فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 246

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع

اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 246

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الجمعة سبتمبر 28, 2012 11:13 am


أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)
قولُه سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} اِقترح بنو إسرائيلَ على نبيِّهم سؤالَ الإذنِ لهم في القتالِ، فلمَّا أُجيبوا إلى ما سألوه رَكَنوا إلى التكاسُلِ، والتَغافلِ والجِدالِ. وأظهروا التَصَلُّبَ والجِدَّ في القتالِ ذَبَّاً عن أموالِهم ومَنازلِهم حيث: {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا .. }. فلذلك لم يتمَّ قصدُهم لأنَّه لم يَخْلُصْ لله عزمُهم، ولو أنّهم قالوا: وما لنا ألّا نُقاتلَ في سبيلِ اللهِ لأنَّه قد أمرَنا، وأَوْجَبَ علينا، فإنّه سيِّدُنا ومولانا، لوُفِّقُوا لِما قَصَدوه. وهذه قِصَّةً أُخْرَى فِي التَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ جَرَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ مُوسى} أَيْ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ {إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً}. قِيلَ: هُوَ شَمْوِيلُ بْنُ بَالَ بْنِ عَلْقَمَةَ، وَيُعْرَفُ بابن العجوز. ويقال فيه: شمعون، وإنّما قيل: ابنُ والعجوزِ لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ عَجُوزًا فَسَأَلَتِ اللَّهَ الْوَلَدَ ـ وَقَدْ كَبِرَتْ وَعَقِمَتْ ـ فَوَهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا. وَيُقَالُ لَهُ: سَمْعُونُ لِأَنَّ الله قد سمع دعاءهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ "سَمْعُونَ"، كأنها تَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ دُعَائِي، وَالسِّينُ تَصِيرُ شِينًا بِلُغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ، وَهُوَ (سمعون) مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ مُدَّةَ دَاوُدَ هِيَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى بِقُرُونٍ مِنَ النَّاسِ، وَيُوشَعُ هُوَ فَتَى مُوسَى. وَذَكَرَ الْمُحَاسِبِيُّ أَنَّ اسْمَهُ إِسْمَاعِيلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ خَبَرٌ عَنْ قَوْمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَالَتْهُمْ ذِلَّةٌ وَغَلَبَةُ عَدُوٍّ فَطَلَبُوا الْإِذْنَ فِي الْجِهَادِ وَأَنْ يُؤْمَرُوا بِهِ، فَلَمَّا أُمِرُوا كَعَّ (جبُن) أَكْثَرُهُمْ وَصَبَرَ الْأَقَلُّ فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ. وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ هُمُ الَّذِينَ أُمِيتُوا ثُمَّ أُحْيُوا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قولُه: {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ} وَمَعْنَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ: هَلْ أَنْتُمْ قَرِيبٌ مِنَ التَّوَلِّي وَالْفِرَارِ؟. {إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا}؟ {قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. أَيْ وَمَا مَنَعَنَا، كَمَا تَقُولُ: مَا لَكَ أَلَّا تُصَلِّيَ؟ أَيْ ما منعك. وقيل: المعنى وأي شيء لَنَا فِي أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ! وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا} تَعْلِيلٌ، وَكَذَلِكَ {وَأَبْنائِنا} أَيْ بِسَبَبِ ذَرَارِينَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ} أَيْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ {الْقِتالُ تَوَلَّوْا} أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَمَّا فَرَضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ وَرَأَوُا الْحَقِيقَةَ وَرَجَعَتْ أَفْكَارُهُمْ إِلَى مباشرة الحرب وأن نفوسهم رُبَّمَا قَدْ تَذْهَبُ "تَوَلَّوْا" أَيِ اضْطَرَبَتْ نِيَّاتُهُمْ وَفَتَرَتْ عَزَائِمُهُمْ، وَهَذَا شَأْنُ الْأُمَمِ الْمُتَنَعِّمَةِ الْمَائِلَةِ إِلَى الدَّعَةِ تَتَمَنَّى الْحَرْبَ أَوْقَاتَ الْأَنَفَةِ فَإِذَا حَضَرَتِ الْحَرْبُ كَعَّتْ وَانْقَادَتْ لِطَبْعِهَا. وَعَنْ هَذَا الْمَعْنَى نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ((لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا)). رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ. ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَلِيلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ ثَبَتُوا عَلَى النِّيَّةِ الْأُولَى وَاسْتَمَرَّتْ عَزِيمَتُهُمْ عَلَى القتال في سبيل الله تعالى.
قوله تعالى: {مِن بني} فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه صلةٌ للمَلأ على مذهب الكوفيين، لأنَّهم يَجْعِلون المعرَّفَ بأل موصولاً ويُنْشِدُون لأبي ذُؤيبٍ الهذلي:
لَعَمْرِي لأنتَ البيتُ أُكَرِمُ أهلَه ............. وأَقْعُدُ في أفنائِهِ بالأصائِلِ
فالبيت موصولٌ، فعلى هذا لا مَحَلَّ لهذا الجارِّ مِن الإِعرابِ. والثاني: أنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِنَ المَلأ، و"مِنْ" للتبعيض، أي: في حالِ كونِهم بعضَ بني إسرائيل. و"الملأ": الأشْرافُ، سُمُّوا بذلك لأنَّهم يَمْلَؤُون العيونَ هيبةً، أو المَجالِسَ إذا حَضَروا، أو لأنَّهم مَليئون بما يُحْتاج إليهم فيه. وقال الفراء: "الملأُ": الرجالُ في كلِّ القرآن، وكذلك القومُ والرهطُ والنفرُ، ويُجْمع على أَمْلاء، قال:
وقالَ لها الأملاءُ من كلِّ مَعْشَرٍ .......... وخيرُ أقاويل الرجالِ سديدُها
وهو اسمُ جمعٍ لا واحدَ له من لفظه كالقومِ والرهطِ.
وَالْمَلَأُ أَيْضًا: حُسْنُ الْخُلُقِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: ((أَحْسِنُوا الْمَلَأَ فَكُلُّكُمْ سَيَرْوَى)). خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.
وقولُه: {مِن بَعْدِ موسى} متعلِّقٌ بما تعلَّقَ به الجارُّ الأولُ وهو الاستقرار، ولا يَضُرُّ اتحادُ الحرفيْنِ لفظاً لاختلافِهما معنىً، فإنَّ الأُولى للتَبْعيضِ والثانيةَ لابْتِداءِ الغايةِ. وقال أبو البقاء: "مِنْ بعدِ" متعلِّقٌ بالجارِّ الأول، أو بما تعلَّق به الأول يعني بالأول: "من بني"، وجَعَلَه عاملاً في "مِنْ بعد" لِما تضمَّنه من الاستقرار، فلذلك نَسَبَ العملَ إليه، وهذا على رأي بعضِهم، يَنْسِبُ العمل للظرفِ والجارِّ الواقِعَيْن خبَراً أو صِفةً أو حالاً أو صلةً، فتقول في نحو: "زيدٌ في الدار أبوه" أبوه: فاعلٌ بالجارِّ، والتحقيقُ أنَّه فاعلٌ بالاستِقْرارِ الذي تعلَّق به الجارُّ، وهو الوجهُ الثاني. وقَدَّر أبو البقاء مضافاً محذوفاً. تقديرُه: مِنْ بعدِ موتِ موسى، ليصِحَّ المعنى بذلك.
قوله: {إِذْ قَالُواْ} العاملُ في هذا الظرفِ أجازوا فيه وجهين، أحدُهما: أنَّه العاملُ في "مِنْ بعد" لأنَّه بدلٌ منه، إذ هما زمانان، قاله أبو البقاء، والثاني: أَنّه "ألم ترَ" وكلاهُما غيرُ صحيحٍ. أمَّا الأولُ فلوجهين. أحدُهما: من جهة اللفظِ، والآخرُ: مِنْ جهةِ المعنى. فأمّا الذي من جهةِ اللفظِ فإنَّه على تقديرِ إعادةِ "مِنْ" و"إذ" لا تُجَرُّ بـ "مِنْ". الثاني: أنّه ولو كانَتْ "إذ" من الظروف التي تُجَرُّ بـ "مِنْ" كوقتٍ وحينٍ، لم يَصِحَّ ذلك أيضاً، لأنَّ العاملَ في "مِنْ بعدُ" محذوفٌ فإنّه حالٌ تقديرُه: كائنين من بعد، ولو قلت: كائنٌ من حين قالوا لنبيٍّ لهم ابعثْ لنا مَلِكاً لم يَصِحَّ هذا المعنى. وأمَّا الثاني فلأنَّه تقدَّم أنَّ معنى "ألم ترَ" تقريرٌ للنفي، والمعنى: أَلَمْ يَنْتَهِ عِلمُك إلى الملأ، أَوَ قد نَظَرْتَ إلى الملأ، وليس انتهاءُ علمِه إليهم ولا نظرُه إليهم كان في وقتِ قولِهم ذلك، وإذا لم تكنْ ظرفاً للانتهاءِ ولا للنَظَرِ فكيف تكونُ معمولاً لهما
أو لأحدِهما؟
وإذ قد بَطَلَ هذان الوجهان فلا بُدَّ له من عاملٍ يَصِحُّ به المعنى وهو محذوفٌ، تقديرُه: أَلَمْ تَرَ إلى قِصَّةِ المَلأِ أو حديثِ المَلأِ أو ما في معناه؛ وذلك لأنَّ الذواتِ لا يُتَعَجَّبُ منها، إنَّما يُتَعَجَّبُ مِنْ أحداثِها، فَصار المعنى: أَلَمْ تَرَ إلى ما جَرى للمَلأِ مِن بَني إسرائيلَ.. إلى آخرها، فالعاملُ هو ذلك المجرورُ، ولا يَصِحُّ إلّا بِه لِما تَقدَّم.
قوله: {لِنَبِيٍّ} متعلِّقٌ بـ "قالوا"، فاللامُ فيه للتبليغ، و"لهم" متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنَّه صفةٌ لنبيٍّ، ومحلُّه الجرُّ، و"ابعَثْ" وما في حَيِّزه في محلِّ نصبٍ بالقولِ. و"لنا" الظاهرُ أنَّه متعلِّقٌ بـ "ابعَثْ"، واللامُ للتعليلِ أي: لأجلِنا.
قوله: {نُّقَاتِلْ} الجمهورُ بالنونِ والجَزْمِ على جوابِ الأمرِ. وقُرىء بالياء والجزمِ على ما تقدَّم، وقرأ ابنُ أبي عَبلةَ بالياءِ ورفعِ اللامِ على الصفةِ لِـ "ملكاً"، فمَحَلُّها النصبُ. وقُرىء بالنونِ ورفعِ اللامِ على أنّها حالٌ من "لنا" فمَحَلُّها النصبُ أيضاً أي: ابعَثْه، لنا مقدِّرين القتال، أو على أنّها استئنافُ جوابٍ لسؤالٍ مقدَّرٍ كأنّه قال لهم: ما يَصْنعون بالملكِ؟ فقالوا نقاتِلْ.
قوله: {هَلْ عَسَيْتُمْ} عسى واسمُها، وخبرُها. وقولُه: {أَلاَّ تُقَاتِلُواْ} والشرطُ معترضٌ بينهما، وجوابُه محذوفٌ للدلالة عليه، وهذا كما توسَّط في قوله: {وَإِنَّآ إِن شَآءَ الله لَمُهْتَدُونَ} البقرة: 70، وهذا على رأي مَنْ يَجْعَلُ "عسى" داخلةً على المبتدأ والخبرِ، ويقولُ إنَّ "أَنْ" زائدةٌ لِئلا يُخْبَرَ بالمعنى عن العين. وأمّا مَنْ يرى أنّها تُضَمَّنُ معنى فعلٍ متعدٍ فيقولُ: "عَسَيْتم" فعلٌ وفاعلٌ، و"أَنْ" وما بعدَها مفعولٌ به تقديرُه: هل قَارَبْتُم عدم القتالِ، فهي عنده ليسَتْ من النواسخِ، والأولُ هو المشهورُ.
وقرأ نافع "عَسِيْتُم" هنا وفي القتال: بكسْرِ السينِ، وهي لغةٌ مع تاءِ الفاعلِ مطلقاً ومع "ن"، ومع نونِ الإناثِ نحو: عَسِينا وعَسِين، وهي لغةُ الحجاز، ولهذا غَلِطَ مَنْ قال: "عسى تُكْسَرُ مع المُضمَرِ" وأَطْلَقَ، بل كان ينبغي له أن يُقَيِّدَ بما ذَكَرْتُ، إذ لا يقال: الزيدان عَسِيا والزيدون عَسِيوا بالكسرِ البَتَّةَ.
وقال الفارسي: "ووجهُ الكسرِ قولُ العربِ: هو عَسٍى بكذا، مثلَ: حَرٍ وشَجٍ، وقد جاء فَعَل وفَعِل في نحو: نَقَم ونَقِم، فكذلك عَسَيْتُ وعَسِيْتُ، فإنْ أُسْنِدَ الفعلُ إلى ظاهرٍ فقياسُ عَسِيتم ـ أي بالكسر ـ أنْ يقال: عَسِيَ زيدٌ مثل: رَضِي زيدٌ. فإن قيل فهو القياسُ، وإنْ لم يُقَلْ فسائِغٌ أن يُؤْخَذَ باللغتين، فتُسْتَعملَ إحداهما موضعَ الأخرى كما فُعِل ذلك في غيره، فظاهرُ هذه العبارةِ أنّه يَجوزُ كسرُ سِينِها مع الظاهرِ بطريقِ القياسِ على المضمرِ، وغيرُه من النَحْويين يَمنَعُ ذلك حتّى مع المُضْمَرِ مُطلَقاً، ولكنْ لا يُلتَفَتُ إليه لوُرودِه مُتواتراً، وظاهرُ قولِه: قولُ العرب: "عسٍى" أنَّه مسموعٌ منهم اسمُ فاعِلِها، وكذلك حكاه أبو البقاء أيضاً عن ابن الأَعرابي، وقد نَصَّ النحْويون على أنَّ "عسى" لا تتصرَّفُ.
واعلم أنَّ مدلولَ "عسى" إنشاءٌ لأنَّها للتَرَجّي أو للإِشفاق، فعلى هذا: فكيف دَخَلَتْ عليها "هل" التي تقتضي الاستفهامَ؟ فالجوابُ أن الكلامَ محمولٌ على المعنى، قال الزمخشري: والمعنى: هل قارَبْتم ألاَّ تقاتلوا، يعني: هل الأمرُ كما أتوقَّعُه أنَّكم لا تقاتلون، أراد أنْ يقولَ: عَسَيْتُم ألاَّ تُقاتلوا، بمعنى أتوقَّعُ جُبْنَكم عن القتالِ، فأدخلَ "هل" مستفهماً عمّا هو متوقَّعٌ عندَه ومَظْنونٌ، وأرادَ بالاستفهام التقريرَ، وثَبَتَ أنَّ المُتوقَّعَ كائنٌ وأنَّه صائبٌ في توقُّعِه، كقولِه تعالى: {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حينٌ من الدهر}. سورة الإنسان: 1. معناه التقريرُ، وهذا من أَحسنِ الكلامِ، وأحسنُ مِنْ قول مَنْ زَعَم أنَّها خَبَرٌ لا إِنْشاءٌ، مُسْتَدِلاً بدخولِ الاستفهام عليها، وبوقوعِها خَبَراً لـ "إنَّ" في قول رؤبة:
أكثرتَ في العَذْلِ مُلِحّاً دائما ........... لا تُكْثِرَنْ إني عسيت صائما
وهذا لا دليلَ فيه لأنّه على إضمارِ القولِ كقوله:
إنَّ الذين قَتَلْتُمْ أمسِ سيِّدَهمْ ........ لا تَحْسَبُوا ليلَهم عن ليلكِم ناما
ولذلك لا تُوصَلُ بها الموصولاتُ خِلافاً لهِشام.
قوله: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ} هذه الواوُ رابطةٌ لهذا الكلام بما قبلَه، ولو حُذِفَتْ لجازَ أن يكونَ منقطعاً مِمَّا قبله. و"ما" في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، ومعناها الاستفهامُ، وهو استفهامُ إنكارٍ. و"لنا" في محلِّ رفعٍ خبرٌ لـ "ما".
و"ألاَّ نقاتِلَ" فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنَّها على حذفِ حرفِ الجرِّ، والتقديرُ: وما لَنا في ألاَّ نقاتلَ، أي: في تَرْكِ القتالِ، ثمَّ حُذِفَتْ "في" مع "أَنْ" فجَرى فيها الخلافُ المشهورُ بين الخَليلِ وسِيبَوَيْهِ: أهيَ في مَحَلِّ جَرٍ أمْ نَصْبٍ؟ وهذا الجارُّ يتعلَّقُ بنفسِ الجارِّ الذي هو "لنا"، أو بما يتعلَّق هو به على حَسَبِ ما تقدَّم في {مِن بَعْدِ موسى}. والثاني: مذهبُ الأَخفَشِ أنَّ "أَنْ" زائدةٌ، ولا يَضُرُّ عملُهَا مع زيادتِها، كما لا يضرُّ ذلك في حروف الجرِ الزائدةِ، وعلى هذا فالجملةُ المنفيَّة بعدَها في محلِّ نصبٍ على الحال، كأنّه قيل: ما لَنا غيرَ مقاتِلين، كقولِه: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} نوح: 13. و{وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ} المائدة: 84. وقولُ العَرَبِ: "مالك قائماً"، وقولُه تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ}. المدَّثِّر: 49. وهذا المذهبُ ضعيفٌ لأنَّ الأصلَ عدمُ الزيادة، فلا يُصارُ إليها دون ضرورةٍ. والثالث: ـ وهو أضعفُها ـ مذهبُ الطبريِّ أَنَّ ثَمَّ واواً محذوفةً قبلَ قولِه: "أن لا نقاتلَ". قال: تقديرُه: وما لنا ولأن لا نقاتلَ، كقولِك: إيّاكَ أنْ تَتَكلَّمَ، أي: إياك وأنْ تتكلَّم، فَحُذِفَتْ الواوُ، وهذا كما تَرى ضعيفٌ جداً.
وأمَّا قولُه: إنَّ قولَهم إياك أَنْ تتكلم على حذفِ الواوِ، فليسَ كما زَعَمَ، بل "إيّاك" ضُمِّنتْ معنى الفعلِ المرادِ به التحذيرُ، و"أَنْ تتكلمَ" في محلِّ نصبٍ بِه تقديرُه: احذَرْ التكلمَ.
قولُه: {وَقَدْ أُخْرِجْنَا} هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، والعاملُ فيها: "نقاتلُ"، أَنكروا تَرك القتالِ وقد التَبَسُوا بهذه الحالِ. وهذه قراءةُ الجمهورِ، أعني بناء الفعلِ للمفعولِ. وقرأ عَمْرو بنُ عبيدٍ: "أَخْرَجَنا" على البناء للفاعل. وفيه وَجْهان، أحدُهما: أنّه ضميرُ اللهِ تعالى، أي: وقد أَخرَجَنا الله بذنوبنا. والثاني: أنّه ضَميرُ العدوّ. "وأبنائنا" عَطْفٌ على "ديارنا" أي: ومن أبنائِنا، فلا بُدَّ من حذفِ مضافٍ تقديرُه: "من بين أبنائِنا" كذا قدَّره أبو البقاء. وقيل: إنَّ هذا على القلبِ، والأصلُ: وقد أُخْرِجَ أبناؤنا منا، ولا حاجةَ إلى هذا.
قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} نصبٌ على الاستثناءِ المُتَّصِلِ مِن فاعلِ "تَوَلَّوا" والمستثنى لا يكونُ مبهماً، لو قلت: "قام القومُ إلّا رجالاً" لم يَصِحَّ، وإنّما صَحَّ هذا لأنَّ "قليلاً" في الحقيقةِ صفةٌ لمحذوفٍ، ولأنّه قد تَخَصَّص بوصفِه بقولِه: "منهم"، فَقَرُبَ من الاختصاصِ بذلك.
وقرأ أُبَي: "إلاَّ أنْ يكونَ قليلٌ منهم" وهو استثناءٌ منقطعٌ، لأنَّ الكونَ معنىً من المعاني والمستثنى منه جُثَتٌ. وهذه المسألةُ تحتاجُ إلى إيضاحِها لِكَثرة ِفائدتِها. وذلك أنّ العربَ تقول: "قام القومُ إلّا أَنْ يكونَ زيدٌ وزيداً" بالرفع والنصبِ، فالرفعُ على جَعْلِ "كان" تامةً، و"زيدٌ" فاعلٌ، والنصبُ على جَعْلَهَا ناقصةً، و"زيداً" خبرُها واسمُها ضميرُ عائدٌ على البعض المفهومِ من قوةِ الكلامِ، والتقديرُ: قام القوم إلا أَنْ يكونَ هو ـ أي بعضُهم ـ زيداً، والمعنى: قام القوم إلّا كونَ زيدٍ في القائمين، وإذا انتفى كونُه قائماً انتفى قيامُهُ. فلا فرقَ من حيث المعنى بين العبارتين، أعني: "قام القومُ إلّا زيداً" و"قاموا إلّا أنْ يكون زيداً"، إلّا أنْ الأوَّلَ استثناءٌ متصلٌ، والثاني منقطعٌ لِما تقدَّم تقريرُه.

avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 811
نقاط : 2408
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى