقيل: أصلُه من الانْسِدادِ، ومنه: صَمَمْتُ القارورةَ أي: سَدَدْتُها. وقال الأطباء: هو أن يُخلَقَ الصِماخُ بدون تجويفٍ يَشْتَمِلُ على الهواء الراكِدِ الذي يَسمَعُ الصوتَ بِتموُّجِهِ فيه، أو بتجويفٍ لكنَّ العَصبَ لا يؤدّي قوَّةَ الحِسِّ، فإنْ أدّى بكُلْفَةٍ سُمِّيَ عندهم طَرَشاً.
والبَكَمُ الخَرَسُ وزْناً ومعنًى وهو داءٌ في اللِّسانِ يَمنَعُ من الكلام وقيل: هو عدمُ الفَهْمِ، وقيل: الأَبْكَمُ مَنْ وُلِد أخرسَ.
والعَمى عدمُ البَصَرِ عمّا مِن شأنِه أنْ يكونَ بَصيراً، وقيل: ظُلمةٌ في العين تَمنَعُ من إدراك المُبْصَراتِ، ويُطلَقُ على عَدَمِ البصيرةِ مَجازاً عند بعضٍ وحقيقةً عند آخرين.
فالأصَمُّ مَن انسدّتْ مَسامعُه. والأبكمُ الذي لا يَنطِقُ ولا يفهم، والعَمى ذَهابُ البَصَرِ.
وليس الغرض مما ذكرناه نفيُ الإِدراكات عن حواسِّهم جُملةً، وإنّما الغرضُ نفيُها مِن جهةٍ ما. وظاهر هذه الآية أن المنافقين متَّصفون بالصَمَمِ، والبَكَمِ ، والعَمى. ولكنَه تعالى بيّنَ في موضِعٍ آخر أنَّ معنى صَمَمِهم، وبَكَمِهم، وعَماهم، هو عدمُ انْتِفاعِهم بأسماعهم، وقلوبِهم، وأَبْصارِهم وذلك في قولِه جَلَّ وعَلا: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله وَحَاقَ بِه مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} الأحقاف: 26.
وَوُصِفَ المنافقون بهذه الصفات لأنّهم وإنْ كانت لهم آذانٌ تَسمعُ، وأَلسِنَةٌ تَنْطِقُ، وأَعْيُنٌ تُبصِرُ، إلّا أَنَّهم لا يَسمعون خيراً، ولا يَتكلَّمون بما يَنفعُهم، ولا يُبصِرون مَسْلَكاً من مَسالِك الهِداية.
ومَن كان كذلك كان هو ومَن فَقَد حَواسَّه سَواءً، فقد صَرَفَ اللهُ عنهم عنايتَهُ وَوَكَلَهم إلى أَنْفُسِهم. ربّنا لا تَكِلْنا إلى أنفسِنا طرفةَ عينٍ ولا أقلَّ من ذلك.
ووردتْ هذه الصفاتُ مُجرَّدةً من حَرفَ العطفَ، فلم يَقل: صُمٌّ وبُكْمٌ وعُمْيٌ، ليُفيدَ تأكيدَها، حيث إنَّ المُتَكَلِّمَ قد قَصَدَ إلى تقريرِ كلِّ صفةٍ منها على حِدَةٍ.
ومعنى {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} لا يعودون إلى الهُدى بعدَ أنْ باعوه، أو لا يَرْجِعون عن الضَلالَةِ بَعْدَ أنِ اشْتَرَوْها.
والفاء في قولِه تعالى: {فَهُمْ} للتَفريعِ أو التَسْبيب، لأنّها تُوحي بأنَّ عَدمَ رُجوعِهم عمّا هُمْ فيه من النِّفاقِ مُتَفَرِّعٌ على تلك الآفات، ومُسَبَّبٌ عن هذه العاهات.
قولُه تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُميٌ} الجمهورُ على رَفْعِها على أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، ويَجيءُ فيه الخلافُ المشهورُ في تعدُّدِ الخبرِ، فَمَنْ أجازَ ذلك حَمَلَ الآيةَ عليه من غير تأويلٍ، ومَنْ مَنَعَ ذلك قال: هذه الأخبارُ وإن تعدَّدَتْ لفظاً فهي متَّحِدَةٌ معنًى، لأنَّ المعنى: هم غيرُ قائلين للحقِّ بسبب عَماهم وصَمَمِهم، فيكون من باب: "هذا حُلوٌ حامِضٌ" أي مُزٌّ، و"هو أَعْسَرُ يَسَرٌ" أي أَضْبَطُ، وقول الشاعر:
ينامُ بإحدى مُقْلَتَيْهِ ويتَّقي ........... بأخرى المَنايا فهو يَقْظانُ هاجِعُ
أي: متحرِّزٌ، أو يُقدَّرُ لكلِّ خبرٍ مبتدأً تقديرُه: هم صُمٌّ، هم بُكْم، هم عُمْي، والمعنى على أنهم جامعون لهذه الأوصافِ الثلاثة، ولولا ذلك لجاز أنْ تكونَ هذه الآيةُ من باب ما تعدَّدَ فيه الخبرُ لِتعدُّدِ المبتدأ، نحو قولِك: الزيدونَ فقهاءُ شعراءُ كاتبون، فإنّه يَحْتمِل أنْ يكونَ المعنى أنَّ بعضَهم فقهاءُ، وبعضَهم شعراءُ، وبعضَهم كاتبون، وأنَّهم ليسوا جامعين لهذه الأوصاف الثلاثة، بل بعضُهم اختصَّ بالفقه، والبعضُ الآخَرُ بالشعرِ، والآخرُ بالكتابة.
وقُرئ بنصبِها، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه حالٌ، وفيه قولان، أحدُهما: هو حالٌ من الضميرِ المنصوبِ في "تَرَكَهم"، والثاني من المرفوع في "لا يُبْصرون". والثاني: النَصبُ على الذَمِّ، كقولِه: {حَمَّالَةَ الحطب} المَسَد: 4. وقولُ الآخَر:
سَقَوْني النَّسْءَ ثم تَكَنَّفوني .................. عُدَاةَ اللهِ مِنْ كَذِبٍ وزُورِ
أي: أَذُمُّ عُداةَ اللهِ. الثالثُ: أنْ يكونَ منصوباً بتَرَكَ، أي: تَرَكهم صُمَّاً بُكْماً عُمْياً.
وقولُه: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} جملةٌ خبريَّةٌ معطوفةٌ على الجملةِ الخبريةِ قبلها، وقيل: بل الأُولى دعاءٌ عليهم بالصَّمَم، ولا حاجةَ إلى ذلك. وقيل: فهم لا يَرْجِعُون حالٌ، وهو خطأٌ، لأنّ الفاء تُرَتِّبُ، والأحوالُ لا ترتيبَ فيها.
و"رَجَعَ" يكونُ قاصراً ومتعدياً باعتبَارَيْنِ، وهُذَيْل تقول: أَرْجَعَهُ غيرُهُ فإذا كان بمعنى "عاد" كان لازماً، وإذا كان بمعنى أعاد كان متعدياً، والآية الكريمةُ تحتمل التقديرينِ، فإنْ جَعَلْنَاه متعدياً فالمفعولُ محذوفٌ، تقديرُهُ: لاَ يَرْجِعُون جواباً، مثلُ قوله: {إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} الطارق: 8. وَزَعَمَ بعضُهم أنه يُضَمَّن معنى صار، فيرفعُ الاسم وينصِبُ الخبر، وجَعَل منه قولَه عليه الصلاة والسلام: ((لا تَرْجِعوا بعدي كُفَّاراً يضربُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ)). ومَنْ مَنَعَ جريانِهِ مَجْرى "صار" جَعَلَ المنصوبَ حالاً.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى