فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 49

اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 49

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الأحد سبتمبر 23, 2012 7:08 pm

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ

(49)

مَنْ صَبَرَ في اللهِ على بَلاءِ أعدائه عَوَّضَه اللهُ صُحبَةَ أوليائه، وأتاح له جميلَ عطائه؛ فهؤلاء بنو إسرائيلَ صَبروا على مُقاساةِ الضُرِّ مِن فِرعونَ وقومِه فجعلَ منهم أَنبياء، وجعلهم ملوكاً، وآتاهم ما لم يُؤتِ أحداً من العالمين.
{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} وهذا خطابٌ للموجودين في زمن الرسول ـ عليه الصلاةُ والسلام ـ ولا بُدَّ من وُجودِ مُضافٍ مَحذوفٍ أي: أَنْجَيْنا آباءكم، ونحو ذلك: {حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية} الحاقّة: 11. أو لأنَّ إنجاءَ الآباءِ سَبَبٌ في وُجودِ الأبناءِ. وأَصلُ الإِنجاءِ والنَّجاةِ الإِلقاءُ على نَجْوَةٍ مِن الأرضِ، وهي المُرتَفَعُ منها لِيَسْلَمَ مِن الآفاتِ، ثمَّ أُطلِقَ الإِنْجاءُ على كلِّ فائزٍ وخارجٍ مِن ضيقٍ إلى سَعَةٍ وإنْ لم يُلْقَ على نَجْوةٍ.
{من آلِ فرعون} "آل" اختُلِف فيه على ثلاثةِ أقوال، قال سِيبَوَيْهِ وأَتباعُه: إنَّ أصلَه أَهْلٌ، فأُبْدِلَتِ الهاءُ همزةً لقُربها منها، كما قالوا: ماء وأصلُه: ماه، ثمّ أُبْدِلَتِ الهمزةُ ألِفاً، لِسُكونِها بعد همزةٍ مفتوحةٍ نحو: آمَنَ وآدَمَ، ولذلك إذا صُغِّر رَجَعَ إلى أصلِه فتقول: أُهَيْل. ومنهم مَنْ قال: أصلُه مشتقٌّ من آلَ يَؤُول، أي: رَجَع، لأنَّ الإِنسانَ يَرْجِعُ إلى أهلِهِ، فتحرَّكَتِ الواوُ وانفَتَحَ ما قبلَها فقُلِبتْ ألفاً، وتصغيرُه على أُوَيْل نحو: مال ومُوَيل وباب وبُوَيْب.
واختُلِف فيه فقيل:"آلُ الرجلِ" قَرابتُه كأهلِه، وقيل:مَنْ كان مِنْ شيعتِه، وإنْ لم يَكنْ قريباً منه، وقيل: مَنْ كان تابعاً له وعلى دينِه وإنْ لم يكنْ قريباً منه، قال أَراكةُ الثَقَفيُّ يرسي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعزي نفسَهُ وأخيه:
فلاَ تَبْكِ مَيْتاً بعد مَيْتٍ أَجَنَّهُ .............. عليٌّ وعَبَّاسٌ وآلُ أبي بَكْرِ
ولهذا قيل: إنَّ آلَ النبيِّ مَنْ آمَنَ بِه إلى آخرِ الدهرِ، ومَنْ لم يُؤْمِنْ بِه فليس بآلِه، وإنْ كان نَسيباً له، كأبي لَهَبٍ وأبي طالب. خِلَافًا لِلرَّافِضَةِ حَيْثُ قَالَتْ إِنَّ آلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاطمة وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ فَقَطْ. ودَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ} البقرة: 50. و{أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ} غافر: 46. أَيْ آلَ دِينِهِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ وَلَا بِنْتٌ وَلَا أَبٌ وَلَا عَمٌّ ولا أخ ولا عَصَبة. ولأنه لا خوف أَنَّ مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا مُوَحِّدٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا لَهُ وَلِأَجْلِ هَذَا يُقَالُ إِنَّ أَبَا لَهَبٍ وَأَبَا جَهْلٍ لَيْسَا مِنْ آلِهِ وَلَا مِنْ أَهْلِهِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَابَةٌ وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ابْنِ نُوحٍ {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ} هود: 46. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: ((أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي ـ يَعْنِي فُلَانًا لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ آلُ مُحَمَّدٍ أَزْوَاجُهُ وَذُرِّيَّتُهُ خَاصَّةً لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: ((قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْأَهْلُ مَعْلُومٌ وَالْآلُ الْأَتْبَاعُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ)). فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى)).
واختَلَفَ فيه النُحاةُ: هل يُضافُ إلى المُضْمَرِ أمْ لا؟ فذهبَ جماعةٌ منهم إلى أنَّ ذلك لا يَجوزُ، فلا يَجوز أنْ تَقولَ: اللهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وآلهِ، بل: وعلى آلِ محمَّدٍ، وذَهَبَ جَماعَةٌ منهم إلى جوازِه، واسْتَدَلَّ بقولِه ـ عليه الصلاةُ والسلامُ، لمَّا سُئِل فقيل: يا رسولَ الله مَنْ آلُكَ؟ فقال: (( آلي كلُّ تَقِيٍّ إلى يومِ القيامة)). وأَنشَدوا قولَ نُدْبة:
أنا الفارسُ الحامي حقيقةَ والدي ........ وآلي كما تَحْمي حقيقةَ آلِكا
واختلفوا أيضاً فيه: هل يُضافُ إلى غيرِ العقلاءِ فيُقال: آلُ المدينةِ وآلُ مكَّةَ؟ فمَنَعَه الجُمهورُ، وقال الأخفش: قد سَمِعْنَاه في البلدان، قالوا: أهلُ المدينةِ وآلُ المدينة، ولا يُضافُ إلَّا إلى مَنْ لَه قَدْرٌ وخَطَرٌ، فلا يُقالُ: آلُ الإِسْكافِ ولا آلُ الحَجَّامِ، وهو من الأسماءِ اللازمةِ للإِضافة معنًى لا لَفْظًا، وقد عَرَفْتَ ما اخْتَصَّ بِه مِنَ الأحكامِ دونَ أصلِه الذي هو "أَهْل".
هذا كلُّه في "آل" مُراداً به الأهلُ، أمَّا "آل" الذي هو السَّرابُ فليس مِمَّا نَحْنُ فيه في شيءٍ، وجَمْعُه أَأْوال، وتصغيرُه أُوَيْلٍ ليس إلاَّ، نحوُ: مال وأَمْوال ومُوَيْل.
"فِرْعَون" اختُلِفَ فيه: هل هو علمُ شخصٍ أو علمُ جنسٍ، فإنّه يُقالُ لكلِّ مَنْ مَلَك القِبْطَ ومصرَ: فِرعَوْن، مثلَ كِسْرى لَكَلِّ مَنْ مَلَك الفرس، وقيصرُ لكلِّ مَنْ مَلَك الروم، والقَيْلُ لكلِّ مَنْ مَلَكَ حِمْيَرَ، والنَّجاشيِّ لِكلِّ مَنْ مَلَكَ الحَبَشةَ، وَبَطْلَيْموس لِكلِّ مَنْ مَلَكَ اليونان. قال الزمخشري: وفرعونُ عَلَمٌ لِمَنْ مَلَك العَمَالِقَةَ كقيصَرَ للروم، وفرعونُ المقصودُ هنا هو الوليد بن مصعب بن الريان وكان من القُبْطِ العَماليق وعَمَّرَ أكثرَ من أربعمائة سنة، ولِعُتُوِّ الفراعِنَة اشْتَقُّوا منه: تَفَرْعَنَ فلانٌ إذا عَتا وَتَجَبَّر، وفي مُلْحِ بعضهم:
قد جاءَهْ الموسى الكَلُومُ فَزَاد في ......... أَقْصَى تَفَرْعُنِه وفَرْطِ عُرَامِه
وقال المسعودي: "لا يُعْرَفُ لِفرْعَوْنَ تفسيرٌ بالعربيةِ "، وظاهر كلامِ الجَوْهري أنَّه مشتقٌّ مِنْ معنى العُتُوِّ، فإنَّه قال: "والعُتاة: الفَرَاعِنةُ، وقد تَفَرْعَنَ وهو ذو فَرْعَنةٍ أي: دهاءٍ ومكرٍ". وفي الحديث: ((أَخَذْنا فِرْعونَ هذه الأمَّةِ)).
{يَسُومونكم سوءَ العذابِ} يسومونكم: أصلُهُ مِنْ سَامَ السِّلْعَةَ إذا طَلَبها، كأنّه بمعنى يَبْغُونَكم سُوءَ العذابِ ويُريدُونَكم عليه، وقيل: أَصلُ السَّوْمِ الدَّوامُ، ومنه: سائِمَةُ الغَنَمِ لمُداوَمَتِها الرَّعْيَ. والمعنى: يُديمونَ تَعذيبَكم، وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة هكذا ومرّةً هكذا كالإبل السائمة في البرية، وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدَماً وخولاً، وخَوَلُ الرجل أتباعه، والمفرد خائل: وهو مأخوذ من التخويل أي التمليك، فقد صنّفهم فرعون في الأعمال فصنف يبنون، وصنف يحرثون ويزرعون، وصنف يخدمونه، ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية. فذوو القوّة ينحتون السواري من الجبال والسارية هي العمود الأسطوانيّ، حتى قرحت أعناقهم وأيديهم وظهورهم من قطعها ونقلها، وطائفة ينقلون الحجارة، وطائفة يبنون له القصور، وطائفة منهم يضربون اللبن ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضَعَفةُ منهم يضرب عليهم الخراج ضريبة يؤدّونها كلَّ يوم، فمَن غَرَبت عليه الشمسُ قبل أن يؤدّي ضريبتَه غُلَّتْ يمينُه إلى عُنُقِهِ شهراً، والنساءُ يَغْزلْنَ الكتّانَ ويَنسجْنَ.
{يذبحون أبناءكم وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } يتركونهن أحياء، وذلك أن فرعون رأى في منامه كأنَّ ناراً أقبلت من بيتِ المقدس وأحاطت بمصر وأحرقت كلَّ قِبطيٍّ فيها، ولم تتعرّضْ لِبني إسرائيل فهالَهُ ذلك، وسأل الكهنةَ عن رؤياه؟ فقالوا: يُولَد في بني إسرائيلَ غُلامٌ يكونُ على يَدِه هَلاكُك وزوالُ مُلْكِك ، فأمَرَ فرعونُ بقتلِ كلِّ غُلامٍ يُولَدُ في بني إسرائيلَ وجَمَعَ القَوابِلَ فقال لهُنَّ: لا يَسْقُطَنْ على أيديكُنَّ غلامٌ من بني إسرائيلَ إلّا قُتِلَ ولا جاريةٌ إلّا تُركت، ووكّلَ بالقَوابِلِ، فكنَّ يَفعلْنَ ذلك حتّى قِيلَ: إنَّه قُتل في بني إسرائيلَ اثنى عشرَ ألفِ صَبيٍّ. وقيلَ تسعينَ ألف وليدٍ. قالوا: وأسرعَ الموتُ في مَشيَخَةِ بني إسرائيلَ فدَخَلَ رؤوسُ القِبْطِ على فِرعَوْنَ وقالوا: إنّ الموتَ قد وقع في بني إسرائيلَ أفتذبحُ صِغارَهم ويَموتُ كِبارُهم فيُوشِكُ أنْ يَقَعَ العملُ علينا؟ فأمرَ فرعونُ أنْ يُذبحوا سنةً ويُتركوا سنة، فوُلِد هارونُ في السنةِ التي لا يُذبحون فيها، وموسى في السنةِ التي يُذبحون فيها.
{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} إذْ: في مَوضعِ نصبِ مفعولٍ لـ "اذكروا" عطفاً على "نعمتي"، وكذلك الظروفُ التي ستأتي بعده نحو: "وإذ واعَدْنا" و"وإذ قُلتم". وقُرئ: "أَنْجَيْتُكُم" على التوحيدِ. {من آلِ} متعلِّقٌ به، و"مِنْ" لابتداءِ الغايةِ. "فِرْعَون" خفضٌ بالإِضافةِ، ولكنّه لا يَنْصَرِفُ للعُجْمَةِ والتعريف.
{يَسُومونكم سوءَ العذابِ} هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِنْ "آل" حالَ كونِهم سائِمين. ويجوز أَنْ تكونَ مستأنفةً للإِخْبارِ بذلك. وقيل: هي خبرٌ لِمبتَدأٍ محذوفٍ، أي: همْ يَسُومونَكمْ، ولا حاجةَ إليه. و"كُمْ" مفعولٌ أولُ، و"سوءَ" مفعولٌ ثانٍ، لأنَّ "سامَ" يتعدَّى لاثنين كأعطى ومعناه: أَوْلاهُ كذا وأَلْزمَه إيّاهُ أو كَلَّفَهُ إيَّاه، ومنه قولُ عَمْرٍو بنِ كُلثومٍ:
إذا ما المَلْكُ سامَ الناسَ خَسْفاً............. أَبَيْنا أَنْ نُقِرَّ الخَسْفَ فِينا
والسوءُ: كلُّ ما يَعُمُّ الإِنسانَ مِن أمرٍ دُنْيَويٍّ وأُخْرَوِيٍّ، وهو في الأصلِ مَصدرٌ، ويؤنَّثُ بالألفِ، قال تعالى: {أَسَاءُواْ السواءى}. وسُوءُ العذابِ أَشدُّهُ وأفظعُهُ وإنْ كان كَلُّه سيئاً، كأنّه أَقبَحُهُ بالإِضافة إلى سائرِه. وأَجَازَ بعضُهم أَنْ يَكونَ "سوءَ" نعتاً لمصدرٍ مَحذوفٍ، تقديرُه: يَسُومونَكم سَوْماً سيِّئاً، ويَجوزُ أنْ يَكونَ بمعنى سَوْمِ العذاب، فيكون منصوباً على نَوْعِ المصدرِ، نحو: "قَعَدَ جلوساً"، لأنَّ سُوءَ العَذابِ نَوعٌ من السَّوْمِ.
قولُهُ: { يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } مذكور على وجه البدل من قوله: "يسومونكم سوء العذاب"، "يُذَبِّحُون" هذه الجملةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تكونَ مُفسِّرةً للجُملةِ قبلَها، وتفسيرُها لها على وجهين: أحدُهما أن تكونَ مُستأنَفةً، فلا محلَّ لها حينئذٍ مِنَ الإِعرابِ، كأنَّه قيلَ: كيف كان سَوْمُهم العذابَ؟ فقيل: "يُذَبِّحُون". والثاني: أنْ تكونَ بدلاً منها، ويُحْتملُ أنْ تَكونَ حالاً ثانيةً، لا على أنَّها بَدَلٌ مِن الأولى، وذلك على رَأْي مَنْ يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحال. ويُحتَمَلُ أنْ يَكونَ حالاً مِن فاعلِ "يَسُومونكم". وقُرئ: "يَذْبَحُون" بالتخفيف، والأَوْلى قراءةُ الجماعةِ لأنَّ الذّبْحَ مُتَكَرِّرٌ.
فإنْ قيل: لِمَ لَم يُؤْتَ هنا بواو العَطْفِ، كما أُتِي بها في سورة إبراهيم؟ فالجوابُ أنّه أُرِيدَ هُنا التَفسيرُ كما تقدَّم، أمّا في سورةِ إبراهيم فمعناه: يُعَذِّبونَكم بالذَّبْح وبغيرِ الذبحِ. والذَّبْحُ: أصلُه الشَّقُّ، ومنه: "المَذابحُ" لِأَخاديدِ السُيولِ في الأرضِ.
نَسَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْفِعْلَ إِلَى آلِ فِرْعَوْنَ وَهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِأَمْرِهِ وَسُلْطَانِهِ لِتَوَلِّيهِمْ ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ وَلِيُعْلِمَ أَنَّ الْمُبَاشِرَ مَأْخُوذٌ بِفِعْلِهِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ وَيَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَمَرَهُ ظَالِمٌ بِقَتْلِ أَحَدٍ فَقَتَلَهُ الْمَأْمُورُ فَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ يُقْتَلَانِ جَمِيعًا الآمرُ بِأَمْرِهِ وَالْمَأْمُورُ بِمُبَاشَرَتِهِ. هَكَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي تَفْصِيلٍ لَهُمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ رَجُلًا بِقَتْلِ رَجُلٍ وَالْمَأْمُورُ يَعْلَمُ أَنَّهُ أُمِرَ بِقَتْلِهِ ظُلْمًا كَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْإِمَامِ الْقَوَدُ كَقَاتِلَيْنِ مَعًا، وَإِنْ أَكْرَهَهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ظُلْمًا كَانَ
عَلَى الْإِمَامِ الْقَوَدُ وَفِي المأمور قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ وَالْآخَرُ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ. وَلَا يَخْلُو الْمَأْمُورُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ طَاعَةُ الْآمِرِ وَيَخَافُ شَرَّهُ كَالسُّلْطَانِ وَالسَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، فَالْقَوَدُ فِي ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُمَا أَوْ يَكُونُ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فَيُقْتَلُ الْمُبَاشِرُ وَحْدَهُ دُونَ الْآمِرِ وَذَلِكَ كَالْأَبِ يَأْمُرُ وَلَدَهُ أَوِ الْمُعَلِّمِ بَعْضَ صِبْيَانِهِ أَوِ الصَّانِعِ بَعْضَ مُتَعَلِّمِيهِ إِذَا كَانَ مُحْتَلِمًا فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَلِمٍ فَالْقَتْلُ عَلَى الْآمِرِ وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: لَا يُقْتَلُ السَّيِّدُ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا بِقَتْلِ إِنْسَانٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَبِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَقُولُ إِنَّ الْقَتْلَ عَلَيْهِمَا فَأَمَّا أَمْرُ مَنْ لَا خَوْفَ عَلَى الْمَأْمُورِ فِي مُخَالَفَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِالْإِكْرَاهِ بَلْ يُقْتَلُ الْمَأْمُورُ دُونَ الْآمِرِ وَيُضْرَبُ الْآمِرُ وَيُحْبَسُ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي السَّيِّدِ يَأْمُرُ عَبْدَهُ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا: يُقْتَلُ السَّيِّدُ. وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ عَلِيٌّ وَيُسْتَوْدَعُ الْعَبْدُ السِّجْنَ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَيُحْبَسُ الْعَبْدُ وَيُضْرَبُ وَيُؤَدَّبُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يُعَزَّرُ السَّيِّدُ وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ يُقْتَلُ الْعَبْدُ وَقَالَ قَتَادَةُ: يُقْتَلَانِ جَمِيعًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ كَانَ الْعَبْدُ فَصِيحًا يَعْقِلُ قُتِلَ الْعَبْدُ وَعُوقِبَ السَّيِّدُ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَعْجَمِيًّا فَعَلَى السَّيِّدِ الْقَوَدُ وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى لَا يُقْتَلُ الْآمِرُ وَلَكِنْ تَقْطَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُعَاقَبُ وَيُحْبَسُ وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي وَيُقْتَلُ الْمَأْمُورُ للمباشرة. كذلك قَالَ عَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي الرَّجُلِ يَأْمُرُ الرَّجُلَ بِقَتْلِ الرَّجُلِ وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ زُفَرُ لَا يُقْتَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ حَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْبُرْهَانِ وَرَأَى أَنَّ الْآمِرَ وَالْمُبَاشِرَ لَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِلًّا فِي الْقَوَدِ فَلِذَلِكَ لَا يُقْتَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عِنْدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
و"أبناء" جمعُ ابْنٍ، رَجَعَ به إلى أصلِه، فَرُدَّت لامُه، إمَّا الواوُ أو الياءُ. والأصلُ: "أَبْناو" أو "أبناي"، فَأُبْدِل حرفُ العلةِ همزةً لتطرُّفِه بعد ألفٍ زائدةٍ، والمرادُ بهم الأطفالُ، وقيل: الرجالُ، وعَبَّر عنهم بالأبناءِ باعتبار ما كانوا.
قولُهُ: {وَيَسْتَحْيُونَ} عطفٌ على ما قبلَه، وأصلُه: يَسْتَحْيِيُون، فَأُعِلَّ بحَذْفِ الياءِ بعد حَذْفِ حركتِها وقد تقدَّم بيانُه، فوزنُه يَسْتَفْعُون. والمُرادُ بالنساءِ الأطفالُ، وإنّما عَبَّرَ عنه بالنِّساءِ لِمآلِهِنَّ إلى ذلك. وقيل: المرادُ غيرُ الأطفالِ، كما قيل في الأبناء. ولامُ النساءِ الظاهرُ أنَّها من واوٍ لِظهورِها في مُرادِفِه وهو نِسْوَانٌ ونِسْوَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكونَ ياءً اشْتِقاقاً مِن النِّسْيان، وهل نساءٌ جمْعُ نِسْوةٍ أو جَمْعُ امْرأةٍ مِنْ حيثُ المعنى؟ قولان.
{وَفِي ذَلِكُمْ بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} الجارُّ خبرٌ مقدَّمٌ، و"بلاءٌ" مبتدأٌ ولامُه واوٌ لظهورِها في الفعلِ نحو: بَلَوْتُه، أَبْلُوه، {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} البقرة: 155، فأُبْدِلَتْ همزةً. والبلاءُ يكون في الخيرِ والشرِّ، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً} الأنبياء:35 لأنَّ الابتلاءَ امتحانٌ فيمتحِنُ اللهُ عبادَه بالخيرِ ليشكُروا، وبالشرِّ ليصبِروا، وأبلاهُ وبَلاه في الخير، وقيل أَبْلَيْتُه في الخي ، وفي الشرِّ بَلَوْتُه، وفي الاختبارِ ابتلَيْتُه وبَلَوْتُه، واسمُ الإِشارة من قوله: "وفي ذلكم" يجوزُ أن يكونَ إشارةً إلى الإِنجاءِ وهو خيرٌ مَحْبوب، ويجوز أن يكونَ إشارةً إلى الذَّبْحِ، وهو شرٌّ مكروهٌ. و"ذلكم" إشارةٌ إلى جملةِ الأمر.
و{من رَّبِّكُمْ} متعلقٌ بـ "بلاءٌ"، و"مِنْ" لابتداءِ الغايةِ مجازاً. و"عظيمٌ " صفةٌ لـ "بلاء".
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 811
نقاط : 2408
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى