فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 26

اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 26

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الخميس سبتمبر 13, 2012 10:06 am

إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الْفَاسِقِينَ (26)
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} قَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذَيْنَ الْمَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ: يَعْنِي "مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً" البقرة: 17. وقوله: "أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ" البقرة: 19. قَالُوا: اللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْلَى مِنْ أَنْ يَضْرِبَ الْأَمْثَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أيضًا قَالَ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ آلِهَةَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: "وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ" الحج: 73. وذِكرِ كيدَ الآلهةِ فَجَعَلَهُ كَبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، قَالُوا: أَرَأَيْتَ حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ فِيمَا أَنْزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ على محمد، أي شيء يَصْنَعُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هذه الْآيَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ فِي كِتَابِهِ وَضَرَبَ لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ الْمَثَلَ، ضَحِكَتِ الْيَهُودُ وَقَالُوا: مَا يُشْبِهُ هَذَا كَلَامَ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هذه الْآيَةَ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إن اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ. الْمَعْنَى لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِيهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذِكْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا} يَضْرِبَ: معناه يُبَيّن، وَيُقَالُ: إِنَّ مَعْنَى ضَرَبْتُ لَهُ مَثَلًا، مَثَّلْتُ لَهُ مَثَلًا. وَهَذِهِ الْأَبْنِيَةُ عَلَى ضَرْبٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى مِثَالٍ وَاحِدٍ وَنَوْعٍ وَاحِدٍ وَالضَّرْبُ النَّوْعُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَما فَوْقَها} أَيْ إِنَّهَا فَوْقَهَا فِي الصِّغَرِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: وَهَذَا كَقَوْلِكَ فِي الْكَلَامِ: أَتَرَاهُ قَصِيرًا؟ فَيَقُولُ الْقَائِلُ: أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، أَيْ هُوَ أَقْصَرُ مِمَّا تَرَى. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: الْمَعْنَى فِي الْكِبَرِ. وَالضَّمِيرُ فِي "أَنَّهُ" عَائِدٌ على المثل أي أنَّ المَثَلَ حَقٌّ. وَالْحَقُّ خِلَافُ الْبَاطِلِ. وَالْحَقُّ: وَاحِدُ الْحُقُوقِ. وَالْحَقَّةُ (بِفَتْحِ الْحَاءِ) أَخَصُّ مِنْهُ، يُقَالُ: هَذِهِ حَقَّتِي، أَيْ حَقِّي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ فِي "أَمَّا" أَيْمَا، يُبْدِلُونَ مِنْ إِحْدَى الْمِيمَيْنِ يَاءً كَرَاهِيَةَ التَّضْعِيفِ، وَعَلَى هَذَا يُنْشَدُ بَيْتُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:
رَأَتْ رَجُلًا أَيْمَا إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ .. فَيَضْحَى وَأَيْمَا بِالْعَشِيِّ فَيَخْصَرُ
يَخْصَرُ: يبرُدُ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا} اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي "مَاذَا"، فَقِيلَ: هِيَ بِمَنْزِلَةِ اسْمٍ واحد بمعنى أي شي أَرَادَ اللَّهُ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أَرادَ". قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: وَهُوَ الْجَيِّدُ. وَقِيلَ: "مَا" اسْمٌ تَامٌّ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ"ذَا" بِمَعْنَى الَّذِي وَهُوَ خَبَرُ الِابْتِدَاءِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَا الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا، وَمَعْنَى كَلَامِهِمْ هَذَا: الْإِنْكَارُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْكَافِرِينَ، أَيْ مَا مُرَادُ اللَّهِ بِهَذَا الْمَثَلِ الَّذِي يُفَرِّقُ بِهِ النَّاسَ إِلَى ضَلَالَةٍ وَإِلَى هُدًى. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ أَشْبَهُ، لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِالْهُدَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ، فَالْمَعْنَى: قُلْ يُضِلُّ اللَّهُ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، أَيْ يُوَفِّقُ وَيَخْذِلُ، وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْلُقُ الضَّلَالَ وَلَا الْهُدَى. قَالُوا: وَمَعْنَى "يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً" التَّسْمِيَةُ هُنَا، أَيْ يُسَمِّيهِ ضَالًّا، كَمَا يُقَالُ: فَسَّقْتُ فُلَانًا، يَعْنِي سَمَّيْتُهُ فَاسِقًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُضِلُّ أَحَدًا. هَذَا طَرِيقُهُمْ فِي الْإِضْلَالِ، وَهُوَ خِلَافُ أَقَاوِيلِ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ فِي اللُّغَةِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: ضَلَّلَهُ إِذَا سَمَّاهُ ضَالًّا، وَلَا يُقَالُ: أَضَلَّهُ إِذَا سَمَّاهُ ضَالًّا، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ مِنَ الْحَقِّ أَنَّهُ يَخْذِلُ بِهِ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ مُجَازَاةً لِكُفْرِهِمْ. ولا خلاف أنّ قوله: "وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ" أَنَّهُ مِنْ قول الله تعالى. و"الْفاسِقِينَ" وَمَا يُضِلُّ بِهِ أَحَدًا إِلَّا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَهْدِيهِمْ. وَقَالَ نَوْفٌ الْبَكَالِيُّ: قَالَ عُزَيْرٌ فِيمَا يُنَاجِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَهِي تَخْلُقُ خَلْقًا فَتُضِلُّ مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ. قَالَ فَقِيلَ: يَا عُزَيْرُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا! لَتُعْرِضَنَّ عَنْ هَذَا أَوْ لَأَمْحُوَنَّكَ مِنَ النُّبُوَّةِ، إِنِّي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَالضَّلَالُ أَصْلُهُ الْهَلَاكُ، يُقَالُ مِنْهُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا اسْتُهْلِكَ، وَمِنْهُ قوله تعالى: "أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ" السجدة: 10. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَاتِحَةِ. وَالْفِسْقُ أَصْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْخُرُوجُ عَنِ الشَّيْءِ، يُقَالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرِهَا، وَالْفَأْرَةُ مِنْ جُحْرِهَا. وَالْفُوَيْسِقَةُ: الْفَأْرَةُ، وَفِي الْحَدِيثِ: ((خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ الْحَيَّةُ وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْحُدَيَّا)). رَوَتْهُ أمُّ المؤمنين عَائِشَةُ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ (الْعَقْرَبُ) مَكَانَ (الْحَيَّةِ). فَأَطْلَقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا اسْمَ الْفِسْقِ لِأَذِيَّتِهَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفَسَقَ الرَّجُلُ يَفْسِقُ ويَفْسُقُ أيضًا فِسْقًا وَفُسُوقًا، أَيْ فَجَرَ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: "فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ" فَمَعْنَاهُ خَرَجَ.
ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ فِي كِتَابِ "الزَّاهِرِ" لَهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَعْنَى الْفِسْقِ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
يَذْهَبْنَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرًا ............... فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا جوائرا
غورًا، منصوب بفعل محذوف، أي ويَسْلُكْنَ.
وَالْفِسِّيقُ: الدَّائِمُ الْفِسْقِ. وَيُقَالُ فِي النِّدَاءِ: يَا فُسَقُ وَيَا خُبَثُ، يُرِيدُ: يَا أَيُّهَا الْفَاسِقُ، وَيَا أَيُّهَا الْخَبِيثُ. وَالْفِسْقُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ: الْخُرُوجُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَدْ يَقَعُ عَلَى مَنْ خَرَجَ بِكُفْرٍ وَعَلَى من خرج بعصيان.
وقرأ الجمهور "يستحيي" بياءين والماضي استحيا ، وقرأ ابنُ كثيرٍ بياءٍ واحدة وهي لغة بني تميم.
"لا يَسْتَحْيي" جملةٌ في محل الرفع خبرٌ لـ "إنَّ"، واستفْعَلَ هنا للإِغناء عن الثلاثي المجرد، وقد وَرَدَ حَيِيَ واسْتَحْيى بمعنى واحد، والمشهور: اسْتَحْيَى يَسْتَحْيِي فهو مُسْتَحْيٍ ومُسْتَحْيى منه من غير حَذْف، وقد جاء استحى يَسْتَحِي فهو مُسْتَحٍ مثل: استقى يستقي، وقُرئ به، ويروى عن ابنِ كثيرٍ. واختُلف في المحذوفِ فقيل: عينُ الكلمة فوزنُه يَسْتَفِل. وقيل: لامُها فوزنُه يَسْتَفِع، ثم نُقِلت حركةُ اللامِ على القولِ الأول وحركةُ العينِ على القولِ الثاني إلى الفاءِ وهي الحاءُ، ومن الحَذْفِ قولُه:
ألا تَسْتَحِي منا الملوكُ وتَتَّقِي ............. محارِمَنا لا يَبْوُؤُ الدمُ بالدَمِ
وقال آخر :
إذا ما اسْتَحَيْنَ الماءَ يَعْرِضُ نفسَه ..... كَرُعْنَ بِسَبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ
والحياءُ لغةً: تَغَيَّرٌ وانكسارٌ يَعْتري الإِنسانَ من خوفِ ما يُعاب به، واشتقاقُه من الحياة. واستعمالُه هنا في حقِّ اللهِ تعالى مجازٌ، أو هو من باب المقابلة، يعني أنَّ الكفار لَمَّا قالوا: "أمَا يستحيي ربُّ محمدٍ أن يَضْرِبَ المَثَل بالمُحَقِّراتِ" قوبل قولُهم ذلك بقوله : "إنَّ الله لا يستحيي أن يضربَ ... "، ونظيرُه قول أبي تمام:
مَنْ مُبْلِغٌ أفناءَ يَعْرُبَ كلَّها .............. أني بَنَيْتُ الجارَ قبلَ المَنْزِلِ
فلو لم يَذْكُرْ بناءَ الدارِ لم يَصِحَّ بناءُ الجارِ.
واستحيى يتعدَّى تارةً بنفسِه وتارةً بحرفِ جرٍّ، تقول: اسْتَحْيَتْهُ، واستَحْيَيْتُ منه، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ قد تعدَّى في هذه الآية ـ أَنْ يضربَ.. ـ بنفسِه فيكونَ في محلِّ نصبٍ قولاً واحداً، ويَحْتَمِل أن يكونَ تَعَدَّى إليه بحرفِ الجرِّ المحذوفِ.
و"يَضْرِبَ" معناه: يُبَيِّنَ، فيتعدَّى لواحدٍ. وقيل: معناه التصييرُ، فيتعدَّى لاثنين نحو: "ضَرَبْتُ الطينَ لَبِناً"، وقال بعضُهم لا يتعدَّى لاثنين، فعلى القول الأول يكونُ "مَثَلاً" مفعولاً و"ما" زائدةٌ، أو صفةٌ للنكرة قبلَها لتزدادَ النكرةُ شِياعاً، ونظيرُه قولُهم: "لأمرٍ ما جَدَع قَصيرٌ أنفَه".
وقيل "ما" نكرةٌ موصوفةٌ، ولم يَجْعَلْ "بعوضة" صفتَها بل جَعَلَها
بدلاً منها، أو عطفَ بيانٍ لها. وقيل: "بعوضة" هو المفعولُ و"مثلاً" نُصِبَ على الحال قُدِّم على النكرةِ. وقيل: نُصِبَ على إسقاطِ الخافض التقديرُ: ما بينَ بعوضةٍ، فلمَّا حُذِفَتْ "بَيْنَ" أُعربت "بعوضةً" بإعرابها، وتكونُ الفاءُ في قولِه: "فما فوقها" بمعنى إلى، أي: إلى ما فوقها.
ومِمَّا تقدَّم فإنَّ في "ما" ثلاثةَ أوجه: زائدةٌ، صفةٌ لما قبلَها، نكرةٌ
موصوفةٌ، وأنَّ في "مَثَلاً" ثلاثةً أيضاً مفعولٌ أولُ، مفعولٌ ثانِ، حالٌ مقدَّمةٌ وأنَّ في "بعوضة" تسعة أوجهٍ . والصوابُ من ذلك كلّهِ أن يكونَ "ضَرَبَ" متعدِّياً لواحدٍ بمعنى بَيَّن، و"مثَلاً" مفعولٌ به، بدليلِ قولِه: {ضُرِبَ مَثَلٌ} و"ما" صفةٌ للنكرة، و"بعوضةً" بدلٌ لا عطفُ بيانٍ، لأنّ عطفَ البَيان ممنوعٌ عند جمهور البصريين في النكراتِ.
وقرئ "بعوضة" بالرفع، واتّفقوا على أنّها خبرٌ لمبتدأٍ، ولكنّهم اختلفوا في ذلك المبتدأ، فقيل: هو "ما" على أنّها استفهاميّةٌ، أي: أيُّ شيءٍ بعوضةٌ وقيل: المبتدأ مضمرٌ تقديرُه: هو بعوضةٌ.
قولُه: {فَمَا فَوْقَهَا} قد تقدَّم أنّ الفاءَ بمعنى إلى. و"ما" في {فَمَا فَوْقَهَا} إنْ نَصَبْنا "بعوضةً" كانت معطوفةً عليها موصولةً بمعنى الذي، وصلتُها الظرفُ، أو موصوفةً وصفتُها الظرفُ أيضاً، وإنْ رَفَعْنَا "بعوضة" وجَعَلْنَا "ما" الأولى موصولةً أو استفهاميّةً فالثانيةُ معطوفةٌ عليها، لكنْ في جَعْلِنا "ما" موصولةً يكونُ ذلك من عَطْفِ المفرداتِ، وفي جَعْلِنَا إيّاها استفهاميّةً يكونُ من عَطْفِ الجملِ، وإنْ جَعَلْنَا "ما" زائدةً أو صفةً لِنَكِرَةٍ و"بعوضة" خبراً لـ "هو" مضمراً كانت "ما" معطوفةً على
"بعوضة".
والبَعُوضةُ واحدةُ البَعُوض وهو معروفٌ، وهو في الأصل وَصْفٌ على فَعُول كالقَطُوع، مأخوذٌ من البَعْضِ وهو القَطْع، وكذلك البَضْعُ والعَضْب. ومعنى: {فَمَا فَوْقَهَا} أي: في الكِبَر وهو الظاهرُ، وقيل: في الصِّغَرِ.
قوله: {فَأَمَّا الذين آمَنُواْ} أمَّا: حرفٌ ضُمِّن معنى اسمِ شرطٍ وفِعْله فـ "أمَّا" بمنزلةِ مهما يَكُ مِنْ شيءٍ. وفائدتُه في الكلامِ أن يُعْطيه فَضْلَ توكيدٍ، تقولُ: زيدٌ ذاهبٌ، فإذا قَصَدْتَ توكيدَ ذلك وأنّه لا محالةَ ذاهبٌ قلت: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ.
وقال بعضُهم: "أمَّا" حرفُ تفصيلٍ لِما أَجْمَلَه المتكلِّمُ وادَّعاه المخاطبُ، ولا يليها إلّا المبتدأ وتَلْزَمُ الفاءُ في جوابها، ولا تُحْذَفُ إلاَّ مع قولٍ ظاهرٍ أو مقدَّرٍ كقوله: {فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ} أي: فيقالُ لهم: أَكَفَرْتُمْ، وقد تُحْذَفُ حيث لا قولٌ، كقوله:
فأمَّا القِتالُ لا قتالَ لديكُمُ ........... ولكنَّ سَيْراً في عِراضِ المواكبِ
أي: فلا قتالَ، ولا يجوزُ أن تليها الفاءُ مباشرةً ولا أن تتأخَّر عنها بِجُزْأَي جملةٍ فلو قلت: أمّا زيدٌ منطلقٌ ففي الدار، لم يَجُزْ.
و{الذين آمَنُواْ} في محلِّ رفع بالابتداء، و{فَيَعْلَمُونَ} خبرُه.
قوله: {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ} الفاءُ جوابُ "أمَّا" لِما تَضَمَّنَتْه مِنْ معنى الشرطِ و"أنَّه الحقُّ" سادٌّ مَسَدَّ المفعولَيْن، أو مَسَدَّ المفعولِ الأولِ فقط والثاني محذوفٌ أي: فَيَعْلَمونَ حقيقتَهُ ثابتةً. ولا حاجةَ إلى ذلك لأنَّ وجودَ النسبةِ فيما بعدَ "أنَّ" كافٍ في تَعَلُّق العلمِ أو الظنِّ به، والضميرُ في "أنَّه" عائدٌ على المَثَل. وقيل: على ضَرْبِ المثلِ المفهومِ من الفِعْل، وقيل: على تَرْكِ الاستحياءِ. و"الحقُّ" هو الثابتُ، ومنه "حَقَّ الأمرُ" أي: ثَبَتَ، ويقابِلُه الباطلُ.
وقوله: {مِن رَّبِّهِمْ} في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِن "الحق" أي:
كائناً وصادراً مِنْ ربهم، و"مِنْ" لابتداءِ الغايةِ المجازيّةِ. والعامل فيه معنى الحقِّ، وصاحبُ الحالِ الضميرُ المستتر فيه أي: في الحق، لأنّه مشتقٌ فيتحمَّلُ ضميراً.
قوله: {مَاذَا أَرَادَ الله} ماذا: له في كلامِ العربِ ستةُ استعمالات: أنْ تكونَ "ما" اسمَ استفهامٍ في محلِّ رفعِ بالابتداءِ، و"إذا" اسمُ إشارةٍ خبرهُ. والثاني: أن تكونَ "ما" استفهاميةً وذا بمعنى الذي، والجملة بعدها صلةٌ وعائدُها محذوفٌ، والأجودُ حينئذٍ أن يُرْفَعَ ما أُجيب به أو أُبْدِلَ منه كقوله:
ألا تَسْأَلانِ المرءَ ماذا يُحاوِلُ ......... أَنَحْبٌ فيقضى أم ضَلالٌ وباطِلُ
فـ "ذا" هنا بمعنى الذي لأنه أُبْدِلَ منه مرفوعٌ وهو "أَنَحْبٌ"، وكذا {مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو} في قراءة أبي عمرو. والثالث: أن يُغَلَّبَ حكمُ "ما" على "ذا"، فَيُتْرَكا ويَصيرا بمنزلة اسمٍ واحدٍ، فيكونَ في محلِّ نصبٍ بالفعل بعدَه، والأجودُ حينئذٍ أن يُنْصَبَ جوابُه والمبدلُ منه كقولِه: {مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو} في قراءة غير أبي عمروٍ، و"ماذا أَنْزَلَ ربُّكم، قالوا: خيراً: عند الجميع، ومنه قوله:
يا خُزْرَ تغلبَ ماذا بالُ نِسْوَتِكم ........ لا يَسْتَفِقْنَ إلى الدَّيْرَيْنِ تَحْنانَا
فـ "ماذا" مبتدأ، و"بالُ نسوتكم" خبرُه. الرابع: أن يُجْعَلَ "ماذا" بمنزلةِ الموصول تغليباً لـ "ذا" على "ما"، عكسَ ما تقدَّم في الصورة قبلَه، وهو قليلٌ جداً، ومنه قولُ الشاعر:
دَعي ماذا عَلِمْتِ سأتَّقيه ...................... ولكنْ بالمُغَيَّبِ نَبِّئِيني
فماذا بمعنى الذي لأنَّ ما قبله لا يُعَلَّقُ. الخامسُ: أن "ماذا" كلَه يكونُ نكرةً موصوفةً وأنشد: دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ ........... أي: دَعي شيئاً معلوماً وقد تقدَّم تأويلُه. السادس: وهو أضعفُها أن تكونَ "ما" استفهاماً و"ذا" زائدةً.
إذاً {مَاذَا أَرَادَ الله} يجوزُ فيه وجهان دونَ الأربعةِ الباقيةِ، أحَدُهما: أن تكونَ "ما" استفهاميّةً في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و"ذا" بمعنى الذي، و"أراد الله" صلةٌ والعائدُ محذوفٌ لاستكمالِ شروطِه، تقديره: أرادَه اللهُ، والموصولُ خبرُ "ما" الاستفهاميةِ. والثاني: أن تكونَ "ماذا" بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ في محلِّ نَصْبٍ بالفعلِ بعد تقديرُه: أيَّ شيء أرادَ الله، ومحلٌّ هذه الجملةِ النصبُ بالقولِ.
والإِرادةُ لغةً: طَلَبُ الشيءِ مع الميل إليه، وقد تتجرَّدُ للطلبِ،
وهي التي تُنْسَبُ إلى اللهِ تعالى وعينُها واوٌ من رادَ يرودُ أي: طَلَب، فأصلُ أراد أَرْوَدَ مثل أَقام، والمصدرُ الإِرادةُ مثلُ الإِقامةِ، وأصلُها: إرْوَاد فأُعِلَّتْ وعُوِّضَ من محذوفِها تاءُ التأنيث.
قوله: "مَثَلاً" نصبٌ على التمييزِ، قيل: جاءَ على معنى التوكيدِ،
لأنّه من حيث أُشير إليه بـ "هذا" عُلِم أنه مثلٌ، فجاء التمييزُ بعده مؤكِّداً للاسم الذي أُشير إليه. وقيل: نصبٌ على الحال، واختُلِفَ في صاحِبها فقيل: اسمُ الإِشارةِ، والعاملُ فيها معنى الإِشارةِ، وقيل: اسمُ الله تعالى أَي متمثِّلاً بذلك، وقيل: على القَطْع، ومعناه: أنّه كان أصلُه أَنْ يَتْبَعَ ما قبلَه والأصلُ: بهذا المثلِ، فلمَّا قُطِع عن التبعيةِ انتصبَ، وعلى ذلك قولُ امرئ القيس:
سَوامِقُ جَبَّارٍ أثيثٍ فُروعُهُ .............. وعَاليْنَ قِنْواناً من البُسْرِ أَحْمَرَا
أصله: من البسر الأحمر.
{يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} الباء: للسببيةِ، وكذلك في {يَهْدِي بِهِ} وهاتان
الجملتان لا محلَّ لهما لأنهما كالبيانِ للجملتينِ المُصَدَّرَتَيْنِ بـ "أمَّا"، وهما من كلام الله تعالى، وقيل: في محلِّ نصب لأنهما صفتان لـ "مَثَلاً" أي: مَثَلاً يُفَرِّقُ الناسَ به، إلى ضُلاَّلٍ ومُهْتدِين، وهما على هذا من كلامِ الكفار، ويجوزَ أن تكونَ حالاً من اسمِ الله أي: مُضِلاً به كثيراً وهادياً به كثيراً.
وجَوَّزَ بعضهم أن تكونَ جملةُ قولَه: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} من كلام الكفار، وجملةُ قوله: {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} من كلام الباري تعالى.
وهذا ليس بظاهرٍ، لأنّه إلباسٌ في التركيب. والضميرُ في "به" عائدٌ على "ضَرْب" المضاف تقديراً إلى المثل، أي: بِضَرْب المَثَل، وقيل: الضمير الأول للتكذيبِ، والثاني للتصديق، ودلَّ على ذلك قُوَّةُ
الكلام.
وقُرئَ: {يُضِلُّ به كثيرٌ ويهدى به كثيرٌ، وما يُضَلُّ به إلا الفاسقُون} بالبناء للمفعول، وقُرئَ أيضاً: {يَضِلُّ به كثيرٌ ويَهْدي به كثيرٌ، وما يَضِلُّ بِه إلّا الفاسقون} بالبناء للفاعل، قال بعضهم: وهي قراءة القَدَرِيَّة.
{وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين}. الفاسقين: مفعولٌ لـ "يُضِلُّ" وهو استثناءٌ مفرغٌ، وقد تقدَّم معناه، ويجوزُ أن يكونَ منصوباً على الاستثناء، والمستثنى منه محذوفٌ تقديرُه: وما يُضِلُّ به أحداً إلّا الفاسقين.
والفِسْقُ لغةً: الخروجُ، يقال: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عن قِشْرِها، أي: خَرَجَتْ، والفَاسِقُ خارجٌ عن طاعةِ الله تعالى، يقال: فَسَق يفسُقُ ويفسِقُ بالضم والكسر في المضارع فِسْقاً وفُسوقاً فهو فاسقٌ.

avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى