فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 20

اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 20

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في السبت سبتمبر 08, 2012 5:09 pm

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)
"يكادُ" مُضارعُ كَادَ، وهي لمقاربةِ الفعل، تعملُ عمل "كانَ"، إلاَّ أنَّ خَبَرها لا يكونُ إلّا مُضارعاً، وشَذَّ مجيئُه اسْماً صريحًا، قال الشاعر تأبَّطَ شَرّاً:
فَأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كِدْتُ آيِبًا .......... وكم مثلِها فارَقْتُها وهي تَصْفِرُ
والأكثرُ في خبرِها تجرُّدُهُ من "أنْ" عَكَسَ "عسى"، وقد شَذَّ اقترانُهُ بها، قال رؤبة:
................................... قد كادَ مِنْ طولِ البِلى أنْ يَمْصحَا
مَصَحَ يمصَح مَصحاً ومُصوحاً: دَرَسَ وذَهَبَ، والأجودُ أن تكون بغيرِ أنْ لأنّها لمُقارَبَة الحالِ وأنْ تَصْرِفَ الكلامَ إلى الاسْتقبالِ، وهذا متنافٍ. قال اللهُ عزّ وجَلَّ: {يكاد سنا برقِه يَذْهَبُ بالأبْصارِ} ومِن كلامِ العربِ: كاد النعامُ يَطيرُ، وكادَ العَروسُ يَكونُ أميرًا، لِقُرْبِهِما من تلك الحالِ، وكاد متصرّفٌ على فَعَلَ يَفْعَلُ، ويجري مجرى كادَ كَرُبَ وجَعَلَ وقارَبَ وطَفِقَ في كونِ خبرِها بغيرِ "أنْ" قال اللهُ عَزَّ وجلَ: {وطفِقا يَخْصِفان عليهِما مِن وَرَقِ الجَنّةِ} لأنّها كلَّها بمعنى الحالِ والمُقارَبَةِ والحالُ لا يَكون مَعَها "أنْ" لأنَّها لِمُقارَبةِ الفِعلِ، و"أَنْ" تُخَلِّصُ للاستقبال، فَتَنَافَيا. وإذا كانَتْ هي مُثْبِتَةً فهو مَنفِيٌّ في المعنى لأنّها للمقاربة، فإذا قلت: "كاد زيدٌ يفعلُ" كان معناه قارَبَ الفعلَ، إلّا أنّه لم يَفْعَل، فإذا نُفِيَتْ انتفَى خبرُها بطريقِ الأَوْلى، لأنّه إذا انْتَفَتْ مقارَبَةُ الفعلِ انتفى هو من بابٍ أَوْلَى ولهذا كانَ قَولُه تعالى: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} أبلغَ مِنْ أَنْ لو قيل: لم يَرَها، لأنّه لم يُقارِبِ الرؤيةَ فكيف له بها؟
وإنَّ خَبَرَ "كاد" وأَخَواتِها غيرُ "عسى" فلا يكون فاعلُه إلّا ضميراً
عائداً على اسْمِها، لأنّها للمُقارَبَةِ أو للشُروعِ بِخِلافِ عسى، فإنّها للتَرَجِّي، تقول: "عسى زيدٌ أنْ يَقومَ أبوه".
ووزنُ كاد كَوِدَ بكَسْرِ العين، وهي من ذواتِ الواو، كخاف يَخاف وفيها لغةٌ أخرى: فتحُ عينِها، فعلى هذه اللغةِ تُضَمُّ فاؤُها إذا أُسْنِدَتْ إلى تاء المتكلِّمِ وأَخَواتِها، فتقولُ: كُدْتُ وكُدْنا مثل: قُلْتُ وقُلْنا، وقد تُنْقَلُ كسرةُ عينِها إلى فائِها مع الإِسنادِ إلى ظاهرٍ، كقولِه:
وكِيدَ ضِباعُ القُفِّ يأكُلْنَ جُثَّتي ........... وكِيدِ خِراشٌ عند ذلك يَيْتَمُ
أمَّا "كاد" التامّةُ بمعنى مَكَرَ فإنَّها فَعَلَ بفتحِ العينِ مِنْ ذواتِ الياءِ، بدليلِ قوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً}.
و"البَرْقُ" اسْمُها و"يَخَطَفُ" خبرُها، يُقالُ: خَطِفَ يَخْطَفُ بكسرِ عينِ الماضي وفتْحِ المُضارِعِ، وخَطَف يَخْطِفُ، عكسُ اللُّغةِ الأولى، وفيه قراءاتٌ كثيرةٌ، المشهورُ منها الأولى. الثانيةُ: يَخْطِفُ بكَسْرِ الطاءِ. الثالثةُ: يَخَطَّفُ بفتحِ الياءِ والخاءِ والطاءِ مع تشديدِ الطاءِ، والأصلُ: يَخْتَطِفُ، فَأُبْدلت تاءُ الافتعالِ طاءً للإِدغام، الرابعةُ: كذلك إلّا أنَّه بكسرِ الخاءِ إتْباعاً لِكَسْرَةِ الطاءِ. السادسةُ: كذلك إلّا أنّه بكسرِ الياء أيْضاً إتْباعاً للخاءِ، السابعةُ: يَخْتَطِفُ على الأصلِ. الثامنةُ: يَخْطِّف بفتحِ الياءِ وسكونِ الخاءِ وتشديدِ الطاءِ، وهي رديئةٌ لتأديَتِها إلى التقاء ساكنين. التاسعةُ: بضمِّ الياءِ وفتحِ الخاءِ وتشديدِ الطاءِ مكسورةً، والتضعيفُ فيه للتَكْثيرِ لا للتَعديَةِ. العاشرة: يَتَخَطَّف.
والخَطْفُ: أَخْذُ شيءٍ بسُرعةٍ، وهذه الجملةُ، أَعني قولَه: "يَكاد البرق يَخْطَف" لا مَحلَّ لَها، لأنّها استئنافٌ، كأنَّه قيل: كيف يكونُ حالُهم مع ذلك البرقِ؟ فقيل: يكاد يَخْطَف، ويُحتَمَلُ أنْ يكونَ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةً لِذوي المَحذوفةِ، التقدير: أو كذوي صَيِّبٍ كائدٍ البرقُ يَخْطَف.
"كلَّ" نَصْبٌ على الظرفيَّة، لأنّها أُضيفت إلى "ما" الظَرفيّة، والعاملُ فيها جوابُها، وهو "مَشَوا". وقيل: "ما" نكرةٌ موصوفةٌ، ومعناها الوقتُ أيضاً، والعائدُ محذوفٌ، تقديرُه: كلَّ وقتٍ أضاءَ لهم فيه، فأضاءَ على الأوّلِ لا مَحَلَّ له لكونِه صِلَةً، ومَحَلُّه الجَرُّ على الثاني. و"أضاء" يَجوزُ أنْ يكونَ لازماً. وقيل "هو متعدٍّ ومفعولُه محذوفٌ"، أي: أضاءَ لهم البرقُ الطريقَ، فالهاءُ في "فيه" تعودُ على البرق.
و"فيه" متعلِّق بمَشَوا، و"في" على بابها أي: إنّه مُحيطٌ بهم: وقيل: هي بمعنى الباءِ، ولا بُدَّ من حذفٍ على القَوْلين، أي: مَشَوا في ضوئِه أيْ بضوئِه، ولا محلَّ لجملةِ "مَشَوا" من الإعراب لأنها مستأنفةٌ.
وقُرئ "ضاء" ثلاثياً، وهي تَدُلُّ على أنَّ الرباعيَّ لازمٌ. وقرئ: "وإذا أُظْلِم" مبنياً للمفعول.
قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} لو: حرفٌ لِما كان سيقعُ لوُقوعِ غيرِه، أو هي حرفُ امتناع لامتناع.
و"يكاد": من الأفعالِ التي تَدخُلُ على اسْمٍ يُسْنَدُ إليْه فعلٌ بعدَه
نحو: {البرقُ يَخْطَفُ} فتَدُلُّ على أنَّ المُسْنَدَ إليه وهو البرقُ قد قارَبَ
أنْ يَقَعَ منه الفعلُ وهو خطفُ الأبصار.
والخَطفُ: الأخذُ بسُرعةٍ. والأبصارُ: جمعُ بَصَرٍ، وهو قُوَّةٌ مُودَعَةٌ في العينِ تُدرِكُ بها الألوانَ والأشكالَ.
والمعنى: أنَّ البرقَ ـ لِشِدَّةِ لَمَعانِه ـ يَقْرُبُ مِنْ أنْ يَخْطَفَ أبصارَهم وهو تصويرٌ بليغٌ لِشدَّةِ ذلك البرق، وتركُ بيانِ شِدَّةِ الرّعدِ اكتِفاءٌ بما ذَكَرَه في البرق، ولم يَذكر تَوَقِّيهم لأَعيُنِهم بِوضعِ شيءٍ عليها مُكْتَفياً بما ذكره في تَوَقِّي الآذان، أو لأنَّهم شُغِلوا بالآذان عَنِ الأَعيُن.
وقولُه ـ تعال: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} وصفٌ رائعٌ لِما يَصنَعُه أهلُ الصَيِّبِ في حالَتَيْ ظُهورِ البرقِ واخْتِفائِه.
و"كلّ" ظرفٌ، و"ما" مصدريَّةٌ، ولِاتّصالِها بـ "كلّ" أفادت الشرطَ والعاملُ فيها هو جوابُها وهو {مَّشَوْاْ} و {أَضَاءَ} و{أَظْلَمَ} مِنَ الإِظلامِ وهو اختفاءُ النّورِ. {قَامُواْ} أي وقفوا وثَبَتوا في مَكانهم. مِن قامَ الماءُ إذا جَمدَ. ويُقالُ: قامتْ الدابّةُ إذا وقفت. والمعنى: أنَّهم إذا صادفوا من البَرْقِ وَميضًا انتَهَزوا ذلك الوميضَ فُرْصَةً، فخَطَوْا خُطُواتٍ يَسيرَةً، وإذا خَفِيَ لَمَعانُه وَقَفوا في مَكانِهم، فالجُمْلَةُ الكريمةُ تَدُلُّ على فَرْطِ حِرْصِهم على النَّجاةِ مِن شِدَّةِ ما هم فيه مِن أهوال.
ثم قال ـ تعال: {وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}، لو: أداةُ شرطٍ، و"شاء" بمعنى أراد. أي: لو أراد اللهُ أنْ يَذهبَ بِسَمْعِهم وأبصارِهم لزادَ في قَصْفِ الرّعدِ فأَصَمَّهم، وفي ضوءِ البرقِ فأعْماهم. أو يُقالُ: إنَّ قصفَ الرعدِ ولَمَعانَ البَرْقِ المَذكوريْن في المَثَلِ سَبَبان كافِيان لأَنْ يَذهَبا بِسَمْعِ ذوي الصَيِّبِ وأبصارِهم لو شاء اللهُ ذلك.
فيكون قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ} إشعاراً بأنَّ تأثيرَ الأسبابِ في مُسَبَّباتِها إنّما هو بإرادته ـ تعالى.
وخَصَّ السَمْعَ والبصرَ بالذَهابِ مع أنّها مِنْ جُمْلَةِ مَشاعِرِهم، لأهمِيَّتِها. ولأنَّها هي التي سَبَقَ ذِكْرُها، أو مِن بابِ التَنْبيهِ بالأعلى على الأدنى، لأنَّه إذا كان قادراً على إذهابِ ما حافظوا عليه، كان قادراً على غيرِه مِن بابٍ أوْلى.
ثم ختمَ الآيةَ بقوله ـ تعالى: {إنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. و"الشيءُ" في أصلِ اللّغةِ كلُّ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخَبَّرَ عنه، ويُحْمَلُ في هذه الآيةِ على المُمْكِنِ خاصَّةً، مَوجوداً كان أو مَعدوماً، لأنَّ القدرةَ إنّما تتعلَّقُ بالمُمكِنات دون الواجبِ والمُستَحيلِ.
والقديرُ: الفعّالُ لِما يُريدُ. يُقال: قدَّرَهُ على الشيْءِ أَقْدَرَه قُدْرَةً وقَدْراً .
وهذه الجملةُ الكريمةُ بمنزلةِ الاستِدْلالِ على ما تَضَمَّنَتْه الجُملةُ
السابقةُ مِن أنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على أنْ يَذهَبَ بأسْماعِ أصحابِ الصَيِّبِ وأَبصارِهم متى شاء.
وتطبيقُ هذا المثلِ على المنافقين يُقالُ فيه: إنَّ أصحابَ الصَيِّبِ لضَعفِهم وخَوَرِهم لا يُطيقون سَماعَ الرعْدِ الهائِلِ، ولا يَسْتطيعون فتحَ أعيُنِهم في البَرْقِ اللّامِعِ، فيَجعلون أصابعَهم في آذانِهم فَزَعاً مِن قصفِ الرّعدِ، وخوفاً مِن صواعِقَ تُجَلْجِلُ فوقَ رؤؤسِهم فتَدافَعوا.
وكذلك حالُ هؤلاءِ المُنافقين فإنّهم لِضَعْفِ بَصائرِهم، وانْطِماسِ عُقولِهم تَشْتَدُّ عليهم زواجرُ القُرآنِ ووَعيدُه وتَهديدُه وأوامرُه ونَواهيه، فتَشمَئزُّ قلوبُهم ويَصرِفون عنه أَسماعَهم خَشْيَةَ أنْ تُتلى عليهم آياتٌ تقعُ على أسماعِهم وقعَ الصَواعِقِ المُهْلِكةِ.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 811
نقاط : 2408
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى