فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 249

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 249

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الأحد سبتمبر 30, 2012 10:06 am

فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لَا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)

قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ} أي انْفَصَلَ عن بَيْتِ المَقْدِسِ مُصاحِبًا لهم لقتالِ العَمالِقة، و"فَصَلَ" مَعْنَاهُ خَرَجَ بِهِمْ. فَصَلْتُ الشَّيْءَ فَانْفَصَلَ، أَيْ قَطَعْتُهُ فَانْقَطَعَ. والجنودُ الأعوانُ والأنْصارُ جَمْعَ جُنْدٍ، وفيه معنى الجمع، ورُوي أنَّه قال لقومِه: لا يخرجْ معي رجلٌ بنى بِناءاً لم يَفْرُغْ مِنه، ولا تاجِرٌ مُشتَغِلٌ بالتجارة، ولا متزوِّجٌ بامْرأةٍ لم يَبْنِ عليها، أي يريد ذوي القلوب المتخلصة من علائقها الدنيوية خالصة لله. وقال لهم: لا أبتَغي إلّا الشابَّ النّشيطَ الفارِغَ. فاجْتَمَعَ إليه ممَّن اختاره ثَمانون ألفاً، وقيل: سبعون ألفاً، وكان الوقت قيظاً فسَلَكوا مَفازةً فسألوا نهراً. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ قَالُوا لَهُ إِنَّ الْمِيَاهَ لَا تَحْمِلُنَا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُجْرِيَ لَنَا نَهَرًا، فَقَالَ لَهُمْ طَالُوتُ: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ. وَكَانَ عَدَدُ الْجُنُودِ ثَمَانِينَ أَلْفًا. وَقَالَ وَهْبٌ: لم يتخلف عنه إلَّا ذو عُذْرٍ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ. وَالِابْتِلَاءُ الِاخْتِبَارُ. وَالنَّهَرُ وَالنَّهْرُ لُغَتَانِ. وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السَّعَةِ، وَمِنْهُ النَّهَارُ وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالَ قَتَادَةُ: النَّهَرُ الَّذِي ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِهِ هُوَ نَهَرٌ بَيْنَ الْأُرْدُنِ وَفِلَسْطِينَ. وَمَعْنَى هَذَا الِابْتِلَاءِ أَنَّهُ اخْتِبَارٌ لَهُمْ، فَمَنْ ظَهَرَتْ طَاعَتُهُ فِي تَرْكِ الْمَاءِ عُلِمَ أَنَّهُ مُطِيعٌ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَمَنْ غَلَبَتْهُ شَهْوَتُهُ فِي الْمَاءِ وَعَصَى الْأَمْرَ فَهُوَ فِي الْعِصْيَانِ فِي الشَّدَائِدِ أَحْرَى، فَرُوِيَ أَنَّهُمْ أَتَوُا النَّهَرَ وَقَدْ نَالَهُمْ عَطَشٌ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْعُذُوبَةِ وَالْحُسْنِ، فَلِذَلِكَ رُخِّصَ لِلْمُطِيعِينَ فِي الْغَرْفَةِ لِيَرْتَفِعَ عَنْهُمْ أَذَى الْعَطَشَ بَعْضَ الِارْتِفَاعِ وَلِيَكْسِرُوا نِزَاعَ النَّفْسِ فِي هَذِهِ الْحَالِ. وَبَيَّنَ أَنَّ الْغَرْفَةَ كَافَّةٌ ضَرَرَ الْعَطَشِ عِنْدَ الْحَزَمَةِ الصَّابِرِينَ عَلَى شَظَفِ الْعَيْشِ الَّذِينَ هَمُّهُمْ فِي غَيْرِ الرَّفَاهِيَةِ، كَمَا قَالَ عُرْوَةُ ابنُ الورد:
أَتهزأُ مني أَنْ سَمِنْتَ وأنْ تَرى .....بِجِسمِيَ مسَّ الجوعِ والجوعُ جاهِدُ
لأني امْرْؤٌ عافى إنائيَ شِرْكَة .............وأنتَ امْرُؤ عافى إنائِك واحدُ
أُقسِّم جِسْمِي في جُسُومٍ كثيرةٍ ..... وأَحْسُوا قَرَاحَ الماءِ والماء باردُ
وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ: ((حَسْبُ الْمَرْءِ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ)). وقال بَعْضُ مَنْ يَتَعَاطَى غَوَامِضَ الْمَعَانِي: هَذِهِ الْآيَةُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيَا فَشَبَّهَهَا اللَّهُ بِالنَّهَرِ وَالشَّارِبِ مِنْهُ وَالْمَائِلِ إِلَيْهَا وَالْمُسْتَكْثِرِ مِنْهَا، وَالتَّارِكِ لِشُرْبِهِ بِالْمُنْحَرِفِ عَنْهَا وَالزَّاهِدِ فِيهَا، وَالْمُغْتَرِفِ بِيَدِهِ غَرْفَةً بِالْآخِذِ مِنْهَا قَدْرَ الْحَاجَةِ، وَأَحْوَالُ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ اللَّهِ مُخْتَلِفَةٌ. ومَا أَحْسَنَ هَذَا لَوْلَا مَا فِيهِ مِنَ التَّحْرِيفِ فِي التَّأْوِيلِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الظَّاهِرِ، لَكِنْ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا.
اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّ طَالُوتَ كَانَ نَبِيًّا بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ} وَأَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَلْهَمَهُ، وَجَعَلَ الْإِلْهَامَ ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ لَهُمْ. وَمَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا قَالَ: أَخْبَرَهُ نَبِيُّهُمْ شَمْوِيلُ بِالْوَحْيِ حِينَ أَخْبَرَ طَالُوتُ قَوْمَهُ بِهَذَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ هَذَا الِابْتِلَاءُ لِيَتَمَيَّزَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِإِيقَادِ النَّارِ وَالدُّخُولِ فِيهَا تَجْرِبَةً لِطَاعَتِهِمْ، لَكِنَّهُ حَمَلَ مِزَاحَهُ عَلَى تَخْشِينِ الْأَمْرِ الَّذِي كَلَّفَهُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} شَرِبَ قِيلَ مَعْنَاهُ كَرَعَ. وَمَعْنَى {فَلَيْسَ مِنِّي} أَيْ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِي فِي هَذِهِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُخْرِجْهُمْ بِذَلِكَ عَنِ الْإِيمَانِ. وَلَا مَحَالَةَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ وَالْمُجِدُّ وَالْكَسْلَانُ، وَفِي الْحَدِيثِ ((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)) أَيْ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَا عَلَى طَرِيقَتِنَا وَهَدْيِنَا. قَالَ النابغة الذبياني، لِعُيَيْنَةَ الفزاري:
إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورًا ............. فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي
وكان قد دعاه وقومَه إلى مُقاطعةِ بني أسَدٍ ونقضِ حِلْفِهم فأبى عليهم وتوعَّدَه بهم، وأَرادَ بالفُجورِ نقضَ الحِلفِ. وَهَذَا مَهْيَعٌ (الطريق الواضح الواسع) فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِابْنِهِ إِذَا سَلَكَ غَيْرَ أُسْلُوبِهِ: لَسْتَ مِنِّي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} يُقَالُ: طَعِمْتُ الشَّيْءَ أَيْ ذُقْتُهُ. وَأَطْعَمْتُهُ الْمَاءَ أَيْ أَذَقْتُهُ، وَلَمْ يَقُلْ وَمَنْ لَمْ يَشْرَبْهُ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ إِذَا كَرَّرُوا شَيْئًا أَنْ يُكَرِّرُوهُ بِلَفْظٍ آخَرَ، وَلُغَةُ الْقُرْآنِ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ، فَلَا عِبْرَةَ بِقَدْحِ مَنْ يَقُولُ: لَا يُقَالُ طَعِمْتُ الْمَاءَ. واسْتَدَلَّ العُلَمَاء بِهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ، لِأَنَّ أَدْنَى الذَّوْقِ يَدْخُلُ فِي لَفْظِ الطَّعْمِ، فَإِذَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنِ الطَّعْمِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى وُقُوعِ الشُّرْبِ مِمَّنْ يَتَجَنَّبُ الطَّعْمَ، وَلِهَذِهِ الْمُبَالَغَةِ لَمْ يَأْتِ الْكَلَامُ "وَمَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ".
لَمَّا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ طَعَامٌ وَإِذَا كَانَ طَعَامًا كَانَ قُوتًا لِبَقَائِهِ وَاقْتِيَاتِ الْأَبْدَانِ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الرِّبَا. فلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْمَاءِ بِالْمَاءِ مُتَفَاضِلًا وَإِلَى أَجَلٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: هُوَ مِمَّا يُكَالُ ويوزن، فعلى هذا القول لا يجوزُ عنده التَّفَاضُلِ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ فِيهِ رِبًا، لِأَنَّ عِلَّتَهُ فِي الرِّبَا الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَاءِ مُتَفَاضِلًا وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْأَجَلُ، وَعِلَّتُهُ فِي الرِّبَا أَنْ يَكُونَ مَأْكُولًا جنسًا.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ قالَ إنْ شَرِبَ عبدي فُلَانٌ مِنَ الْفُرَاتِ فَهُوَ حُرٌّ فَلَا يُعْتَقُ إِلَّا أَنْ يَكْرَعَ فِيهِ، وَالْكَرْعُ أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ بِفِيهِ مِنَ النَّهَرِ، فَإِنْ شَرِبَ بِيَدِهِ أَوِ اغْتَرَفَ بِالْإِنَاءِ مِنْهُ لَمْ يُعْتَقْ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْكَرْعِ فِي النَّهَرِ وَبَيْنَ الشُّرْبِ بِالْيَدِ. فإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا كَمَا فَرَّقَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: وَكَرَعَ فِي الْمَاءِ كُرُوعًا إِذَا تَنَاوَلَهُ بِفِيهِ مِنْ مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرَبَ بِكَفَّيْهِ وَلَا بِإِنَاءٍ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى "كَرِعَ" بِكَسْرِ الرَّاءِ يَكْرَعُ كَرَعًا. وَالْكَرَعُ: مَاءُ السَّمَاءِ يُكْرَعُ فِيهِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَذَكَرَ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى بِرْكَةٍ فَجَعَلْنَا نَكْرَعُ فِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تَكْرَعُوا وَلَكِنِ اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ ثُمَّ اشْرَبُوا فِيهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ إِنَاءٌ أَطْيَبَ مِنَ الْيَدِ)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} الِاغْتِرَافُ: الْأَخْذُ مِنَ الشَّيْءِ بِالْيَدِ وَبِآلَةٍ، وَمِنْهُ الْمِغْرَفَةُ، وَالْغَرْفُ مِثْلُ الاغتراف. وقُرِئَ "غَرْفَةً" بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَهِيَ مَصْدَرٌ، وَلَمْ يَقُلْ اغْتِرَافَةً، لِأَنَّ مَعْنَى الْغَرْفِ وَالِاغْتِرَافِ وَاحِدٌ. وَالْغَرْفَةُ المَرَّةَ الواحدةَ. وقُرِئ "غُرْفَةً" بِضَمِّ الْغَيْنِ وَهِيَ الشَّيْءُ الْمُغْتَرَفُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْغَرْفَةُ بِالْكَفِّ الْوَاحِدِ وَالْغُرْفَةِ بِالْكَفَّيْنِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كِلَاهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْأَكُفُّ أَنْظَفُ الْآنِيَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أبي نُواسٍ:
لَا يَدْلِفُونَ إِلَى مَاءٍ بِآنِيَةٍ ................. إِلَّا اغْتِرَافًا مِنَ الْغُدْرَانِ بِالرَّاحِ
الدَّلِيفُ: المَشْيُ الرُّوَيْدُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ شَرِبَ بِيَدِهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنَاءٍ يُرِيدُ بِهِ التَّوَاضُعَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِعَدَدِ أَصَابِعِهِ حَسَنَاتٍ وهو إناءُ عيسى بنِ مَريَمَ عليهما السلام إذا طَرَحَ الْقَدَحَ فَقَالَ أُفٍّ هَذَا مَعَ الدُّنْيَا)). خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْرَبَ عَلَى بُطُونِنَا وَهُوَ الْكَرْعُ، وَنَهَانَا أَنْ نَغْتَرِفَ بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ، وَقَالَ: ((لَا يَلَغُ أَحَدُكُمْ كَمَا يَلَغُ الْكَلْبُ وَلَا يَشْرَبُ بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ كَمَا يَشْرَبُ الْقَوْمُ الَّذِينَ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَشْرَبُ بِاللَّيْلِ فِي إِنَاءٍ حَتَّى يُحَرِّكَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِنَاءً مُخَمَّرًا وَمَنْ شَرِبَ بِيَدِهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنَاءٍ ... )) الْحَدِيثَ كَمَا تَقَدَّمَ،
قوله تعالى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَرِبُوا عَلَى قَدْرِ يَقِينِهِمْ، فَشَرِبَ الْكُفَّارُ شُرْبَ الْهِيمِ (الإبِل التي يُصيبُها داءٌ فلا تُروى من الماء، واحدُها أهيم، والأنثى هيماء) وَشَرِبَ الْعَاصُونَ دُونَ ذَلِكَ، وَانْصَرَفَ مِنَ الْقَوْمِ سِتَّةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا وَبَقِيَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْرَبْ شَيْئًا وَأَخَذَ بَعْضُهُمُ الْغُرْفَةَ، فأمّا مَن شَرِبَ فلم يَروَ، بَل بَرّحَ بِهِ الْعَطَشُ، وَأَمَّا مَنْ تَرَكَ الْمَاءَ فَحَسُنَتْ حَالُهُ وَكَانَ أَجْلَدَ مِمَّنْ أَخَذَ الْغُرْفَةَ. وفي رواية: إنّ الذين شربوا اسْودَّتْ شِفاهُهُم وغَلَبَهُم العطشُ وكان ذلك من قَبيلِ المُعجِزَةِ لذلك النبي ـ عليه السلام.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ والذين معه} يُقَالُ: جَاوَزْتُ الْمَكَانَ مُجَاوَزَةً وَجَوَازًا. وَالْمَجَازُ فِي الْكَلَامِ مَا جَازَ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَنَفَذَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى وَجْهِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: جَازَ مَعَهُ فِي النَّهَرِ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ فِيهِمْ مَنْ شَرِبَ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى جَالُوتَ وَجُنُودِهِ وَكَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ كُلُّهُمْ شَاكُونَ فِي السِّلَاحِ رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَسِتُّمِائَةٍ وَبِضْعَةٌ وَثَمَانُونَ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَالَ الْمُؤْمِنُونَ الْمُوقِنُونَ بِالْبَعْثِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ وَهُمْ عدة أهل بَدْرٍ: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}. وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا جَازَ مَعَهُ النَّهَرَ مَنْ لَمْ يَشْرَبْ جُمْلَةً، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ نُطِيقُ الْعَدُوَّ مَعَ كَثْرَتِهِمْ! وهو إظهارُ ضَعفٍ لا نُكوصٌ، فَقَالَ أُولُو الْعَزْمِ مِنْهُمْ: "كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ". قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَهْلِ بَدْرٍ كَعِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ـ وَفِي رِوَايَةٍ: وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا ـ وَمَا جَازَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ} وَالظَّنُّ هُنَا بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا لَا عِلْمًا، أَيْ قَالَ الَّذِينَ يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ مَعَ طَالُوتَ فَيَلْقَوْنَ اللَّهَ شُهَدَاءَ، فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الْقَتْلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} الْفِئَةُ: الْجَمَاعَةُ
مِنَ النَّاسِ وَالْقِطْعَةُ مِنْهُمْ، مِنْ فَأَوْتُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ وَفَأَيْتُهُ أَيْ قَطَعْتُهُ. وَفِي قَوْلِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: "كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ" الْآيَةَ، تَحْرِيضٌ عَلَى الْقِتَالِ وَاسْتِشْعَارٌ لِلصَّبْرِ وَاقْتِدَاءٌ بِمَنْ صَدَّقَ رَبَّهُ. وهَكَذَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَ. وفي البخاري: وقال أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ. وَفِيهِ مُسْنَدٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((هَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ)). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} وَقَالَ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} وَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} وَقَالَ: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} وَقَالَ: {إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. فَهَذِهِ أَسْبَابُ النَّصْرِ وَشُرُوطُهُ.
قوله تعالى: {فَصَلَ} أي: انفصلَ، فلذلك كان قاصراً. وقيل: إنَّ أصلَه التَّعدِّي إلى مفعولٍ ولكنَّه حُذِفَ، والتقديرُ: فَصَلَ نفسَه، ثمَّ كَثُرَ حَذْفُ هذا المفعولِ حتى صار الفعلُ كالقاصِرِ.
و{بالجنودِ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنَّه حالٌ مِن {طالوت} وبين جملةِ قولِهِ: {فلمَّا فَصَلَ} وبين ما قبلَها من الجملِ جملةٌ محذوفةٌ يَدُلُّ عليها فحوى الكلامِ، تقديرُهُ: فجاءَهم التابوت، فَمَلَّكُوا طالوتَ وتأهَّبوا للخروجِ وهي كقولِهِ: {فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق} يوسف: 45-46.
والجمهورُ على قراءةِ "بنهَر" بفتح الهاء وهي اللغةُ الفصيحةُ، وفيه لغةً أُخرى: تسكينُ الهاء، وبها قرأ مجاهد وأبو السَّمَّال في جميع القرآنِ، وقد تقدّم ذلك، واشتقاقُ هذه اللفظةِ عند قولِهِ تعالى: {مِن تَحْتِهَا الأنهار} البقرة: 25. وأصلُ الياء في {مُبْتَلِيكُمْ} واوٌ لأنّه مِن بَلاَ يَبْلُوا أي: اختبَرَ، وإنَّما قُلِبَتْ لانكسارِ ما قبلَها.
وقوله: {فَلَيْسَ مِنِّي} من: للتبعيضِ، كأنّه يجعلُ أصحابَه بعضَه.
قوله: {إِلاَّ مَنِ اغترف} منصوبٌ على الاستثناء، وفي المستثنى منه وجهان، الصحيحُ أنّه الجُملةُ الأولى وهي: "فَمَنْ شَرِبَ منه فليس مني"، والجملةُ الثانيةُ معترِضَةٌ بين المستثنى والمستثنَى منه، وأصلُها التأخيرُ، وإنَّما قُدِّمَتْ لأنَّها تَدُلُّ عليها الأولى بطريقِ المفهومِ، فإنَّه لَمَّا قال تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} فُهِمَ منه أنَّ مَنْ لم يَشربْ فإنَّه منه، فلمَّا كانَتْ مدلولاً عليها بالمفهومِ صارَ الفصلُ بها كَلا فصل.
والاستثناءُ إذا تعقَّبَ الجملَ وصَلَحَ عَوْدُهُ على كلٍّ منها هل يختصُّ بالأخيرة أم لا؟ خلافٌ مشهورٌ، فإنْ دَلَّ دليلٌ على اختصاصِهِ بإحدى الجملِ عمِلَ به، والآيةُ من هذا القبيلِ، فإنَّ المعْنى يعود إلى عَوْدِه إلى الجملَةِ الأولى لا الثانيةِ.
وقرأ الحَرَمِيَّان وأبو عمرو: "غَرفة" بفتحِ الغين والباقون بضمها. فقيل: هما بمعنى المصدرِ، إلاَّ أنَّهما جاءا على غيرِ الصدرِ كنباتٍ من أَنْبَتَ، ولو جاءَ على الصدرِ لقيل: اغترافاً. وقيل: هما بمعنى المُغْتَرَفِ كالأكل بمعنى المأكول. وقيل: المفتوحُ مصدرٌ قُصِدَ به الدلالة على الوَحْدَةِ فإنَّ "فَعْلَة" يدلُّ على المَرَّة، والمضِمُومُ بمعنى المفعول، فحيث جعلتَهما مصدراً فالمفعولُ محذوفٌ، تقديرُهُ: إلاَّ من اغترف ماءً، وحيث جعلَتهما بمعنى المفعولِ كانا مفعولاً به، فلا يُحتاج إلى تقديرِ مفعولٍ.
ونُقِلَ عن أبي عليٍّ أنّه كان يُرَجِّحُ قراءةَ الضَمِّ لأنّه في قراءةِ الفتحِ يَجْعلُها مصدراً، والمصدرُ لا يُوافِقُ الفعلَ في بنائِهِ، إنّما جاءَ على حَذْفِ الزوائدِ، وجَعْلُها بِمعنى المَفعولِ لا يُحْوِج إلى ذلك فكانَ أرجَح.
قوله: {بِيَدِهِ} يجوزُ أنْ يتعلَّقَ بـ "اغَتَرف" وهو الظاهِرُ. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنّه نعتٌ لـ "غُرْفة"، وهذا على قولِنا بأنّ "غُرفة"، بمعنى المَفعولِ أَظْهَرُ منه على قولِنَا بأنّها مصدرٌ، فإنَّ الظاهرَ من الباءِ على هذا أَنْ تَكونَ ظَرفيّةً، أي غُرفةً كائنةً في يدِهِ.
قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} هذه القراءةُ المشهورةُ، وقرأ عبدُ الله وأُبَيّ "إلا قليلٌ"، وتأويلُهُ أنَّ هذا الكلامَ وإنْ كان مُوجِباً لَفْظاً فهو مَنْفِيٌّ مَعنىً، فإنّه في قوةِ: لم يُطيعوه إلّا قليلٌ منهم، فلذلك جَعَلَهُ تابعاً لِمَا قبله في الإِعراب. قال الزمخشري: وهذا مِنْ مَيْلِهم مع المعنى والإِعراضِ عن اللفظِ جانباً، وهو بابٌ جليلٌ من علمِ العربيةِ، فلمَّا كان معنى "فَشَرِبُوا منه" في معنى "فلم يُطيعوه" حَمَل عليه، ونحوُه قولُ الفرزدق:
وَعَضُّ زمانٍ يابنَ مروانَ لم يَدَعْ ....... من المالِ إلّا مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ
فإنَّ معنى "لم يَدَعْ من المالِ إلا مُسْحَتاً" "لم يَبْقَ من المال إلّا مُسْحَتٌ، فلذلك عَطَفَ عليه "مُجَلَّفُ" بالرفعِ مراعاةً للمعنى. ولا بُدَّ من التعرُّضِ لهذه المسألةِ لعمومِ فائدِتهَا لذلك نقولُ: إذا وَقَع في كلامِهِم استثناءٌ موجَبٌ نحو: "قام القومُ إلّا زيداً" فالمشهورُ وجوبُ النصبِ على الاستثناءِ. وقال بعضُهم: يجوزُ أن يَتْبَعَ ما بعدَ "إلا" ما قبلَها في الإِعراب فتقول: "مررتُ بالقومِ إلّا زيدٍ "بجرّ زيد"، واختلفوا في تابِعِيَّةِ هذا، فعبارةُ بعضِهم أنّه نعتٌ لما قبلَه، ويقولُ: إنه يُنْعَتُ بإلاَّ وما بعدَها مطلقاً سواءً كان متبوعُها معرفةً أم نكرةً مضمراً أم ظاهراً، وهذا خارجٌ عن قياس باب النعتِ. ومنهم مَنْ قال: لا يُنْعَتُ بها إلّا نَكِرةً أو مَعَرّفةً بألـ الجنسيةِ لقربِها من النكرةِ. ومنهم مَنْ قال: قَوْلُ النَّحْوِيين هنا نعتٌ إنّما يَعْنُون به عطفَ البيانِ. ومِن مَجيءِ الإِتباعِ بما بعد "إلاَّ" قولُ عَمْرٍو بن معدي كَرِب:
وكلُّ أَخٍ مفارقُه أخوه ........................ لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفرقدانِ
قولُهُ: {جَاوَزَهُ هُوَ والذين آمَنُواْ} هو: ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ مؤكِّدٌ للضميرِ المستكنِّ في "جاوَزَ". و"والذين" يَحْتَمِلُ وجهين، أظهرُهُما: أنّه عطفٌ على الضميرِ المستكنِّ في "جاوَزَ" لوجودِ الشرطِ، وهو توكيدُ المعطوفِ عليه بالضمير المنفصلِ. والثاني: أنْ تكونَ الواوُ للحالِ، قالوا: ويَلْزَمُ من الحالِ أن يكونوا جاوزوا معه، وهذا القائلُ يجعلُ "الذين" مبتدأ والخبرَ {قالوا: لا طاقة} فصارَ المعنى: "فلمَّا جاوزه والحالُ أنَّ الذين آمنوا قالوا هذه المقالة" والمعنى ليس عليه.
ويجوز إدغامُ هاء "جاوزه" في هاء "هو"، ولا يُعْتَدُّ بفصلِ صلةِ الهاءِ لأنّها ضعيفةٌ، وإنْ كان بعضُهم استضعَفَ الإِدغامَ، قال: إلّا أَنْ تُخْتَلَس "الهاءُ" يعني فلا يبقى فاصلٌ. وهي قراءةُ أبي عَمْرو. وأَدْغَمَ أيضاً واوَ "هو" في واو العطف بخلافٍ عنه، فوجهُ الإِدغام ظاهرٌ لالتقاءِ مِثْلين بشروطِهِما. ومَنْ أظهرَ وهو ابنُ مجاهد وأصحابُهُ قال: "لأنَّ الواو إذا أُدْغِمَت سَكَنَتْ، وإذا سَكَنَت صَدَقَ عليها أنّها واوٌ ساكنةٌ قبلَها ضمة، فصارَتْ نظيرَ: {آمنوا وكانوا} فكما لا يُدْغم ذاك لا يدغم هذا". وهذه العلةُ فاسدةٌ لوجهين، أحدُهما: أنها ما صارَتْ مثلَ آمنوا وكانوا إلّا بعد الإِدغام، فكيف يُقال ذلك؟ وأيضاً فإنّهم أدغموا: {يَأْتِيَ يَوْمٌ} البقرة: 254. وهو نظيرُ: {فِي يَوْمٍ} إبراهيم: 18. و{الذي يُوَسْوِسُ} الناس: 4. بعينِ ما عَلَّلوا به.
وشرطُ هذا الإِدغامِ في هذا الحرفِ عند أبي عَمْرٍو ضَمُّ الهاءِ كهذه الآيةِ، ومثله: {هُوَ والملائكة}. آل عمران: 18. {هُوَ وَجُنُودُهُ} القصص: 39، فلو سَكَنَتِ الهاءُ امتنع الإِدغامُ نحو: {وهو وليُّهم}. الأنعام: 127. ولو جَرى فيه الخلافُ أيضاً لم يكن بعيداً، فلَه أُسوةٌ بقوله: {خُذِ العفو وَأْمُرْ}. الأعراف: 199. بل أَوْلى لأنَّ سكونَ هذا عارضٌ بخلافِ: {العفو وَأْمُرْ}.
قوله: {لاَ طَاقَةَ لَنَا} لنا: هو خبرُ "لا" فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. ولا يجوزُ أنْ يتعلَّقَ بـ "طاقة"، وكذلك ما بعدَه من قولِهِ: "اليوم" و"بجالوت" لأنّه حينئذٍ يَصير مُطَوَّلاً، والمُطوَّلُ ينصبُ منوناً، وهذا كما تراه مبنيٌّ على الفتح، بل "اليوم" و"بجالوت" متعلِّقان بالاستقرارِ الذي تعلَّق به "لنا". وأجازَ أبو البَقاءِ أنْ يَكونَ "بجالوت" هو خبرَ "لا"، و"لنا" حينئذٍ: إما تبيينٌ أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنَّه صَفةٌ لِـ "طاقةَ". والطاقَةُ: القدرةُ وعينُها واوٌ، لأنَّها مِن الطَّوْقِ وهو القدرةُ، وهي مصدرٌ على حذفِ الزوائِد، فإنَّها من "أَطَاق" ونظيرُها: أجابَ جابةً، وأغارَ غارةً، وأطاع طاعةً.
و"جالوت" اسمٌ أعجميٌّ ممنوعُ الصرفِ، لا اشتقاقَ له، وليس هو "فَعَلوتًا" من جالَ يَجُولُ كما تقدَّم في طالوت، ومثلُهما داود.
قوله: {كَم مِّن فِئَةٍ} كم: خَبريّةٌ فإنَّ معناها التكثيرُ، ويَدلُّ على ذلك قراءة أُبَيّ: "وكائنٌ" وهي للتكثير ومحلُّها الرفعُ بالابتداءِ و"من فئةٍ" تمييزُها، و"مِنْ" زائدةٌ فيه. وأكثرُ ما يَجيءُ مميِّزها ومميِّز "كائن" مجروراً بمِنْ، ولهذا جاء التنزيلُ على ذلك، وقد تُحْذَفُ "مِنْ" فَيُجَرُّ مميِّزها بالإِضافة لا بمِنْ مقدرةً على الصحيح، وقد يُنْصَبُ حَمْلاً على مميِّز "كم". الاستفهامية، كما أنَّه قد يُجَرُّ الاستفهاميةِ حمْلاً عليها وذلك بشروطٍ مذكورةٍ في النحو. ومِنْ مجيءِ مميِّزٍ "كائن" منصوباً قولُ الشاعر:
اطرُدِ اليأسَ بالرجاءِ فكائِنْ .................. آلماً حُمَّ يُسْرُهُ بعدَ عُسْرِ
وأجازوا أنْ يكونَ "من فئةٍ" في محلِّ رفعٍ صفةً لـ "كم" فيَتعلَّقَ بمحذوفٍ. و"غَلَبَتْ" هذه الجملةُ هي خبرُ "كم" والتقديرُ: كثيرٌ من الفئاتِ القليلةِ غالبةٌ الفئاتِ الكثيرةَ.
وفي "فئةٍ" قولان أحدُهما: أنّها مِن فاءَ يَفِيءُ، أي: رَجَعَ، فَحُذِفَتْ عينُها ووزنُها "فِلَة". والثاني: أنَّها مِن فَأْوَتُّ رأسَهُ أي: كَسَرْتُهُ، فحُذِفَتْ لامُها ووزنُها "فِعَة" كمِئَةٍ، إلاَّ أنَّ لامَ مئةٍ ياءٌ ولامَ هذه واوٌ، ومعناها على كلٍّ من الاشتقاقيْن صحيحٌ، فإنَّ الجماعَةَ من الناس يَرْجِعُ بعضُهم إلى بعضٍ، وهم أيضاً قطعةٌ من الناسِ كقِطَعِ الرأسِ الكسَّرة.
قوله: {بِإِذْنِ الله} فيه وجهان، أظهرُهما: أنّه حالٌ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، والتقدير: ملتبسين بتيسيرِ اللهِ لهم. والثاني: أنَّ الباءَ للتعدِيَةِ ومجرورُها مفعولٌ به في المعنى، ولهذا قال أبو البقاء: "وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها مفعولاً به".
وقوله: {والله مَعَ الصابرين} مبتدأٌ وخبرٌ، وتَحْتَمِل وجهيْن، أحدُهما: أنْ يَكونَ محلُّها النصبَ على أنّها مِنْ مَقولِهم. والثاني: أنّها لا محلَّ لها من الإِعرابِ، على أنَّها استئنافٌ أَخْبَرَ اللَّهُ تعالى بها.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى