فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 58

اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 58

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الثلاثاء أكتوبر 02, 2012 12:26 pm

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)

هم بنو إسرائيل دائماً على تضييع ما كانوا يُؤْمَرون به: قالةٌ أُوصُوا بحفظها بَدّلوها، وحالةٌ من السجودِ أُمِروا بأنْ يَدخلوا عليها حَوَّلوها، وعَرَّضوا أنفسَهم لِسهام الغيب. فلم يُطيقوا الإصابة بقَرْعِها، وتعرّضوا للعقوبة فلم يثبتوا عند صدمات وَقْعِها.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ} هذِهِ الْقَرْيَةَ: أَيْ الْمَدِينَةَ، وهِيَ عند الْجُمْهُورُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ. وَقِيلَ: أَرِيحَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وهي قرية الجبّارين كان فيها قوم من بقيّةِ عادٍ يُقالُ لهم العَمالِقةُ. وقَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: كَانَتْ قَاعِدَةَ وَمَسْكَنَ مُلُوكٍ. وقال ابْنُ كَيْسَانَ الشَّامُ. وهي الرَّمْلَةُ وَالْأُرْدُنُّ وَفِلَسْطِينُ وَتَدْمُرُ عند الضَّحَّاكُ. وَهَذِهِ نِعْمَةٌ أُخْرَى. وَهِيَ أَنَّهُ أَبَاحَ لهم دخولَ البلدةِ وأزالَ عنهم التيهَ.
قوله تعالى: {فَكُلُوا} إباحة. و{رَغَداً} كَثِيرًا وَاسِعًا وَكَانَتْ أَرْضًا مُبَارَكَةً عَظِيمَةَ الْغَلَّةِ فَلِذَلِكَ قَالَ: "رَغَداً".
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً} تَقَدَّمَ مَعْنَى السُّجُودِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ. والباب الذي أُمروا بدخوله هُوَ بَابٌ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِـ "بَابِ حِطَّةٍ" عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: بَابُ الْقُبَّةِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي إِلَيْهَا مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ وَ"سُجَّداً" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: منحنين ركوعًا. وقيل متواضعين خُشوعًا لا على هيئة مُتَعَيِّنَةٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهم ـ أَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْهُ قِيلَ لَهُمْ قُولُوا مَغْفِرَةً، أَيْ قُولُوا شَيْئًا يَحُطُّ ذُنُوبَكُمْ كَمَا يُقَالُ قُلْ خَيْرًا. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: فِي الْمُجْمَلِ "حِطَّةٌ" كَلِمَةٌ أُمِرَ بِهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَوْ قَالُوهَا لَحُطَّتْ أَوْزَارُهُمْ. وَقَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ أَيْضًا فِي الصِّحَاحِ. ورَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ)). وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ: ((فَبَدَّلُوا وَقَالُوا حِطَّةٌ حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ)). وفِي غَيْرِ الصحيحين: ((حِنطةٌ في شعر)). وقيل: قالوا هطاسمهاثا. وَهِيَ لَفْظَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ تَفْسِيرُهَا: حِنْطَةٌ حَمْرَاءُ، حَكَاهَا ابْنُ قُتَيْبَةَ وَحَكَاهُ الْهَرَوِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ وَمُجَاهِدٍ. وَكَانَ قَصْدُهُمْ خِلَافَ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَعَصَوْا وَتَمَرَّدُوا وَاسْتَهْزَؤوا فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ بِالرِّجْزِ وَهُوَ الْعَذَابُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ طَاعُونًا أَهْلَكَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا. وَرُوِيَ أَنَّ الْبَابَ جُعِلَ قَصِيرًا لِيَدْخُلُوهُ رُكَّعًا فَدَخَلُوهُ مُتَوَرِّكِينَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. واسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ تَبْدِيلَ الْأَقْوَالِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الشَّرِيعَةِ لَا يَخْلُو أَنْ يَقَعَ التَّعَبُّدُ بِلَفْظِهَا أَوْ بِمَعْنَاهَا فَإِنْ كَانَ التَّعَبُّدُ وَقَعَ بِلَفْظِهَا فَلَا يَجُوزُ تَبْدِيلُهَا لِذَمِّ اللَّهِ تَعَالَى مَنْ بَدَّلَ مَا أَمَرَهُ بِقَوْلِهِ. وَإِنْ وَقَعَ بِمَعْنَاهَا جَازَ تَبْدِيلُهَا بِمَا يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَلَا يَجُوزُ تَبْدِيلُهَا بِمَا يَخْرُجُ عَنْهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَالِمِ بِمَوَاقِعِ الْخِطَابِ الْبَصِيرِ بِآحَادِ كَلِمَاتِهِ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لَكِنْ بِشَرْطِ الْمُطَابَقَةِ لِلْمَعْنَى بكمال وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَمَنَعَ ذَلِكَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ ابْنُ سِيرِينَ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: انْقُصْ مِنَ الْحَدِيثِ إِنْ شِئْتَ وَلَا تَزِدْ فِيهِ. وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يُشَدِّدُ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التَّاءِ وَالْيَاءِ وَنَحْوِ هَذَا. وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ لَا يَرَوْنَ إِبْدَالَ اللَّفْظِ وَلَا تَغْيِيرَهُ حَتَّى إِنَّهُمْ يَسْمَعُونَ مَلْحُونًا وَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلَا يُغَيِّرُونَهُ. وَرَوَى أَبُو مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ سَمِعَ حَدِيثًا فَحَدَّثَ بِهِ كَمَا سَمِعَ فَقَدْ سَلِمَ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ. وَكَذَا الْخِلَافُ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْتَدُّ بِالْمَعْنَى وَلَا يَعْتَدُّ بِاللَّفْظِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ وَلَا يُفَارِقُ اللَّفْظَ. وَذَلِكَ هُوَ الْأَحْوَطُ فِي الدِّينِ وَالْأَتْقَى وَالْأَوْلَى وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ وَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ هُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ سِيرَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْوُونَ الْوَقَائِعَ الْمُتَّحِدَةَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَصْرِفُونَ عِنَايَتَهُمْ لِلْمَعَانِي وَلَمْ يَلْتَزِمُوا التَّكْرَارَ عَلَى الْأَحَادِيثِ وَلَا كَتْبِهَا وَرُوِيَ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ كُلُّ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقَلْنَاهُ إِلَيْكُمْ حَسْبُكُمُ الْمَعْنَى. وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى: لَقِيتُ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي اللَّفْظِ وَاجْتَمَعُوا فِي الْمَعْنَى. وَكَانَ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ يَأْتُونَ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعَانِي وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا أَصَبْتَ الْمَعْنَى أَجْزَأَكَ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِذَا قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أُحَدِّثُكُمْ كَمَا سَمِعْتُ فَلَا تُصَدِّقُونِي إِنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى. وَقَالَ وَكِيعٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ نَقْلِ الشَّرْعِ لِلْعَجَمِ بِلِسَانِهِمْ وَتَرْجَمَتِهِ لَهُمْ وَذَلِكَ هُوَ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى. وَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فِيمَا قَصَّ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَلَفَ فَقَصَّ قَصَصًا ذَكَرَ بَعْضَهَا فِي مَوَاضِعَ بألفاظ مختلقة وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَنَقَلَهَا مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ إِلَى اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهَا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ والحذف والإلغاء وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَإِذَا جَازَ إِبْدَالُ الْعَرَبِيَّةِ بِالْعَجَمِيَّةِ فَلَأَنْ يَجُوزُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْلَى. احْتَجَّ بِهَذَا الْمَعْنَى الْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْبَابِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا كَمَا سَمِعَهَا) وَذِكْرُ الْحَدِيثِ. وَمَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ عِنْدَ مَضْجَعِهِ فِي دُعَاءٍ عَلَّمَهُ ((آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)). فَقَالَ الرَّجُلُ: "وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ"، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)). قَالُوا: أَفَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُسَوِّغْ لِمَنْ عَلَّمَهُ الدُّعَاءَ مُخَالَفَةَ اللَّفْظِ وَقَالَ: ((فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا)). قِيلَ لَهُمْ: أَمَّا قَوْلُهُ: ((فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا)). فَالْمُرَادُ حُكْمُهَا لَا لَفْظُهَا لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ. وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخِطَابِ حُكْمُهُ قَوْلُهُ: ((فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ)). ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ قَدْ نُقِلَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَلْفَاظِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ لَكِنِ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ نُقِلَ بألفاظ مختلفة وذلك أدل دليل عَلَى الْجَوَازِ. وَأَمَّا رَدُّهُ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ الرَّجُلَ مِنْ قَوْلِهِ: "وَرَسُولِكَ إِلَى قَوْلِهِ وَنَبِيِّكَ" لِأَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْدَحُ وَلِكُلِّ نَعْتٍ مِنْ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ مَوْضِعٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ اسْمَ الرَّسُولِ يَقَعُ عَلَى الْكَافَّةِ وَاسْمُ النَّبِيِّ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ! وَإِنَّمَا فُضِّلَ الْمُرْسَلُونَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ. فَلَمَّا قَالَ: ((وَنَبِيِّكَ)) جَاءَ بِالنَّعْتِ الْأَمْدَحِ ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ ((الَّذِي أَرْسَلْتَ)). وَأَيْضًا فَإِنَّ نَقْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَرَسُولِكَ إِلَى قَوْلِهِ وَنَبِيِّكَ) لِيَجْمَعَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ. وَمُسْتَقْبَحٌ فِي الْكَلَامِ أَنْ تَقُولَ: هَذَا رَسُولُ فُلَانٍ الَّذِي أَرْسَلَهُ وَهَذَا قَتِيلُ زَيْدٍ الَّذِي قَتَلَهُ لِأَنَّكَ تَجْتَزِئُ بِقَوْلِكَ: رَسُولُ فُلَانٍ وَقَتِيلُ فلان عن إعادة المرسل والقاتل إِذْ كُنْتَ لَا تُفِيدُ بِهِ إِلَّا الْمَعْنَى الْأَوَّلَ. وَإِنَّمَا يَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ: هَذَا رَسُولُ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى عَمْرٍو وَهَذَا قَتِيلُ زَيْدٍ الَّذِي قَتَلَهُ بِالْأَمْسِ أَوْ فِي وَقْعَةِ كَذَا. وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا جَازَ لِلرَّاوِي الْأَوَّلِ تَغْيِيرُ ألفاظ الرسول عليه الصلاةُ والسلام جازَ للثاني تغييرُ أَلْفَاظِ الْأَوَّلِ وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى طَمْسِ الْحَدِيثِ بِالْكُلِّيَّةِ لِدِقَّةِ الْفُرُوقِ وَخَفَائِهَا. قِيلَ لَهُ: الْجَوَازُ مَشْرُوطٌ بِالْمُطَابَقَةِ وَالْمُسَاوَاةِ كَمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ عُدِمَتْ لَمْ يَجُزْ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِالنَّظَرِ إِلَى عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِتَسَاوِيهِمْ فِي مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ الْجِبِلِّيَّةِ الذَّوْقِيَّةِ وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَا نَشُكُّ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِذِ الطِّبَاعُ قَدْ تَغَيَّرَتْ وَالْفُهُومُ قَدْ تَبَايَنَتْ وَالْعَوَائِدُ قَدِ اخْتَلَفَتْ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاء: لَقَدْ تَعَاجَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّ الْجَوَازَ إِذَا كَانَ مَشْرُوطًا بِالْمُطَابَقَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَزَمَنِ غَيْرِهِمْ وَلِهَذَا لَمْ يُفَصِّلْ أَحَدٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَلَا أَهْلِ الْحَدِيثِ هَذَا التَّفْصِيلَ. نَعَمْ لَوْ قَالَ: الْمُطَابَقَةُ فِي زَمَنِهِ أَبْعَدُ كَانَ أَقْرَبَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ} خَطَايَا جَمْعُ خَطِيئَةٍ بِالْهَمْزَةِ
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: خَطَايَا جمع خطيَّةٍ، كَمَا تَقُولُ: هَدِيَّةً وَهَدَايَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} أَيْ فِي إِحْسَانِ مَنْ لَمْ يَعْبُدِ الْعِجْلَ. وَيُقَالُ: يَغْفِرُ خَطَايَا مَنْ رَفَعَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى لِلْغَدِ وَسَنَزِيدُ فِي إِحْسَانِ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ لِلْغَدِ. وَيُقَالُ: يَغْفِرُ خَطَايَا مَنْ هُوَ عَاصٍ وَسَيَزِيدُ فِي إِحْسَانِ مَنْ هُوَ مُحْسِنٌ أَيْ نَزِيدُهُمْ إِحْسَانًا عَلَى الْإِحْسَانِ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَهُمْ. وَالْمُحْسِنُ مَنْ صَحَّحَ عَقْدَ تَوْحِيدِهِ وَأَحْسَنَ سِيَاسَةَ نَفْسِهِ وَأَقْبَلَ عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَكَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ. وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: صدقت.) وذكر الحديث. خرجه مسلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ} قُلْنَا: حُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنْها لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الدَّالِ بَعْدَهَا وَالْأَلِفُ الَّتِي يُبْتَدَأُ بِهَا قَبْلَ الدَّالِ أَلِفُ وَصْلٍ لِأَنَّهُ مِنْ يَدْخُلُ. {هذه القرية} هذه: منصوبةٌ الظرفيّة أو على المفعولِ به، وذاك أنَّ كلَّ ظَرْفِ مكانٍ مختصٍّ لا يتَعَدَّى إليه الفعلُ إلا بـ "في" تقول: صَلَّيْتُ في البيتِ، ولا تقولُ: صَلَّيْتُ البيتَ؛ إلّا ما اسْتُثْني. ومِنْ جملةِ ما اسْتُثْنِي "دَخَلَ" مع كلِّ مكانٍ مختصٍّ، نحو: دَخَلْتُ البيتَ والسوقَ، وهو مذهبُ سيبويهِ. وقال الأخفشُ: الواقعُ بعد "دَخَلْتُ" مفعولٌ به كالواقعِ بعد هَدَمْتُ في قولِك: هَدَمْتُ البيتَ فلو جاء "دَخَلَ" مع غيرِ الظرفِ تَعَدَّى بـ "في"، نحو: دَخَلْتُ في الأمر، ولا تقولُ: دَخَلْتُ الأمرَ، وكذا لو جاءَ الظرفُ المختصُّ مع غيرِ "دَخَلَ" تَعَدَّى بـ "في" إلّا ما شَذَّ كقولِه:
جَزَى اللهُ ربُّ الناسِ خيرَ جزائِه .......... رفيقَيْن قالا خَيْمَتَيْ أمِّ مَعْبَدِ
وكان حقّه أن يقول: "قالا" في خيمةِ أمِّ مَعْبَد، وقد أجمع أصحابُ السِيَرِ والتَّراجُمِ على أنّ هذا البيتَ هو من قصيدةٍ لشاعرٍ من الجِنِّ قالها لمّا هاجر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مكّةَ إلى المدينة ومرّا في طريقِهِما على خيمةٍ لصحابيَّةٍ جليلةٍ من خُزاعةَ تُدعى (أمُّ مَعْبَد) ـ واسمُها أَسْمَاءَ بنتَ يَزِيدَ بن السَّكَنِ بنتِ عَمِّ مُعَاذِ بن جَبَلٍ، أسلمت بعد فحَسُنَ إسلامُها وشَهِدتْ معركةَ اليرموكِ فقَتَلَتْ تِسْعَةً مِنَ الرُّومِ بِعَمُودِ فُسْطَاطِهَا.ـ فَسَأَلهَا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَريهُ مِنْهَا فَلَمْ يُصِيبْ عِنْدَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَاةٍ فِي كِسْرِ الْخَيْمَةِ، فَقَالَ:" مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟" قَالَتْ: شَاةٌ خَلْفَهَا الْجَهْدُ مِنَ الْغَنَمِ قَالَ: ((هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟)) قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: ((أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلُبَهَا؟)) قَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي نَعَمْ إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا، فَدَعَا بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ضَرْعَهَا وَسَمَّى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَدَعَا لَهَا فِي شَاتِهَا فَتَفَاجَتْ عَلَيْهِ، وَدَرَّتْ وَاجْتَرَّتْ وَدَعَا بِإِنَاءٍ يَرْبِضُ الرَّهْطَ، فَحَلَبَ فِيهِ فَسَقَاهَا حَتَّى رَوِيَتْ، وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوَوْا، ثُمَّ شَرِبَ آخِرَهُمْ، ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا، حَتَّى مَلَأَ الْإِنَاءَ ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا فَبَايَعَهَا وَارْتَحَلُوا عَنْهَا، فَجَاءَ زَوْجُهَا يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا، فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَعْبَدٍ اللَّبَنَ عَجِبَ وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا يَا أُمَّ مَعْبَدٍ وَالشَّاةُ عَازِبٌ وَلَا حَلُوبَ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ: مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صِفِيهِ لِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ فوصفته له، فقَالَ أَبُو مَعْبَدٍ: هُوَ وَاللهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ لَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذَكَرَهُ بِمَكَّةَ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، فَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكَّةَ عَالِيًا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ، وَلَا يَدْرُونَ مَنْ صَاحِبُهُ وَهُوَ يَقُولُ:
جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ .......... رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلَاهَا بِالْهُدَى وَاهْتَدَتْ بِهِ ....... فَقَدْ فَازَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ
فَيَا لِقُصَيٍّ مَا زَوَى الله عَنْكُمُ ........... بِهِ مِنْ فَعَالٍ لَا تُجَازَى وَسُؤْدَدِ
لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَقَامُ فَتَاتِهِمْ ............... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ
سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا .......... فَإِنَّكُمْ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ
دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ ............. عَلَيْهِ صَرِيحًا ضَرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِدِ
فَغَادَرَهَا رَهْنًا لَدَيْهَا لِحَالِبٍ ............... يُرَدِّدُهَا فِي مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدٍ
فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ شَاعِرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّبَ وَهُوَ يُجَاوِبُ الْهَاتِفَ وَهُوَ يَقُولُ:
لَقَدْ خَابَ قَوْمٌ زَالَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُمْ ........ وَقُدِّسَ مَنْ يَسْرِي إِلَيْهِ وَيَغْتَدِي
تَرَحَّلَ عَنْ قَوْمٍ فَضَلَّتْ عُقُولُهُمْ ............ وَحَلَّ عَلَى قَوْمٍ بِنُورٍ مُجَدَّدِ
هَدَاهُمْ بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ رَبُّهُمْ .......... وَأَرْشَدَهُمْ مَنْ يَتْبَعِ الْحَقَّ يُرْشَدِ
وَهَلْ يَسْتَوِي ضَلَالُ قَوْمٍ تَسَفَّهُوا ........... عِمَايَتَهُمْ هَادٍ بِهِ كُلَّ مُهْتَدِ
وَقَدْ نَزَلَتْ مِنْهُمْ عَلَى أَهْلِ يَثْرِبَ ..... رِكَابُ هُدًى حَلَّتْ عَلَيْهِمْ بِأَسْعُدِ
نَبِيٌّ يَرَى مَا لَا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ ....... وَيَتْلُو كِتَابَ اللهِ فِي كُلِّ مَشْهَدِ
وَإِنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مَقَالَةَ غَائِبٍ .. فَتَصْدِيقُهَا فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ
لِيَهْنِ أَبَا بَكْرٍ سَعَادَةُ جَدِّهِ ............... بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدِ اللهُ يُسْعَدِ
و"القريةَ" نعتٌ لـ "هذه"، أو عطفُ بيانٍ، والقريةُ مشتقةٌ من قَرَيْتُ أي: جَمَعْتُ، تقولُ: قَرَيْتُ الماءَ في الحوضِ أي: جَمَعْتُه، واسمُ ذلك الماء: قِرَىً بكسر القاف. والمِقْراةُ: الجَفْنَةُ العظيمةُ، وجمعُها مَقارٍ، قال الشاعر: ... عِظام المَقاري ضَيْفُهُمْ لا يُفَزَّعُ
وَوَاحِدُ الْمَقَارِي مِقْرَاةٌ وَكُلُّهُ بِمَعْنَى الْجَمْعِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ. وَالْقِرْيَةُ (بِكَسْرِ الْقَافِ) لُغَةُ الْيَمَنِ. وَالْقَرَا لِلظَّهْرِ وَمِنْهُ قَوْلُه حميدٍ الأَرقط يصف الحمار:
عَيْرانَ مِيفاءٍ على الرُّزُونِ .........................حَدَّ الرَّبِيعِ أَرِنٍ أَرُونِ
لا خَطِلِ الرَّجْعِ ولا قَرُونِ ...................... لاحِقِ بَطْنٍ بِقَراً سَمِينِ
اللاحق: الضامرُ، وصفه بضمورِ البطنِ ثمّ نفى أن تَكون من هزال.
والقَرْيان: اسمٌ لمُجْتَمَعِ الماءِ، والقريةُ في الأصلِ اسمٌ للمكانِ الذي يَجْتمع فيه القومُ، وقد يُطْلَقُ عليهم مجازاً، وقوله تعالى: "واسألِ القريةَ" يَحْتَمِلُ الوَجْهين. فهي اسمٌ للموضعِ وللناسِ جميعاً، ويُسْتعملُ في كلِّ واحدٍ منهما. فقد سُميتْ قريةً لأنّها تَجمَعُ أَهلَها، وسمي الحوض مِقراة لاجتماع الماء فيه.
و{رَغَداً} نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ أكلا رغد. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
قولُه: {البابَ سُجَّداً} سُجَّدا: حالٌ من فاعلِ "ادْخُلوا"، وهو جمع ساجدِ. وهو أَبْلَغُ مِن السجودِ فجَمْعَه على فُعَّل فيهِ من المبالغةِ ما ليسَ في جَمْعِهِ على فُعُول. وأصلُ "باب" بَوَبَ لقولِهم أَبْواب، وقد
يُجْمَعُ على أَبْوِبة لازدواجِ الكلامِ، قال الشاعر ابنُ مُقبلٍ:
هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ ولاَّجُ أبوبةٍ .................. يَخْلِطُ بالبِرِّ منه الجِدَّ والِّلْينا
وَتَبَوَّبْتُ بَوَّابًا اتَّخَذْتُهُ وَأَبْوَابٌ مبوبة كما قالوا: أصنافٌ مصنفة. وهذا شيءٌ مِنْ بَابَتِكَ أَيْ يَصْلُحُ لَكَ.
قوله تعالى: "حِطَّة" قُرِئ بالرفع والنصب، فالرفعُ على أنّه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، أي: مسألتُنا حِطَّةٌ أو أمرُك حِطَّةٌ، والأصلُ النصبُ، بمعنى حُطَّ عنّا ذنوبَنا حِطَّةً، وإنّما رُفِعَتْ لتعطِيَ معنى الثباتِ، كقول الشاعر:
شَكا إليَّ جَمَلي طُولَ السُّرَى .............. صَبْرٌ جميلٌ فكِلانا مُبْتَلَى
والأصلُ: صَبْراً عليَّ، اصبرْ صبراً، فَجَعَلَه من بابِ {سَلاَمٌ عَلَيْكُم} الرعد: 24، وتكون الجملةُ في محلِّ نصبٍ بالقولِ، وقيل: أُمِروا أنْ يقولوها مرفوعةً على هذا اللفظِ يعني على الحكايةِ، فعلى هذا تكونُ هي وحدَها من غيرِ تقديرِ شيءٍ مَعَها في مَحلِّ نصبٍ بالقول، وإنّما مَنَعَ النصبَ حركةُ الحكايةِ. وقيل أُمِروا أن يقولوا لا إله إلا اللهُ، لتُحَطَّ بها ذنوبهُم ، فعلى هذه الأقوالِ تقتضي النصبَ، يعني أنّه إذا كان المعنى على أنَّ المأمورَ به لا يتعيَّنُ أنْ يكونَ بهذا اللفظِ الخاصِّ، بل بأيِّ شيءٍ يَقتضي حَطَّ الخطيئةِ فكان ينبغي أن ينتصبَ ما بعد القولِ مفعولاً به نحو: قُلْ لزيدٍ خيراً، المعنى: قل له ما هو مِن جِنْسِ الخُيور.
وقيلَ الرفعُ أَوْلى لِما حُكي عن العَرَبِ في مَعنى بَدَّل، فيقال: بَدَّلْتُهُ أي غَيَّرْتُهُ ولم أُزِلْ عينَه، وأَبْدَلْتُه أَزَلْتُ عينَه وشخصَه كقوله:
.......................................... عَزْلَ الأميرِ للأميرِ المُبْدَلِ
وقال تعالى: {ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ} يونس: 15. ولحديثِ ابنِ مسعودٍ "قالوا حِنْطة" تفسيرٌ على الرفع يعني أنَّ الله تعالى قال: "فبدَّل" الذي يقتضي التغييرَ لا زوالَ العَيْنِ، وهذا المعنى يَقْتضي الرفعَ لا النصبَ.
وقرأ ابنُ أبي عبلة "حِطَّةً" بالنصب، وفيها وجهان: أحدُهما: أنّها مصدرٌ نائبٌ عن الفعلِ، نحو: ضَرْباً زيداً، والثاني: أن تكونَ منصوبةً بالقولِ أي: قولوا هذا اللفظَ بعينِه، كما تقدَّم في وجهِ الرفعِ، فهي على الأوَّلِ منصوبةٌ بالفعلِ المقدِّرِ، وذلك الفعلُ المقدَّرُ ومنصوبُه في محلِّ نصبٍ بالقولِ.
والحِطَّةُ: اسمٌ للهيئةِ من الحَطِّ كالجِلْسَةِ والقِعْدَة، وقيل: هي لفظةٌ أُمِروا بها ولا ندري مَعْناها، وقيل: هي التوبةُ، وأنشد:
فاز بالحِطَّة التي جَعَلَ اللـ ................... ـهُ بها ذنبَ عبدهِ مَغْفُورا
قوله: {نَغْفِرْ} هو مجزومٌ في جوابِ الأمر، وقد تقدَّم الخلافُ: هل الجازمُ نفسُ الجملةِ أو شرطٌ مقدَّرٌ؟ أي: إنْ يقولوا نَغْفِرْ. وقُرئ "نَغْفِرْ" بالنونِ وهو جارٍ على ما قبلَه مِن قولِه "وإذ قلنا" وقرئ "تُغْفَرْ" مبنيًا للمفعول بالتاءِ والياء.
وقُرئ "يَغْفِرْ" مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، وهي في معنى القراءةِ الأولى، إلا أنَّ فيه التفاتاً. و"لكم" متعلق بـ "نَغْفِرْ". وأدغم أبو عمرو الراءَ في اللام، والنحاةُ يَسْتَضْعِفُونها، قالوا: لأنَّ الراءَ حرفُ تكريرٍ فهي أقوى من اللامِ، والقاعدةُ أنَّ الأضعفَ يُدْغَمُ في الأقوى من غيرِ عَكْسٍ.
"خَطَايَاكُمْ" إمّا منصوبٌ بالفعل قبلَه، أو مرفوعٌ حَسْبما تقدَّم من القراءاتِ، وفيها أربعةُ أقوال، أحدُها: وهو قولُ الخليل بن أحمد الفراهيدي ـ رحمه الله ـ أن أصلَها: خطايِئٌ، بياء بعد الألف ثم همزةٍ، لأنها جمعُ خطيئة مثل: صحيفة وصحايف، فلو تُرِكت على حالِها لوجَبَ قلبُ الياءِ همزةً لأنَّ مَدَّةَ فعايل يُفْعَلُ بها كذا، على ما تقرَّر في علمِ التصريف، فَفَرَّ من ذلك لئلا يَجْتَمع همزتان بأنْ قَلَبَ فَقَدَّم اللامَ وأَخَّر عنها المَدَّة فصارت: خَطائِي، فاسْتُثْقِلَتْ على حرفٍ ثقيلٍ في نفسِه وبعده ياءٌ من جِنْسِ الكسرةِ، فَقَلبوا الكسرةَ فتحةً، فتحرَّك حرفُ العلَّةِ وانفتحَ ما قبلَه فَقُلِبَ ألفاً، فصارتْ: خطاءَا، بهمزةٍ بين ألفين، فاسْتُثْقِل ذلك فإنَّ الهمزةَ تشبه الألفَ، فكأنه اجتمع ثلاثُ ألفاتٍ ، فقلبوا الهمزةَ ياءً، لأنها واقعةٌ موقِعَها قبل القلبِ، فصارَتْ خطايا على وزن فَعَالَى، ففيها أربعةُ أعمالٍ، قلبٌ، وإبدالُ الكسرةِ فتحةً، وقلبُ الياءِ ألفاً، وإبدالُ الهمزةِ ياءً، هكذا ذكر التصريفيّون، وهو مذهبُ الخليلِ.
الثاني: إنه خطائِئ بهمزتين الأولى منهما مكسورةٌ وهي المنقلبةُ عن الياءِ الزائدةِ في خطيئة، فهو مثل صحيفة وصَحائف فاسْتُثْقِل الجمعُ بين الهمزتين، فَنَقلوا الهمزةَ الأولى إلى موضع الثانية فصار وزنُه: فعالِئ، وإنما فعلوا ذلك لتصيرَ المكسورةُ طرفاً، فتنقلبَ ياءً فتصيرَ فَعالِئ، ثم أَبْدَلوا من كسرةِ الهمزةِ الأولى فتحةً، فانقلبتِ الياءُ بعدها ألفاً كما قالوا: يا لَهَفى ويا أسفى، فصارت الهمزةُ بين ألفين، فأُبْدل منها ياءٌ لأنّ الهمزةَ قريبةٌ من الألفِ، فاستكرهوا اجتماعَ ثلاثة ألفاتٍ.
فعلى هذا فيها خمسةُ تغييراتٍ: تقديمُ اللامِ، وإبدالُ الكسرةِ فتحةً، وإبدال الهمزةِ الأخيرة ياءً، ثم إبدالُها ألفاً، ثم إبدالُ الهمزةِ التي هي لامٌ ياءً. والقولُ الأولُ أَوْلَى لقلةِ العملِ، فيكون للخليلِ في المسألةِ قولان.
الثالث: قولُ سيبويهِ، وهو أنَّ أصلَهَا عنده خطايئ كما تقدم، فَأَبْدَلَ الياءَ الزائدةَ همزةً، فاجتمع همزتان، فَأَبْدَلَ الثانيةَ منهما ياءً لزوماً، ثم عَمِلَ العملَ المتقدِّم، ووزنُها عنده فعائل، مثل صحائِف، وفيها على قوله خمسةُ تغييراتٍ ، إبدالُ الياءِ المزيدةِ همزةً ، وإبدالُ الهمزةِ الأصليةِ ياءً، وقَلْبُ الكسرةِ فتحةً، وقلبُ الياءِ الأصليةِ ألفاً، وقَلْبُ الهمزةِ المزيدةِ ياءً.
الرابع:قولُ الفرَّاء،وهو أنَّ خَطايا عنده ليس جَمْعاً لخطيئة بالهمزةِ وإنما هو جمعٌ لِخَطِيَّة كهدِيَّة وهَدايا، ورَكِيَّة ورَكايا، قال الفراء: "ولو جُمِعَت خطيئة مهموزةً لقلت خطاءَا"، يعني فلم تُقْلَبِ الهمزةِ ياءً بل بَقَّوها على حالِها، ولم يُعُتَدَّ باجتماعِ ثلاثِ ألفاتٍ، ولكنه لم يَقُله العربُ، فَدَلَّ ذلك عنده أنه ليس جمعاً للمهموز. وقال الكسائي: ولو جُمِعَت مهموزةً أُدْغِمَتِ الهمزةُ في الهمزةِ مثل: دَوابّ.
وقُرئ: "يَغْفِرْ لكم خطيئَاتكم" و"خطيئَتَكم" بالجَمْعِ والتوحيدِ وبالياءِ والتاءِ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه و"خَطَأْيَاكم" بهمزِ الألفِ الأولى دونَ الثانيةِ، وبالعكسِ. والكلامُ في هذه القراءاتِ واضحٌ مِمَّا تقدَّم.
والغَفْرُ: السّتْرُ، ومنه: المِغْفَرُ لسُتْرَةِ الرأس، وغُفْرانُ الذنوب لأنها تُغَطِّيها. وقد تقدَّم الفرقُ بينه وبين العفو. والغِفار خِرْقَةٌ تَسْتُر الخِمار أن يَمَسَّه دُهْنُ الرأسِ. والخطيئة من الخَطَأ، وأصلُه العُدولُ عن الجهةِ، وهو أنواعٌ، أحدُها إرادَةُ غيرِ ما يُحْسِنُ إرادَته فيفعلُه، وهذا هو الخطأُ التامُّ يقال منه: خَطِئ يَخْطَأُ خِطْئاً وخَطْأَةً. والثاني: أنْ يُريدَ ما يُحْسِنُ فِعْلَه ولكن يقع بخلافِه، يُقال منه: أَخْطَأ خَطَأً فهو مُخْطِئٌ، وجملةٌ الأمرِ أنَّ مَنْ أَرادَ شيئاً ووقع منه غيرُهُ يُقال: أخْطَأَ، وإنْ وَقَعَ كما أراد يُقال: أصاب، وقد يُقال لِمَنْ فَعَل فِعْلاً لا يَحْسُنُ أو أرادَ إرادةً لا تَجْمُلُ: إنَّه أَخْطأ، ولهذا يُقالُ أصابَ الخطأَ وأخطأَ الصوابَ وأصابَ الصوابَ وأخطأَ الخطأَ.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 810
نقاط : 2405
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى