فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 255

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 255

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الأربعاء أكتوبر 03, 2012 10:08 pm

اللَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} الله: اسمٌ تَفَرَّدَ بِه الحَقُّ ـ سبحانه ـ فلا سَمِيَّ له فيه. قال الله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} مريم: 65 أي هل تعرف أحداً غيرَه تَسَمَّى "الله"؟. وهو اسم يدلُّ على استحقاقِ صِفاتِ الجَلالِ لا على اشْتقاقِ الألفاظِ. وهذا الاسمُ أعظمُ الأسماءِ التسعةِ والتسعينَ لأنّه دالٌّ على الذات الجامعةِ لصفاتِ الآلهيَّةِ كلِّها حتّى لا يَشُذُّ منها شيءٌ، وسائرُ الأسماءِ لا تَدُلُّ آحادُها إلّا على آحادِ المعاني مِن عِلْمٍ أو قُدْرةٍ أو فِعلٍ وغيرِه، وقد فصّلْنا في "بسم الله الرحمن الرحيم". "لا إله إلا هو" إخبارٌ عن نفيِ النَّظيرِ والشَبيه، بما استوجَبَ من التقديس والتنزيه. ومن تحقق بهذه القالَةِ لا يَرى ذَرَّةً من الإثْباتِ بِغيرِهِ أو مِنْ غيرِهِ؛ فلا يَرفَعُ إلى غيرِه حاجتَه، ولا يَشهَدُ مِن غيرِه ذَرَّةً، فَيَصْدُقُ إليه انقطاعَه، ويُديمُ لِوُجودِه انْفِرادَه، فلا يَسمعُ إلّا مِن اللهِ وباللهِ، ولا يَشهَدُ إلّا بالله، ولا يُقْبِلْ إلّا على الله، ولا يَشتغِلُ إلّا باللهِ، فهو مَحْوٌ عمّا سِوى اللهِ، فَمَالَهُ شكوى ولا دعوى، ولا يتحرّكُ منه لغيرِه عِرْقٌ. ثم إنّ هذه القالةِ تقتضي التَحقُّقَ بها، والفناءّ عن المَوْسومات بجُملَتِها.
وللتوحيدِ ثلاثُ مراتِبٍ، توحيدُ المُبتَدئين: "لا إله الّا الله". وتوحيدُ المتوسّطين: لا إله إلا أنت لأنّهم فى مقام الشهود فمُقتَضاهُ الخِطابُ. وأمّا الكُمَّلُ فيَسمعون التوحيدَ مِنَ المُوحِّدِ وهو: لا إله إلا أنا، لأنَّهم في مقامِ الفناءِ الكُلِّيِّ فلا يَصْدُرُ منهم شىءٌ أصًلًا لأنهم مستغرقون في مقام الشهود عن كل ما سواه سبحانه.
وهَذِهِ الآيةُ، آيَةُ الْكُرْسِيِّ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ وَأَعْظَمُ آيَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْفَاتِحَةِ، وَنَزَلَتْ لَيْلًا وَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدًا فَكَتَبَهَا. رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفَيَّةِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ خَرَّ كُلُّ صَنَمٍ فِي الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ خَرَّ كُلُّ مَلِكٍ في الدنيا وسقطتْ التيجانُ عن رؤوسهم، وَهَرَبَتِ الشَّيَاطِينُ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِلَى أَنْ أَتَوْا إِبْلِيسَ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَبْحَثُوا عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَبَلَغَهُمْ أَنَّ آيَةَ الْكُرْسِيِّ قَدْ نَزَلَتْ. وَرَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ))؟ قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ"؟ قَالَ قُلْتُ: "اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ". فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: ((لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ)). زَادَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ الله: ((فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ لِهَذِهِ الْآيَةِ لَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ الْمَلِكَ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَهَذِهِ آيَةٌ أَنْزَلَهَا اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِقَارِئِهَا عَاجِلًا وَآجِلًا، فَأَمَّا فِي الْعَاجِلِ فَهِيَ حَارِسَةٌ لِمَنْ قَرَأَهَا مِنَ الْآفَاتِ، وَرُوِيَ لَنَا عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ أَنَّهُ قال: آية الكرسي تدعى في التوراةِ وَلِيَّةُ اللَّهِ. يُرِيدُ يُدْعَى قَارِئُهَا فِي مَلَكُوتِ السموات والأرضِ عزيزًا، قال: فكان عبدُ الرحمنِ ابنُ عَوْفٍ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي زَوَايَا بَيْتِهِ الْأَرْبَعِ، مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ يَلْتَمِسُ بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَارِسًا مِنْ جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعِ، وَأَنْ تَنْفِيَ عَنْهُ الشَّيْطَانَ مِنْ زَوَايَا بَيْتِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ صَارَعَ جِنِّيًّا فَصَرَعَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ الْجِنِّيُّ: خَلِّ عَنِّي حَتَّى أُعَلِّمَكَ مَا تَمْتَنِعُونَ بِهِ مِنَّا، فَخَلَّى عَنْهُ وَسَأَلَهُ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَمْتَنِعُونَ مِنَّا بِآيَةِ الْكُرْسِيِّ. قُلْتُ: هَذَا صَحِيحٌ، وفى الخبر: مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ كَانَ الَّذِي يَتَوَلَّى قَبْضَ رُوحِهِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَكَانَ كَمَنْ قَاتَلَ مَعَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ حَتَّى يُسْتَشْهَدَ. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ: ((مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ وَلَا يُوَاظِبُ عَلَيْهَا إِلَّا صِدِّيقٌ أَوْ عَابِدٌ، وَمَنْ قَرَأَهَا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ آمَنَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ وَجَارِهِ وَجَارِ جَارِهِ وَالْأَبْيَاتِ حَوْلَهُ)). وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، وَذَكَرَ قِصَّةً وَفِيهَا: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: "مَا هِيَ"؟ قُلْتُ قَالَ لِي: إِذَا آوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ: "اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ". وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يقربك شيطانٌ حتّى تُصبح، وكانوا أحرصَ شيءٍ عَلَى الْخَيْرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَمَّا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ))؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ((ذَاكَ شَيْطَانٌ)). وَفِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ قَالَ الشَّعْبِيُّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَقِيَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الْجِنِّ فَصَارَعَهُ فَصَرَعَهُ الْإِنْسِيُّ، فَقَالَ لَهُ الْإِنْسِيُّ: إِنِّي لَأَرَاكَ ضَئِيلًا شَخِيتًا كَأَنَّ ذُرَيْعَتَيْكَ ذُرَيْعَتَا كَلْبٍ فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ مَعْشَرَ الْجِنِّ، أَمْ أَنْتَ مِنْ بَيْنِهِمْ كَذَلِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ! إِنِّي مِنْهُمْ لَضَلِيعٌ وَلَكِنْ عَاوِدْنِي الثَّانِيَةَ فَإِنْ صَرَعْتَنِي عَلَّمْتُكَ شَيْئًا يَنْفَعُكَ، قَالَ نَعَمْ، فصرعَه، قال: تَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: "اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ"؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّكَ تَقْرَأْهَا فِي بَيْتٍ إِلَّا خَرَجَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ لَهُ خَبَجٌ كَخَبَجِ الْحِمَارِ ثُمَّ لَا يَدْخُلُهُ حَتَّى يُصْبِحَ. أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي غَرِيبِ حَدِيثِ عُمَرَ حَدَّثَنَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: أَهُوَ عُمَرُ؟ فَقَالَ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ إِلَّا عُمَرَ!. والضَّئِيلُ: الدَّقِيقُ، وَالشَّخِيتُ: الْمَهْزُولُ، وَالضَّلِيعُ: جَيِّدُ الْأَضْلَاعِ، وَالْخَبَجُ: الرِّيحُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْخَبَجُ: الضُّرَاطُ، وَهُوَ الْحَبَجُ أَيْضًا بِالْحَاءِ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ قَرَأَ حم ـ الْمُؤْمِنَ ـ إِلَى إِلَيْهِ الْمَصِيرُ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأَهُمَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبِحَ)) قَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: وَرُوِيَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ نُدِبُوا إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى قِرَاءَتِهَا دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ. عَنْ أَنَسٍ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ دَاوَمَ عَلَى قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَعْطَيْتُهُ فَوْقَ مَا أُعْطِي الشَّاكِرِينَ وَأَجْرَ النَّبِيِّينَ وَأَعْمَالَ الصِّدِّيقِينَ وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ يَمِينِي بِالرَّحْمَةِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ)). قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ مَنْ سَمِعَ بِهَذَا لَا يُدَاوِمُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: ((إِنِّي لَا أُعْطِيهِ مِنْ عِبَادِي إِلَّا لِنَبِيٍّ أَوْ صِدِّيقٍ أَوْ رَجُلٍ أُحِبُّهُ أَوْ رَجُلٍ أُرِيدَ قَتْلَهُ فِي سَبِيلِي)). وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا مُوسَى مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَعْطَيْتُهُ ثَوَابَ الْأَنْبِيَاءِ) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَعْنَاهُ عِنْدِي أَعْطَيْتُهُ ثَوَابَ عَمَلِ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَّا ثَوَابُ النُّبُوَّةِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تَضَمَّنَتِ التَّوْحِيدَ وَالصِّفَاتِ الْعُلَا، وَهِيَ خَمْسُونَ كَلِمَةً، وَفِي كُلِّ كَلِمَةٍ خَمْسُونَ بَرَكَةً، وَهِيَ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَرَدَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ آيَةٍ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: ((اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشْرَفُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ آيَةُ الْكُرْسِيِّ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لِأَنَّهُ يُكَرَّرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ مُضْمَرٍ وَظَاهِرٍ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ مَرَّةً. "الْحَيُّ" اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى يُسَمَّى بِهِ، جمَعَ معانيَ الحياةِ الكاملةَ، مِن السمعِ والبصرِ، والقدرةِ والإرادةِ وغيرِها، والصفاتِ الذاتيَّةِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى الْأَعْظَمُ. وَيُقَالُ: إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى يَدْعُو بهذا الدعاء: ياحي يَا قَيُّومُ. وَيُقَالُ: إِنَّ آصَفَ بْنَ بَرْخِيَا لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِعَرْشِ بِلْقِيسَ إِلَى سليمان دعا بقوله ياحيُّ يَا قَيُّومُ. وَيُقَالُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلُوا مُوسَى عَنِ اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فَقَالَ لَهُمْ: (أيا هيا شرا هيا)، يَعْنِي يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ. وَيُقَالُ: هُوَ دُعَاءُ أَهْلِ الْبَحْرِ إِذَا خَافُوا الْغَرَقَ يَدْعُونَ بِهِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ: إِنَّهُ يُقَالُ حَيٌّ قَيُّومٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، وَيُسَلَّمُ ذَلِكَ دُونَ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ. وَقِيلَ: سَمَّى نَفْسَهُ حَيًّا لِصَرْفِهِ الْأُمُورَ مَصَارِيفَهَا وَتَقْدِيرِهِ الْأَشْيَاءَ مَقَادِيرَهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمُرَادُ بِالْحَيِّ الْبَاقِي. قَالَ لَبِيَدٌ:
فَإِمَّا تَرِينِي الْيَوْمَ أَصْبَحْتُ سالمًا ....... ولستُ بِأَحْيَا مِنْ كِلَابٍ وَجَعْفَرِ
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا الِاسْمَ هُوَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ. "الْقَيُّومُ" مِنْ قَامَ، أَيِ الْقَائِمُ بِتَدْبِيرِ مَا خَلَقَ، والمتولّي لأُمورِ عِبادِه، القائمِ بكلِّ حركةٍ. ويدخل في هذا الاسم جميعُ صفاتِ الأفعال؛ لأنّه القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بجميع الموجودات، فأوجدها وأبقاها، وأَمَدَّهَا بجميع ما تحتاج إليه في وجودها وبقائها. فعَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ حَتَّى يُجَازِيَهَا بِعَمَلِهَا، مِنْ حَيْثُ هُوَ عَالِمٌ بِهَا لَا يَخْفَى عليه شيءٌ مِنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
لَمْ تُخْلَقِ السَّمَاءُ وَالنُّجُومُ ................... وَالشَّمْسُ مَعَهَا قَمَرٌ يَقُومُ

قَدَّرَهُ مُهَيْمِنٌ قَيُّومُ ........................... وَالْحَشْرُ وَالْجَنَّةُ وَالنَّعِيمُ
إِلَّا لِأَمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيمُ
وَيُقَالُ هُوَ الَّذِي لَا يَنَامُ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ عَقِيبَهُ فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ}. لأنّه أَحَديٌّ لا تُرهِقُه غفلةٌ، وصَمَدٌ لا تَمَسُّه عِلَّةٌ، تَقَدَّس مِنْ جمالِه جلالُه، وجلالُه جمالُه. فقد نَفَى عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَأْخُذَهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ. وَالسِّنَةُ: النُّعَاسُ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ. وَالنُّعَاسُ مَا كَانَ مِنَ الْعَيْنِ فَإِذَا صَارَ فِي الْقَلْبِ صَارَ نَوْمًا، قَالَ عَدِيُّ بْنُ الرِّقَاعِ يَصِفُ امْرَأَةً بِفُتُورِ النَّظَرِ:
وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ .............. فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ
وَفَرَّقَ الْمُفَضَّلُ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: السِّنَةُ مِنَ الرَّأْسِ، وَالنُّعَاسُ فِي الْعَيْنِ، وَالنَّوْمُ فِي الْقَلْبِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْوَسْنَانُ الَّذِي يَقُومُ مِنَ النَّوْمِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ، حَتَّى رُبَّمَا جَرَّدَ السَّيْفَ عَلَى أَهْلِهِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَفْهُومٍ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: السِّنَةُ: رِيحُ النَّوْمِ الَّذِي يَأْخُذُ فِي الْوَجْهِ فَيَنْعَسُ الْإِنْسَانُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ فُتُورٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ وَلَا يَفْقِدُ مَعَهُ عَقْلَهُ. وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُدْرِكُهُ خَلَلٌ وَلَا يَلْحَقُهُ مَلَلٌ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ. وَالنَّوْمُ هُوَ الْمُسْتَثْقَلُ الَّذِي يَزُولُ مَعَهُ الذِّهْنُ فِي حَقِّ الْبَشَرِ. وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ
وَ"لَا" تَوْكِيدٌ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي عَنْ مُوسَى عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: ((وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى هَلْ يَنَامُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَأَرَّقَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ أَعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةٌ وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا قَالَ فَجَعَلَ يَنَامُ وَتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيُنَحِّي إحداهما عَنِ الْأُخْرَى حَتَّى نَامَ نَوْمَةً فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ فَانْكَسَرَتِ الْقَارُورَتَانِ ـ قَالَ ـ ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ مَثَلًا أنْ لو كان يَنامُ لمْ تَستمسك السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ)) ضعف البيهقيُّ وغيره هَذَا الْحَدِيثُ، لكنّ معناه صحيح. فلو غفل الله سبحانه وتعالى عن هذا الكون أو تركه وشأنه لحظة واحدة لاختل نظامه وفَسَد، تصور لو أن جرماً واحدًا من الأجرام السماوية خرج عن مساره قيد أُنملة (كما يقول علماء الفلك) لأثر في باقي الأجرام فاختلّ نظامها وخرجت عن مدارها واصطدم بعضها ببعض فأصبحت هباءً منثورا، وكثيرًا ما يحدث هذا ونشاهده إنما على نطاق ضيق ومحدود في حوادث السير على الطرقات العامة إذ يختل توازن سيارةٍ نتيجة عطل طارئ فتتسبب باصطدام عدد من السيارات الأخرى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ} أَيْ بِالْمِلْكِ فَهُوَ مَالِكُ الْجَمِيعِ وَرَبُّهُ. وَجَاءَتِ الْعِبَارَةُ بِـ "مَا" وَإِنْ كَانَ فِي الْجُمْلَةِ مَنْ يَعْقِلُ مِنْ حَيْثُ الْمُرَادُ الْجُمْلَةُ وَالْمَوْجُودُ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَمَّا قَالَ الْكُفَّارُ: مَا نَعْبُدُ أَوْثَانًا إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} تَقَرَّرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ يَأْذَنُ لِمَنْ يَشَاءُ فِي الشَّفَاعَةِ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالْمُجَاهِدُونَ وَالْمَلَائِكَةُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ أَكْرَمَهُمْ وَشَرَّفَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى، كَمَا قَالَ: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى} وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَالصَّالِحِينَ يَشْفَعُونَ فِيمَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى النَّارِ وَهُوَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، أَوْ وَصَلَ وَلَكِنْ لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي "بَابٌ بَقِيَّةٌ مِنْ أبوبِ الرُّؤْيَةِ": إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنَا إِنَّ إِخْوَانَنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا. وَهَذِهِ شَفَاعَةٌ فِيمَنْ يَقْرُبُ أَمْرُهُ، وَكَمَا يَشْفَعُ الطِّفْلُ الْمُحْبَنْطِئُ (اللاصق بالأرض) عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ. وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي قراباتهم ومعارفهم. وإنّ الأنبياء يشفعون فيمن حَصَلَ فِي النَّارِ مِنْ عُصَاةِ أُمَمِهِمْ بِذُنُوبٍ دُونَ قُرْبَى وَلَا مَعْرِفَةٍ إِلَّا بِنَفْسِ الْإِيمَانِ، ثُمَّ تَبْقَى شَفَاعَةُ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ فِي الْمُسْتَغْرِقِينَ في الخطايا والذنوب الَّذِينَ لَمْ تَعْمَلْ فِيهِمْ شَفَاعَةُ الْأَنْبِيَاءِ. وَأَمَّا شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْجِيلِ الْحِسَابِ فَخَاصَّةٌ لَهُ. وقَدْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ كَيْفِيَّةَ الشَّفَاعَةِ بَيَانًا شَافِيًا، فَذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: ((ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: ((دَحْضٌ (تنزلق عليها الأقدام ولا تَثْبُت) مَزِلَّةٌ فِيهَا خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكَةٌ (نبات له ثمرةٌ خشِنَةٌ تَعلَقُ بأصوافِ الغَنَم) تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ (الإبل) فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ (مجروحٌ مُطْلَقٌ مِنَ القَيْدِ) مُرْسَلٌ وَمَكْدُوسٌ (مَدفوع) فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، ثم يقول ارجعوا فمَن وجدتم في قلبه مثقالَ نصفِ دينارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يقولون ربَّنا لم نَذَرْ فيها أحدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا)). وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} ((فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا)). وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَذُكِرَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَأَقُولُ يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، أَوْ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكَ، وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي وَجِبْرِيَائِي لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)). وَذُكِرَ مِنْ حَدِيثِ أبى هريرة عنه عليه الصلاة وسلم: ((حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ)). الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ شفاعة المؤمنين وغيرهم إنّما هي لِمن دخل النَّارَ وَحَصَلَ فِيهَا، أَجَارَنَا اللَّهُ! مِنْهَا. وَخَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُصَفُّ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفُوفًا ـ وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ أَهْلُ الْجَنَّةِ ـ فَيَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا فُلَانُ أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ اسْتَسْقَيْتَ فَسَقَيْتُكَ شَرْبَةً؟ قَالَ فَيَشْفَعُ لَهُ وَيَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ نَاوَلْتُكَ طَهُورًا؟ فَيَشْفَعُ لَهُ ـ قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ ـ وَيَقُولُ يَا فُلَانُ أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ بَعَثْتَنِي لِحَاجَةِ كَذَا وَكَذَا فَذَهَبْتُ لَكَ؟ فَيَشْفَعُ له)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ} الضَّمِيرَانِ عَائِدَانِ عَلَى كُلِّ مَنْ يَعْقِلُ مِمَّنْ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ((لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ)). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ الدُّنْيَا، وَما خَلْفَهُمْ الْآخِرَةُ". وَكُلُّ هَذَا صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ لَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّ مَا بَيْنَ الْيَدِ هُوَ كُلُّ مَا تَقَدَّمَ الْإِنْسَانَ، وَمَا خَلْفَهُ هُوَ كُلُّ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ، وَبِنَحْوِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ قَالَ السُّدِّيُّ وغيره. قوله تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ} الْعِلْمُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَعْلُومِ، أَيْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْلُومَاتِهِ، وَهَذَا كَقَوْلِ الْخَضِرِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حين نَقَرَ العُصفورُ في البحر: ما نقصُ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ. فَهَذَا وَمَا شَاكَلَهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَعْلُومَاتِ، لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الَّذِي هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ لَا يَتَبَعَّضُ. وَمَعْنَى الْآيَةِ لَا مَعْلُومَ لِأَحَدٍ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَعْلَمَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ} خطابٌ لهم على قَدْرِ فهمِهم. وإلّا فأيُّ خَطَرٍ للأكوان عند صفاتِه؟ جلَّ قَدْرُه عن التعزُّزِ بعرشٍ أو كُرسِيٍّ، والتَجَمُّلِ بِجِنٍّ أو إنْسِيٍّ. ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ. فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْكُرْسِيُّ لُؤْلُؤَةٌ وَالْقَلَمُ لُؤْلُؤَةٌ وَطُولُ الْقَلَمِ سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَطُولُ الْكُرْسِيِّ حَيْثُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ)). وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ـ وَهُوَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ ـ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَبَيْنَ الْعَرْشِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ فِيهِ وَعَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُرْسِيُّهُ عِلْمُهُ. وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: وَمِنْهُ الْكُرَّاسَةُ الَّتِي تَضُمُّ الْعِلْمَ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعُلَمَاءِ: الْكَرَاسِيُّ، لِأَنَّهُمُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ، كَمَا يُقَالُ أَوْتَادُ الْأَرْضِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
يَحُفُّ بِهِمْ بِيضُ الْوُجُوهِ وَعُصْبَةٌ ........ كَرَاسِيٌّ بِالْأَحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ
وكلُّ شيءْ تَراكَبَ فقد تَكارَسَ ومنه الكُرَّاسَةُ لِتَراكُبِ بعضِ ورَقِها
على بعضٍ، ورجلٌ كَروسٌ عَظيمُ الرأسِ، ويُقالُ كُرْسِيُّ المُلْكِ مِنْ كذا وكذا أي مُلْكُهُ مُشبّهٌ بالكُرْسِيِّ المَعروفِ، ومنه قولُ العجاج :
يا صاحِ هل تَعْرِفُ رسماً مُكْرَساً ............... قال نَعَمْ أعرِفُه وأَبْلَسا
قد عَلِمَ القُدُّوسُ مَوْلى القُدْسِ .............. أنَّ أبا العباسِ أَوْلِى نَفْسِ
في مَعْدِنِ المَلِكِ القديمِ الكُرْسي
وعن العلمِ تسميةً للصفةِ باسمِ مكانِ صاحبِها، ومنه قيل للعلماء: "الكَراسيّ" قال:
يَحُفُّ بهم بيضُ الوُجوهِ وعُصْبَةٌ ........ كراسِيُّ بالأحداثِ حين تَنُوبُ
وَصَفَهم بأنهم عالمونَ بحوادثِ الأمورِ ونوازِلِها ويُعَبَّرُ به عن السِّرِّ قال:
مالي بأَمْرِكَ كُرْسِيٌّ أُكاتِمُهُ ............. ولا بِكُرْسِيِّ ـ عَلْمَ اللَّهُ ـ مَخْلُوقِ
وقيل: الكُرْسيُّ لكلِّ شيءٍ أصلُه. وَقِيلَ: كُرْسِيُّهُ قُدْرَتُهُ الَّتِي يُمْسِكُ بِهَا السموات وَالْأَرْضَ، كَمَا تَقُولُ: اجْعَلْ لِهَذَا الْحَائِطِ كُرْسِيًّا، أَيْ مَا يَعْمِدُهُ. وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابن عباس في قوله تعالى: "وَسِعَ كُرْسِيُّهُ" وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ أيضًا "وَسِعَ كُرْسِيُّهُ" قَالَ: عِلْمُهُ. وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكُرْسِيُّ الْمَشْهُورُ مَعَ الْعَرْشِ. ورُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: "وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ" فإن السموات وَالْأَرْضَ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ وَالْكُرْسِيُّ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ. وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ مِنَ الْحَبَشَةِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ما أَعجَبُ شيءٍ رَأَيْتَهُ))؟ قَالَ: رَأَيْتُ امْرَأَةً عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلُ طَعامٍ فمَرَّ فارسٌ فأَذْراهُ فقَعَدَتْ تَجمعُ طَعَامَهَا، ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ لَهُ: وَيْلٌ لَكَ يَوْمَ يَضَعُ الْمَلِكُ كُرْسِيَّهُ فَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهَا: ((لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ ـ أَوْ كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ ـ لَا يَأْخُذُ ضَعِيفُهَا حَقَّهُ مِنْ شَدِيدِهَا)). وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ أَنَّ الْكُرْسِيَّ مَخْلُوقٌ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ وَالْعَرْشُ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَرَوَى أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: ((آيَةُ الْكُرْسِيِّ ـ ثُمَّ قَالَ ـ يَا أَبَا ذرٍّ ما السمواتُ السبْعُ مع الكُرْسِيِّ إلّا كَحَلَقةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ)). أَخْرَجَهُ الْآجُرِّيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ الْبُسْتِيُّ فِي صَحِيحِ مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ وذكر أنه صحيح. وقال مجاهد: ما السموات وَالْأَرْضُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ حَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ. وَهَذِهِ الْآيَةُ مُنْبِئَةٌ عَنْ عِظَمِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ عِظَمُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ لَا يؤوده حفظُ هذا الأمرِ العظيم.
و{يَؤُدُهُ} مَعْنَاهُ يُثْقِلُهُ، يُقَالُ: آدَنِي الشَّيْءُ بِمَعْنَى أَثْقَلَنِي وَتَحَمَّلْتُ مِنْهُ الْمَشَقَّةَ، وَبِهَذَا فَسَّرَ اللَّفْظَةَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: فَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ لِلْكُرْسِيِّ، وَإِذَا كَانَتْ لِلْكُرْسِيِّ، فَهُوَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَ{الْعَلِيُّ} يُرَادُ بِهِ عُلُوُّ الْقَدْرِ وَالْمَنْزِلَةِ لَا عُلُوُّ الْمَكَانِ، لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّحَيُّزِ. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ الْعَلِيُّ عَنْ خَلْقِهِ بِارْتِفَاعِ مَكَانِهِ عَنْ أَمَاكِنِ خَلْقِهِ. وَهَذَا قَوْلُ جَهَلَةٍ مُجَسِّمِينَ، فالمكانُ ـ كالزمان، كغيرهما ـ مخلوقات لله تعالى والله سبحانه هو خلقها فأنى تحدّه أو تحيط به؟! وكيف يكون مُحتاجاً إليها في شيءٍ. وكلُّ ما خطرَ ببالِكَ فالله خلافُ ذلك، فهو خالقُ كلِّ شيءٍ وليس كَمِثْلِهِ شيءٌ، تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ سَمِعَ تَسْبِيحًا فِي السموات الْعُلَى: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَالْعَلِيُّ وَالْعَالِي: الْقَاهِرُ الْغَالِبُ لِلْأَشْيَاءِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: عَلَا فُلَانٌ فُلَانًا أَيْ غَلَبَهُ وَقَهَرَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَمَّا عَلَوْنَا وَاسْتَوَيْنَا عَلَيْهِمْ .............. تَرَكْنَاهُمْ صَرْعَى لنسر وكاسر
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ}. وَ{الْعَظِيمُ} صِفَةٌ بِمَعْنَى عَظِيمِ الْقَدْرِ وَالْخَطَرِ وَالشَّرَفِ، لَا عَلَى مَعْنَى عِظَمِ الْأَجْرَامِ. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الْعَظِيمَ مَعْنَاهُ الْمُعَظَّمُ، كَمَا يُقَالُ: الْعَتِيقُ بِمَعْنَى الْمُعَتَّقِ، وَأَنْشَدَ بَيْتَ الْأَعْشَى:
فَكَأَنَّ الْخَمْرَ الْعَتِيقَ مِنَ الْإِسْــ ................ ــفِنْطِ مَمْزُوجَةٌ بِمَاءٍ زُلَالِ
(الإسفنطُ نوع من الأشربة) وأَنْكَرُوا قوم ذَلِكَ وَقَالُوا: لَوْ كَانَ بِمَعْنَى معظَّمٍ لَوَجَبَ ألّا يكونَ عَظِيمًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ وَبَعْدَ فَنَائِهِمْ، إذْ لا مُعَظِّمَ له حينئذٍ.
قوله تعالى: {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي} مبتدأٌ وخبرٌ. و"الحيّ" فيه سبعةُ أوْجُهٍ، أحدُها: أن يكونَ خبراً ثانياً للجلالة. الثاني: أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوف أي: هو الحيُّ. الثالث: أن يكونَ بدلاً من قوله: "لا إله إلا الله هو" فيكونَ في المعنى خبراً للجلالةِ، وهذا في المعنى كالأولِ، إلّا أنَّه هنا لم يُخْبَرْ عن الجلالةِ إلاَّ بخبرٍ واحدٍ بخلافِ الأول. الرابع: أنْ يكونَ بدلاً من "هو" وحدَه، وهذا يبقى من بابِ إقامةِ الظاهرُ مُقامَ المضمرِ، لأنَّ جملةَ النفيِ خبرٌ عن الجَلالةِ، وإذا جعلتَه بَدَلاً حَلَّ محَلَّ الأوَّلِ فيَصيرُ التقديرُ: اللهُ لا إلهَ إلّا اللهُ. الخامس: أنْ يَكون مبتدأً وخبرُه {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ}. السادس: أنّه بدلٌ من "الله" السابع: أنَّه صفةٌ للهِ، وهو أجودُها، لأنَّه قُرىء بنصبِهما "الحيَّ القيومَ" على القطع، والقطعُ إنّما هو في باب النعتِ، لا يُقالُ في هذا الوجهِ الفصلُ بين الصفةِ والموصوفِ بالخبرِ، لأنَّ ذلك جائزٌ حَسَنٌ. تقول: زيدٌ قائمٌ العاقلُ.
و"الحيُّ" فيه قولان، أحدُهُما: أنَّ أصلَه حَيْيٌ بياءين مِن حَيِيَ يَحْيَا فهو حَيٌّ، وهذا واضحٌ. والثاني: أنَّ أصلَه حَيْوٌ فلامُه واوٌ، قُلِبت الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلَها متطرِّفةً، وهذا لا حاجةَ إليه وكأنَّ الذي أَحْوجَ هذا القائلَ إلى ادِّعاءِ ذلك أنَّ كونَ العينِ واللامِ مِن وادٍ واحدٍ هو قليلٌ في كلامِهم بالنسبةِ إلى عَدَمِ ذلك فيه، ولذلك كتبوا "الحياة" بواوٍ في رَسمِ المُصحَفِ الكريمِ تنبيهاً على هذا الأصلِ، ويؤيِّدُه "الحيوان" لِظُهورِ الواو فيه. ولمناصِر القولِ الأوّلِ أنْ يقولَ: قُلبت الياءُ الثانيةُ واواً تخفيفاً، لأنّه لمّا زِيدَ في آخرِهِ ألفٌ ونونٌ استثُقْلَ المِثْلانِ. وفي وزنِه أيضًا قولان، أحدُهما: أنّه فَعْل، والثاني: أنَّه فَيْعِل فَخُفِّف، كما قالوا مَيْت وهَيْن، والأصل: هَيّن ومَيّت. و"القَيُّوم": فَيْعُول مِن قام بالأمر يَقُوم به إذا دَبَّره، وأصلُه قَيْوُوم، فاجتمعت الياءُ والواوُ وسَبَقَت إحداهما بالسكون فَقُلِبت الواوُ ياءً وأُدغمت فيها الياءُ فصارَ قَيُّوماً.
وقرأ ابنُ مسعودس والأعمشُ: "القَيَّام"، وقرأ علقمةُ: "القَيِّم" وهذا كما يقولون: دَيُّور ودَيَّار ودَيِّر. ولا يَجوزُ أنْ يكونَ وزنُه فَعُّولاً ك "سَفُّود" إذْ لو كان كذلك لكان لفظُه قَوُّوما، لأنَّ العينَ المُضاعَفَةَ أبداً مِن جنسِ الأصليَّةِ كسُبُّوح وقُدُّوس وضَرَّاب وقَتَّال، فالزائدُ مِن جنسِ العَيْنِ، فلمَّا جاء بالياء دونَ الواوِ علِمْنا أنَّ أصلَه فَيْعُول لا فَعُّول؛ وعدَّ بعضُهم فَيْعُولاً مِن صِيَغِ المُبالغةِ كضَرُوبٍ وضَرَّابٍ.
قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} في هذه الجُملةِ خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أنّها في محلِّ رفعٍ خبراً للحيِّ كما تقدَّم في أحدِ أوجهِ رفعِ الحيِّ. الثاني: أنّها خبرٌ عن اللهِ تعالى عند مَنْ يُجيزُ تَعَدُّدَ الخبرِ. الثالث: أنّها في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ مِن الضميرِ المُسْتكنِّ في "القَيُّوم" كأنّه قيل: يَقوم بأمرِ الخَلقِ غيرَ غافلٍ. الرابع: أنّها استئنافُ إخبارٍ، أَخبرَ تعالى عن ذاتِه القديمةِ بذلك. الخامس: أنّها تأكيدٌ للقَيُّومِ لأنَّ مَنْ جاز عليه ذلك اسْتحالَ أنْ يكونَ قَيُّوماً، قاله الزمخشري ، فعلى قولِه إنها تأكيدٌ يَجوزُ أنْ يكونَ مَحَلُّها النَّصْبَ على الحالِ المؤكَّدةِ، ويَجوزُ أنْ تكونَ استئنافاً وفيها معنى التأكيدِ فتصيرُ الأوْجُه أربعةً. والسِّنَةُ: هي مصدرُ وَسَن يَسِنُ مثلَ: وَعَد يَعِد، وقد تقدَّم علةُ الحذفِ عند قوله: {سَعَةً مِّنَ المال} البقرة: 247.
قوله: {لَهُ مَا فِي السماوات} هي كالتي قبلها إلاَّ في كونِها تأكيداً و"ما" للشمولِ. واللامُ في "له" للمِلْك، وكرَّر "ما" تأكيداً، وذَكَر هنا المظروفَ دون الظرفِ لأنَّ المَقصودَ نفيُ الإلهيَّةِ عن غيرِ اللهِ تعالى، وأنَّه لا ينبغي أَنْ يُعْبد إلّا هو.
قولُه: {مَنْ ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ} مَنْ: رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَ"ذَا" خَبَرُهُ، وَ"الَّذِي" نَعْتٌ لِـ "ذَا"، وَإِنْ شِئْتَ بَدَلٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "ذَا" زَائِدَةٌ كَمَا زِيدَتْ مَعَ "مَا" لِأَنَّ "مَا" مُبْهَمَةٌ فَزِيدَتْ "ذَا" مَعَهَا لِشَبَهِهَا بِهَا.كقوله: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ} البقرة: 245. و"مَنْ" وإن كان لفظُها استفهاماً فمعناه النفيُ، ولذلك دَخَلتْ "إلَّا" في قولِه "إلاّ بإذنه".
و"عنده" فيه وجهان، أحدُهما: أنّه متعلِّقٌ بيَشْفَعُ. والثاني: أنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لِكونِه حالاً مِن الضمير في "يَشْفع" أي يَشْفَعُ مستقراً عندَهُ، وقَوِيَ هذا الوجهُ بأنَّه إذا لم يَشْفَعُ عندَه مَنْ هو عندَه، وقريبٌ منه فشفاعةُ غيرِه أبعدُ. وضَعَّفَ بعضُهم الحالِيَّة بأنَّ المعنى: يَشْفَع إليه. و"إلاَّ بإذنه" متعلِّقٌ بمحذوفٍ، لأنَّه حالٌ من فاعلِ "يَشْفَع" فهو استثناءٌ مفرَّغ، والباءُ للمصاحبةِ، والمعنى: لا أحدَ يَشفعُ عندَه إلاَّ مأذوناً له منهُ، ويَجوزُ أنْ يكونَ مفعولاً به أي: بإذنِه يَشْفعون كما تقول: "ضَرَبَ بسيفِه" أيْ هو آلةٌ للضربِ، والباءُ للتعديةِ.
و"يَعْلَمُ" هذه الجملةُ يَجوزُ أنْ تَكونَ خَبَراً لأحدِ المُبتَدَأيْن المتقدِّميْن أو استئنافاً أو حالاً. والضميرُ في "أيديهم" و"خلفهم" يعودُ على "ما" في قولِه: {لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} إنَّه غَلَّبَ مَنْ يَعقِلُ على غيرِه. وقيل: يَعودُ على العُقَلاءِ ممَّن تَضَمَّنَه لفظُ "ما" دونَ غيرِهم. وقيل: يَعودُ على ما دَلَّ عليه "مَنْ ذا" من الملائكةِ والأنبياء. وقيل: مِن الملائكة خاصةً.
قولُه: {بِشَيْءٍ} متعلِّقٌ بـ "يحيطون". والعِلمُ هنا بمعنى المَعْلوم لأنَّ عِلْمَه تعالى الذي هو صفةٌ قائمةٌ بذاتِه المقدَّسة لا يتبعَّضُ، ومِنْ وقوعِ العِلمِ موقعَ المَعلومِ قولُهم: "اللهمَّ اغفرْ لنا عِلْمَك فينا" وحديثُ موسى والخَضِر عليهما السلام: "ما نَقَصَ عِلْمي وعلمُك من عِلمِه إلاَّ كما نَقَص هذا العصفورُ من هذا البحر" ولكونِ العلمِ بمعنى المعلومَ صَحَّ دخولُ التبعيضِ، والاستثناءُ عليه. و"مِنْ عِلمِهِ" يَجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بـ "يحيطون"، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنَّه صِفةٌ لـ "شيءٍ"، فيكونَ في محلَّ جر. و"بما شاءَ" متعلِّقٌ بـ "يُحيطون" أيضاً، ولا يَضُرُّ تعلُّقُ هذين الحرفين المتَّحدين لفظًا ومعنىً بِعامِلٍ واحدٍ؛ لأَنَّ الثاني ومَجرورُه بَدَلان مِنَ الأوَّلَيْن بإعادةِ العاملِ بطريقِ الاسْتثناءِ، كقولِك: "ما مَرَرْتُ بأحَدٍ إلّا بِزيْدٍ" ومفعولُ "شاء" محذوفٌ تقديرُه: إلّا بما شاءَ أنْ يُحيطوا به، وإنَّما قَدَّرتُه كذلك لِدَلالةِ قولِه: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ}.
قولُه: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} الجمهورُ على "وَسِعَ" بفتح الواوِ وكسرِ السينِ وفتحِ العينِ فعلاً ماضياً. و"كرسيُّه" بالرَّفعِ على أنَّه فاعلُه، وقُرىء "وَسْعَ" سَكَّن عينَ الفِعْلِ تخفيفاً نحو: عَلْمَ في عَلِمَ. وقُرِىءَ أيضاً: "وَسْعُ كرسيِّه" بفتحِ الواوِ وسكونِ السينِ ورَفْعِ العَيْنِ على الابْتِداءِ، "كرسيِّه" خفضٌ بالإِضافة، "السماواتُ" رفعاً على أنَّه خبرٌ
للمُبتَدأِ.
قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ} وقُرىءَ "يَوْدُه" بحذفِ الهمزة، كما تُحذف همزة "أناس"، وقرىء "يَوُوده" بإبدال الهمزة واواً. و"حِفْظ" مصدرٌ مضافٌ لمفعولِهِ، أي لا يَؤُوْده أَنْ يحفظَهما. و"العليّ" أصلُه: عَلِيْوٌ فأُدْغم نحو: مَيِّت، لأنّه مِن عَلا يَعلو. و"العظيمُ" تقدَّم معناها.

avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى