فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 259

اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 259

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الجمعة أكتوبر 05, 2012 3:48 pm

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)
لم يكن قولُه: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} سؤالَ جحدٍ، ولا قضيَّةَ جهلٍ، ولا دَلالةَ شَكٍّ في القدرة، فإنّ هذا الخبر عن عُزَيْرٍ النبيِّ ـ عليه السلام ـ والأنبياء ـ عليهم السلام ـ لا يجوز في حقِّهم الشّكُّ والجهلُ، ولكنَّه كان سؤالَ تَعَجُّبٍ وزيادةِ اليقين.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها} الْمَعْنَى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ، أَلَمْ تَرَ من هو! كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ. فَأُضْمِرَ فِي الْكَلَامِ من هو. وَسُمِّيَتِ الْقَرْيَةُ قَرْيَةً لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَرَيْتُ الْمَاءَ أَيْ جَمَعْتُهُ، وقد تقدم في ذلك تفصيل. والذي مَرَّ على القريةِ هو عزيرٌ. وقيل: هُوَ إِرْمِيَاءُ وَكَانَ نَبِيًّا. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِرْمِيَاءُ هُوَ الْخَضِرُ، والْخَضِرَ لَمْ يَزَلْ حَيًّا مِنْ وَقْتِ مُوسَى حَتَّى اليوم، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ" الْكَهْفِ" إنْ شاء الله. وقيل هُوَ شَعْيَا. وَالْقَرْيَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ بَيْتُ المقدس.
قَالَوا: وَكَانَ مُقْبِلًا مِنْ مِصْرَ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ الْمَذْكُورَانِ تِينٌ أَخْضَرُ وَعِنَبٌ وَرَكْوَةٌ مِنْ عَصِيرٍ. وَقِيلَ: قُلَّةُ مَاءٍ. وَالَّذِي أَخْلَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ حينئذٍ بُخْتَ نَصّر. وَكَانَ وَالِيًا عَلَى الْعِرَاقِ لِلَهْرَاسِبَ ثُمَّ لِيَسْتَاسِبَ ابن لَهْرَاسِبَ وَالِدِ اسْبِنْدِيَادَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وغيره: إنّ بُختَ نَصَّرَ غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسَبَى مِنْهُمْ أُنَاسًا كَثِيرَةً فجاء بهم وفيهم عزيرٌ ابنُ شَرْخِيَا وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجَاءَ بِهِمْ إِلَى بَابِلَ.: والْقَرْيَةُ هي بَيْتُ المقدس لما خربّها بُخْتَ نَصَّر الْبَابِلِيُّ. وَفِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ حِينَ أَحْدَثَتْ بَنُو إسرائيل الأحداث وقف إرميا أَوْ عُزَيْرٌ عَلَى الْقَرْيَةِ وَهِيَ كَالتَّلِّ الْعَظِيمِ وسط بيت المقدس، لأنّ بُخْتَ نَصَّر أَمَرَ جُنْدَهُ بِنَقْلِ التُّرَابِ إِلَيْهِ حَتَّى جَعَلَهُ كالجبل، ورأى إرميا الْبُيُوتَ قَدْ سَقَطَتْ حِيطَانُهَا عَلَى سُقُفِهَا فَقَالَ: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا.
قولُه تعالى: {أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها} مَعْنَاهُ مِنْ أَيِّ طَرِيقٍ وَبِأَيِّ سَبَبٍ، وَظَاهِرُ اللَّفْظِ السُّؤَالُ عَنْ إِحْيَاءِ الْقَرْيَةِ بِعِمَارَةٍ وَسُكَّانٍ، كَمَا يُقَالُ الْآنَ فِي الْمُدُنِ الْخَرِبَةِ الَّتِي يَبْعُدُ أَنْ تُعَمَّرَ وَتُسْكَنَ: أَنَّى تُعَمَّرُ هَذِهِ بَعْدَ خَرَابِهَا. فَكَأَنَّ هَذَا تَلَهُّفٌ مِنَ الْوَاقِفِ الْمُعْتَبِرِ عَلَى مَدِينَتِهِ الَّتِي عَهِدَ فِيهَا أَهْلَهُ وَأَحِبَّتَهُ. وَضُرِبَ لَهُ الْمَثَلُ فِي نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَالْمِثَالُ الَّذِي ضُرِبَ لَهُ فِي نَفْسِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَنَّ سُؤَالَهُ إِنَّمَا كَانَ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى من بنى آدم، أَيْ أَنَّى يُحْيِي اللَّهُ مَوْتَاهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ} الْعَامُ: السَّنَةُ، يُقَالُ: سِنُونَ عُوَّمٌ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ، كَمَا يُقَالُ: بَيْنَهُمْ شُغْلٌ شَاغِلٌ. وَظَاهِرُ هَذِهِ الْإِمَاتَةِ أَنَّهَا بِإِخْرَاجِ الرُّوحِ مِنَ الْجَسَدِ. وَرُوِيَ فِي قَصَصِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ لَهَا مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ يُعَمِّرُهَا وَيَجِدُّ فِي ذَلِكَ حَتَّى كَانَ كَمَالُ عِمَارَتِهَا عِنْدَ بَعْثِ الْقَائِلِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا مَضَى لِمَوْتِهِ سَبْعُونَ سَنَةً أَرْسَلَ اللَّهُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ فَارِسَ عَظِيمًا يُقَالُ لَهُ "كوشكُ" فَعَمَّرَهَا فِي ثَلَاثِينَ سَنَةً. وقَوْلُهُ: {ثُمَّ بَعَثَهُ} مَعْنَاهُ أَحْيَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قالَ كَمْ لَبِثْتَ} اخْتُلِفَ فِي الْقَائِلِ لَهُ "كَمْ لَبِثْتَ"، فقيل: اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا كَمَا قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: سَمِعَ هَاتِفًا مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: خَاطَبَهُ جِبْرِيلُ. وَقِيلَ: نَبِيٌّ. وَقِيلَ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِمَّنْ شَاهَدَهُ مِنْ قَوْمِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَعُمِّرَ إِلَى حِينِ إِحْيَائِهِ فَقَالَ لَهُ: كَمْ لَبِثْتَ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَائِلَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ: "وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً" وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قولُه: {قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} إِنَّمَا قَالَ هَذَا عَلَى مَا عِنْدَهُ وَفِي ظَنِّهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ كَاذِبًا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ {قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} وَإِنَّمَا لَبِثُوا ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَتِسْعَ سِنِينَ. وَلَمْ يَكُونُوا كَاذِبِينَ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا عَمَّا عِنْدَهُمْ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: الَّذِي عِنْدَنَا وَفِي ظُنُونِنَا أَنَّنَا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ} وَهُوَ التِّينُ الَّذِي جَمَعَهُ مِنْ أَشْجَارِ الْقَرْيَةِ الَّتِي مَرَّ عَلَيْهَا. {وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} هُوَ مِنْ أَسِنَ الْمَاءُ إِذَا تَغَيَّرَ، وَلَمْ يَتَسَنَّهْ لَمْ يُنْتِنْ. وقِيلَ فِيهِ إِنَّهُ مِنَ السَّنَةِ، أَيْ لَمْ تُغَيِّرْهُ السِّنُونَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ} وَانْظُرْ إِلَى اتِّصَالِ عِظَامِهِ وَإِحْيَائِهِ جُزْءًا جُزْءًا. وَيُرْوَى أَنَّهُ أَحْيَاهُ اللَّهُ كَذَلِكَ حَتَّى صَارَ عِظَامًا مُلْتَئِمَةً، ثُمَّ كَسَاهُ لَحْمًا حَتَّى كَمُلَ حِمَارًا، ثُمَّ جَاءَهُ مَلَكٌ فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَقَامَ الْحِمَارُ يَنْهَقُ، وأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى هَذَا. وَقيل: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ قائمًا في مَرْبَطِهِ لم يُصِبْهُ شيءٌ مِئَةَ عَامٍ، وَإِنَّمَا الْعِظَامُ الَّتِي نَظَرَ إِلَيْهَا عِظَامُ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ أَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ عَيْنَيْهِ وَرَأْسَهُ، وَسَائِرُ جَسَدِهِ مَيِّتٌ، وَأَعْمَى الله العيون عن إرميا وحماره طول هذه المدة.
وقوله تَعَالَى: {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} الْوَاوَ: دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ لِفِعْلٍ بَعْدَهُ، مَعْنَاهُ "وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ" وَدَلَالَةً عَلَى الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ جَعَلْنَا ذلك.ومَوْضِعُ كَوْنِهِ آيَةً هُوَ أَنَّهُ جَاءَ شَابًّا عَلَى حَالِهِ يَوْمَ مَاتَ، فَوَجَدَ الْأَبْنَاءَ وَالْحَفَدَةَ شُيُوخًا. وَكَانَ يَوْمَ مَاتَ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّ عُزَيْرًا خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ وَخَلَّفَ امْرَأَتَهُ حَامِلًا، وَلَهُ خَمْسُونَ سَنَةً فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً وَلَهُ وَلَدٌ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ فَكَانَ ابْنُهُ أَكْبَرَ مِنْهُ بِخَمْسِينَ سَنَةً. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَحْيَا اللَّهُ عُزَيْرًا رَكِبَ حِمَارَهُ فَأَتَى مَحَلَّتَهُ فَأَنْكَرَ النَّاسَ وَأَنْكَرُوهُ، فَوَجَدَ فِي مَنْزِلِهِ عَجُوزًا عَمْيَاءَ كَانَتْ أَمَةً لَهُمْ، خَرَجَ عَنْهُمْ عُزَيْرٌ وَهِيَ بِنْتُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَقَالَ لَهَا: أَهَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ؟ فَقَالَتْ نَعَمْ! ثُمَّ بَكَتْ وَقَالَتْ: فَارَقَنَا عُزَيْرٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سَنَةً قَالَ: فَأَنَا عُزَيْرٌ، قَالَتْ: إن عزيرًا فقدناه منذمِائَةِ سَنَةٍ. قَالَ: فَاللَّهُ أَمَاتَنِي مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَنِي. قَالَتْ: فَعُزَيْرٌ كَانَ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ لِلْمَرِيضِ وَصَاحِبِ الْبَلَاءِ فَيُفِيقُ، فَادْعُ اللَّهَ يَرُدُّ عَلَيَّ بَصَرِي، فَدَعَا اللَّهَ وَمَسَحَ عَلَى عَيْنَيْهَا بِيَدِهِ فَصَحَّتْ مَكَانَهَا كَأَنَّهَا أُنْشِطَتْ مِنْ عِقَالٍ. قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكَ عُزَيْرٌ! ثُمَّ انْطَلَقَتْ إِلَى مَلَإِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَفِيهِمُ ابْنٌ لِعُزَيْرٍ شَيْخٌ ابنُ مئةٍ وثمانيةِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ، فَقَالَتْ: يَا قَوْمُ، هَذَا وَاللَّهِ عُزَيْرٌ! فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ ابْنُهُ مَعَ النَّاسِ فَقَالَ ابْنُهُ: كَانَتْ لِأَبِي شَامَةٌ سَوْدَاءُ مِثْلَ الْهِلَالِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَنَظَرَهَا فَإِذَا هُوَ عُزَيْرٌ. وَقِيلَ: جَاءَ وَقَدْ هَلَكَ كُلُّ مَنْ يَعْرِفُ، فَكَانَ آيَةً لِمَنْ كَانَ حَيًّا مِنْ قَوْمِهِ إِذْ كَانُوا مُوقِنِينَ بِحَالِهِ سَمَاعًا. وَفِي إِمَاتَتِهِ هَذِهِ الْمُدَّةَ ثُمَّ إِحْيَائِهِ بَعْدَهَا أَعْظَمُ آيَةٍ، وَأَمْرُهُ كُلُّهُ آيَةٌ غَابِرَ الدَّهْرِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَخْصِيصِ بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها} الْمَعْنَى: انْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نَرْفَعُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي التَّرْكِيبِ لِلْإِحْيَاءِ، لِأَنَّ النَّشْزَ الِارْتِفَاعُ، وَمِنْهُ الْمَرْأَةُ النَّشُوزُ، وَهِيَ الْمُرْتَفِعَةُ عَنْ مُوَافَقَةِ زَوْجِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} أَيِ ارْتَفِعُوا وَانْضَمُّوا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} بِقَطْعِ الْأَلِفِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَحْيَا بَعْضَهُ ثُمَّ أَرَاهُ كَيْفَ أَحْيَا بَاقِيَ جَسَدِهِ. بأنْ جَعَلَه يَنْظُرُ كَيْفَ يُوصَلُ بَعْضُ عِظَامِهِ إِلَى بَعْضٍ، لِأَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُ رَأْسَهُ وَقِيلَ لَهُ: انْظُرْ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: "أَعْلَمُ" أَيْ أَعْلَمُ هَذَا. و"فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ" أَيْ لَمَّا اتَّضَحَ لَهُ عِيَانًا فكَمَا يَقُولُ الْإِنْسَانُ الْمُؤْمِنُ إِذَا رَأَى شَيْئًا غَرِيبًا مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَنَحْوَ هَذَا. قال:"أعلم" تَيَقَّنَ ذَلِكَ بِالْمُشَاهَدَةِ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ يَعْلَمُ أنّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، أَيْ أَعْلَمُ أَنَا هَذَا الضَّرْبَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُهُ عَلَى مُعَايَنَةٍ.
قوله تعالى: {أَوْ كالذي مَرَّ} الجمهورُ على سكونِ واوِ "أو" وهي هنا للتفصيلِ، وقيل: للتخيير بين التعجب مِنْ شأنهما. وقرأ أبو سفيان ابن حسين "أوَ" بفتحِها، على أنّها واوُ العطفِ، والهمزةُ قبلها للاستفهام. و"كالذي" فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنّه عطفٌ على المعنى وتقديرُه هل رأيتَ كالذي حاجَّ إبراهيم أو كالذي مَرَّ على قرية، الثاني: أنّه منصوبٌ على إضمارِ فعلٍ، الثالث: انَّ الكافَ زائدةٌ كهي في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى: 11. والتقدير: ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ، أو إلى الذي مَرَّ على قرية. والرابع: أنَّ الكافَ اسمٌ بمعنى مِثْل، لا حرفٌ، وهو مذهبُ الأخفش وهو الصحيحُ من جهةِ الدليل، وإنْ كان جمهورُ البصريين على خلافِه، فالتقديرُ: ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ، أو إلى مِثْل الذي مَرَّ وهو معنى حسنٌ. وللقولِ باسميةِ الكافِ دلائلُ مذكورةٌ في كتب القوم، منها معادَلَتُها في الفاعليةِ بـ "مثل" في قول المظفر يحيى بن منذر:
وإنّك لم يَفْخَرْ عليك كفاخرٍ .......... ضعيفٍ ولم يَغْلِبْكَ مثلُ مُغَلَّبِ
ومنها دخولُ حروف الجرِ، والإِسناد إليها. وتقدَّم الكلامُ في اشتقاقِ القرية.
قوله: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ} في هذه الجملةُ خمسةُ أوجهٍ، أحدُها أنْ تكونَ حالاً من فاعلِ "مَرّ" والواوُ هنا رابطةٌ بين الجملةِ الحاليةِ وصاحبها، والإِتيانُ بها واجبٌ لخلوِّ الجملةِ من ضميرٍ يعودُ إليه. والثاني: أنّها حالٌ من "قرية": إمَّا على جَعْل "على عروشها" صفةً لقريةٍ على أحدِ الأوجهِ الآتيةِ في هذا الجارِّ، أو على رأي مَنْ يجيزُ الإِتيانَ بالحالِ من النَكِرَةِ مُطْلَقاً، وهو ضعيفُ عند سيبويهِ. الثالث: أنّها حالٌ من "عروشها" مقدَّمةٌ عليه، تقديرُه: مَرَّ على قرية على عروشِها وهي خاويةٌ. الرابع: أن تكونَ حالاً من "ها" المضافِ إليها "عروش" والعاملُ معنى الإِضافة. والذي سَهَّل مجيءَ الحال من المضاف إليه كونُه بعضَ المضافِ، لأنَّ "العروش" بعضُ القريةِ، فهو قريبٌ من قولِه تعالى: {مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً} الأعراف: 43. الخامس: أن تكونَ الجملةُ صفةً لقرية، وهذا ليسَ بمرتضى عندَهم، لأنَّ الواوَ لا تَدْخُلُ بين الصفةِ والموصوفِ، وإنْ كانَ الزمخشري قد أجازَ ذلك في قوله تعالى: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} الحجر: 4. فَجَعَل {ولَهَا كتابٌ} صفةً، وهذا مذهبٌ سبقه إليه أبو الفتح ابن جنّي في بعضِ تصانيفِه.
قوله: {على عُرُوشِهَا} فيه أربعةُ أوجه، أحدُها: أن يكونَ بدلاً من "قرية" بإعادة العاملِ. الثاني: أنْ يكونَ صفةً لـ "قرية" كما تقدَّم تحقيقُه، فعلى الأولِ يتعلَّقُ بـ "مَرّ" لأنَّ العاملَ في البدلِ العاملُ في المُبْدَلِ منه، وعلى الثاني يتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: ساقطةٍ على عروشِها. الثالث: أن يتعلَّقَ بنفسِ "خاوية"، إذا فَسَّرنا "خاوية" بمعنى متهدِّمة ساقطة. الرابع: أنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه المعنى، وذلك المحذوفُ قالوا: هو لفظُ "ثابتة"، لأنّهم فَسَّروا "خاويةٌ" بمعنى: خاليةٌ مِنْ أهلِها ثابتةٌ على عروشِها، وبيوتُها قائمةٌ لم تتهدَّمْ، وهذا حَذْفٌ من غيرِ دليلٍ ولا يتبادَرُ
إليه الذهن. وقيل: "على" بمعنى "مع" أي: مع عروشِها، قالوا: وعلى
هذا فالمُرادُ بالعروشِ الأبنيةُ.
والخاوي: الخالي. يقال: خَوَتِ الدارُ تَخْوِي خَواءً بالمَدِّ، وخُوِيَّاً، وخَوِيَتْ أيضاً بكسرِ العينِ تَخْوَى خَوَىً بالقصر، وخَوْياً. والخَوَى: الجوعُ لخلوِّ البطنِ من الزاد. والخَوِيُّ على فَعِيل: البطنُ السهل من الأرض، وخَوَّى البعيرُ: جافى جَنْبَه عن الأرض. قال العجاجُ:
خَوَّى على مُسْتَوِيات خَمْسِ ..................... كِرْكِرَةٍ وثَفِناتٍ مُلْسٍ
والعروشُ: جمعُ عَرْش، وهو سقفُ البيت، وكذلك كلُّ ما هُيِّئَ ليُسْتَظَلَّ به. وقيل: هو البنيانُ نفسُه، قال ربيعة بن نصر بن قعين:
إنْ يَقْتُلوكَ فقد ثَلَلْتُ عروشَهُمْ .......... بعُتيبةَ بنِ الحارثِ بِنْ شهابِ
قوله: {أنّى يُحْيِي هذه الله} أنِّى: إمّا أَنْ تكونَ بمعنى "متى" فتكونُ ظرفاً، وإمّا: أن تكون بمعنى كيف، فيكونُ موضعُها حالاً من "هذه" وتقدَّم لِما فيه من الاستفهام، والظاهر أنّها هنا بمعنى كيف، وعلى كلا القولين فالعاملُ فيها "يُحْيي". و"بعدَ" أيضاً معمولٌ له. والإِحياءُ والإِماتةُ مَجازٌ إنْ أُريدَ بهما العمرانُ والخرابُ، أو حقيقةٌ إنْ قَدَّرْنا مضافاً أي: أنَّى يُحْيي أهلَ هذه القريةِ بعد مَوْتِ أهلِها، ويجوزُ أن تكونَ هذه إشارةً إلى عظامِ أهلِ القريةِ الباليةِ وجُثَثِهم المتمزِّقةِ، دَلَّ على ذلك السياقُ.
قوله: {مِئَةَ عَامٍ} المَعنى أَلْبثَه مئةَ عامٍ، ولا يجوزُ أن يكونَ ظرفاً
على ظاهر اللفظِ، لأنَّ الإِماتةَ تقعُ في أدنى زمان، ويجوزُ أنْ يكونَ
ظرفاً لفعلٍ محذوف تقديرُه: فأَماته اللهُ فلبِثَ مئة عام، ويَدُلُّ على ذلك
قولُه: "كم لَبِثْتَ"، والمعنى جَعَلَه ميِّتاً مئة عام. و"مئة" عقدٌ من العدد معروفٌ، ولامُها محذوفةٌ، وهي ياءٌ، يدُلُّ على ذلك قولُهم: "أَمْأَيْتُ الدراهم" أي: صَيَّرْتُها مئةً، فوزنُها فِعَة ويُجْمَع على "مِئات" وشذَّ فيها مِئُون قال الفرزدق:
ثلاثُ مئينٍ للملوكِ وَفَى بها .......... ردائي وَجَلَّتْ عن وجوه الأهاتِمِ
كأنهم جَرَوها بهذا الجمعِ لِما حُذِفَ منها، كما قالوا: سِنون في سَنَة.
والعامُ مدةٌ من الزمانِ معلومةٌ، وعينُهُ واوٌ لقولِهم في التصغير، عُوَيْم، وفي التكسير: "أَعْوَام". وهو في الأصلِ مصدَرٌ سُمِّيَ به الزمانُ لأنه عَوْمَةٌ من الشمس في الفلك، والعَوْمُ: هو السَّبْح. وقال تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يس: 40. فعلى هذا يكونُ العامُ والعَوْمُ كالقَوْل والقَال.
قوله: {كَمْ} منصوبٌ على الظرفِ، ومميِّزُها محذوفٌ تقديرُهُ: كم يوماً أو وقتاً. والناصبُ له "لَبِثْتَ"، والجملةُ في محلِّ نصبٍ بالقولِ، والظاهرُ أنَّ "أو" في قوله: {يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} بمعنى "بل" للإِضراب وهو قولٌ ثابتٌ، وقيل: هي للشك. وقولُه: {قَالَ بَل لَّبِثْتَ} عَطَفَتْ "بل" هذه الجملةَ على جملةٍ محذوفةٍ تقديرهُ: ما لبثتُ يوماً أو بعضَ يوم، بل لبثتُ مئةَ عام.
وقرأ نافع وعاصم وابن كثير بإِظهارِ الثاء في جميع القرآن، والباقُون بالإِدغام.
قوله: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال. وزعم بعضُهم أنّ المضارعَ المنفيَّ بـ "لم" إذا وَقَع حالاً فالمختارُ دخولُ واوِ الحال وأنشد للفرزدق:
بأَيْدي رجالٍ لم يَشِيْموا سيوفَهُمْ ..... ولم تَكْثُر القَتْلى بها حينَ سُلَّتِ
وزعم آخرون أنَّ الأَوْلَى نفيُ المضارعِ الواقعِ حالاً بما ولمَّا وكلا الزعمين غيرُ صحيحين. لأنَّ الاستعمالَيْنِ واردان في القرآنِ، قال تعالى: {فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء}. آل عمران: 174، وقال تعالى: {أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} الأنعام: 93. فجاء النفيُ بـ "لم" مع الواوِ ودونِها.
قيل: قد تقدَّم شيئاَن وهما "طعامِك وشرابِك" ولم يُعِدِ الضميرَ إلّا مُفرَداً، وفي ذلك ثلاثةُ أجوبةٍ، أحدُها: أنّهما لمَّا كانا متلازِمَيْنِ، بمعنى أنَّ أحدَهما لا يُكْتَفَى به بدونِ الآخر صارا بمنزلةِ شيءٍ واحدٍ حتى كأنه قال: فانظُرْ إلى غذائِك. الثاني: أنَّ الضميرَ يعودُ إلى الشراب فقط، لأنّه أقربُ مذكورٍ، وثَمَّ جملةٌ أخرى حُذِفَتْ لدلالةِ هذه عليها. والتقديرُ: وانظرْ إلى طعامِكَ لم يَتَسَنَّهْ وإلى شرابِك لم يَتَسَنَّهْ، أو يكونُ سكتَ عن تغيُّرِ الطعامِ تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، وذلك أنّه إذا لم يتغيَّرِ الشرابُ مع نَزْعَة النفس إليه فَعَدَمُ تغيُّر الطعامِ أَوْلَى. والثالث: أنّه أَفردَ في موضِعِ التثنيةِ، وليس بشيءٍ.
وقرأ حمزةُ والكسائي: "لم يَتَسَنَّهْ" بالهاء وقفاً وبحذفها وصلاً، والباقون بإثباتِها في الحالين. فأمَّا قراءتهما فالهاءُ فيها للسكتِ. وأمَّا قراءةُ الجماعَةِ فالهاء تحتملُ وجهين، أحدُهما: أنْ تكونَ أيضاً للسكتِ، وإنّما أُثبتت وصلاً إجراءً للوصلِ مُجْرى الوقفِ، وهو في القرآن كثيرٌ، فعلى هذا يكون أصلُ الكلمةِ: إمَّا مشتقًّا من لفظ "السَّنةِ" على قولِنا إنَّ لامَها المحذوفةَ واوٌ، ولذلكَ تُرَدُّ في التصغير والجمع، قالوا: سُنَيَّة وسَنَوات، وعلى هذه اللغة قالوا: "سانَيْتُ" أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً لوقوعِها رابعةً، وقالوا: أَسْنَتَ القومُ، فقلبوا الواوَ تاءً، والأصل أَسْنَوُوا، فأَبْدَلوها في تُجاه وتُخَمة كما تقدَّم، فأصله: يَتَسَنَّى فحُذِفَتْ الألفُ جزماً، وإمَّا مِنْ لفظ "مَسْنون" وهو المتغيِّرُ ومنه {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} الحجر: 26، والأصل: يتَسَنَّنُ بثلاثِ نونات، فاسْتُثْقِلَ توالي الأمثال، فَأَبْدَلْنَا الأخيرةَ ياءً، كما قالوا في تَظَنَّنَ: تظَنَّى، وفي قَصَّصْت أظفاري: قَصَّيْت، ثم أَبْدَلْنَا الياء ألفاً لتحرُّكِها وانفتاح ما قبلَها، ثم حُذِفَتْ جزماً، قاله أبو عمرو، وخَطَّأَه الزجاج، قال: "لأنَّ المسنونَ المصبوبَ على سَنَنِ الطريق".
وحُكِيَ عن النقاش أنه قال: "هو مأخوذٌ من أَسِنَ الماءُ" أي تغيَّر، وهذا وإنْ كان صحيحاً معنىً فقد رَدَّ عليه النحويون قولَه لأنّه فاسدٌ اشتقاقاً، إذ لو كان مشتقاً من "أَسِنَ الماء" لكان ينبغي حين يُبْنَى منه تفعَّل أن يقال تأسَّن. ويمكن أَنْ يُجَابَ عنه أنه يمكنُ أن يكونَ قد قُلِبَت الكلمةُ بَنْ أُخِّرَتْ فاؤها ـ وهي الهمزة ـ إلى موضِع لامِها فبقي: يَتَسَنَّأ بالهمزةِ آخِراً، ثم أُبْدِلَت الهمزةُ ألفاً كقولِهم في قرأ: "قَرَا"، وفي استَهْزا" ثم حُذِفَتْ جزماً. والوجه الثاني: أن تكونَ الهاءُ أصلاً بنفسِها، ويكونُ مشتقاً من لفظ "سنة" أيضاً، ولكن في لغةِ من يَجْعَلُ لامَها المحذوفَةَ هاءً، وهم الحجازيون، والأصلِ: سُنَيْهَة، يَدُلُّ على ذلك التصغيرُ والتكسير، قالوا: سُنَيْهَة وسُنَيْهات وسانَهْتُ، قال شاعرهم:
وليسَتْ بِسَنْهَاء ولا رُجَّبِيَّةٍ ........... ولكنْ عرايا في السنينِ الجوائِحِ
ومعنى "لم يَتَسَنَّهْ " على قولِنا: إنّه مِن لفظِ السَّنَة، أي: لم يتغيَّر بمَرِّ السنين عليه، بل بقي على حالِه، وهذا أَوْلى من قولِ أبي البقاء في أثناءِ كلامه "من قولك أَسْنى يُسْنِي إذا مَضَتْ عليه سِنونَ" لأنّه يَصِيرُ المعنى: لم تَمْضِ عليه سنونَ، وهذا يخالِفُهُ الحِسُّ والواقعُ.
وقرأ أُبَيّ: "لم يَسَّنَّه" بإدغام التاء في السين، والأصل: "لم يَتَسَنَّه" كما قرىءَ {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ} الصافات: 8، والأصل: يَتَسَمَّعون فَأُدْغِم. وقرأ طلحة بن مصرف: "لمِئة سنة".
قوله: {وَلِنَجْعَلَكَ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنّه متعلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ مقدَّرٍ بعده، تقديرُهُ: ولِنَجْعَلَكَ فَعَلْنا ذلك. والثاني: أنّه معطوفٌ على محذوفٍ تقديرُهُ: فَعَلْنا ذلك لتعلَمَ قدرتَنا ولنجعلَكَ. الثالث: أنّ الواوَ زائدةٌ، واللامُ متعلِّقةٌ بالفعلِ قبلَها أي: وانظُرْ إلى حمارِك لنعجلَكَ. وليس في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ كما زعم بعضُهم فقال: إنَّ قوله: "ولنجعلَكَ" مؤخَّرٌ بعد قولِهِ: "وانظُرْ إلى العظامِ"، وأَنْ الأنظارَ الثلاثةَ منسوقةٌ بعضُها على بعضٍ، فُصِل بينها بهذا الجار، لأنَّ النظرَ الثالثَ من تمامِ الثاني، فلذلك لم تُجْعَل هذه العلةُ فاصلةً معترضةً. وهذه اللامُ لامُ كي، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار "أَنْ" وهي وما بعدَها من الفعلِ في محلِّ جرٍ على ما سبَقَ بيانُهُ غيرَ مرةٍ. و"آية" مفعولٌ ثانٍ لأنَّ الجَعْلَ هنا بمعنى التصيير. و"للناس" صفةٌ لآية، و"أل" في "الناسِ" قيل: للعهدِ إنْ عَنَى بهم بقيةَ قومِهِ. وقيل: للجنس إنْ عَنَى جميعَ بني آدم.
قوله: {كَيْفَ} منصوبٌ نصبَ الأحوالِ، والعاملُ فيها "نُنْشِزُها" وصاحبُ الحالِ الضميرُ المنصوبُ في "نُنْشِزُها"، ولا يعملُ في هذه الحالِ "انظُرْ"، إذِ الاستفهامُ له صدرُ الكلامِ، فلا يعملُ فيه ما قبلَه، هذا هو القولُ في هذه المسألةِ ونظائِرها.
وقال أبو البقاء: "كيف نُنْشِزُها" في موضِعِ الحالِ من "العظام"، العاملِ في "كيف ننشِزُها"، ولا يجوز أنْ يعملَ فيها "انظر" لأنَّ الاستفهامَ لا يعملُ فيه ما قبلَه، ولكن "كيف" و"نُنْشِزُها" جميعًا حالٌ من "العظام"، والعاملُ فيها "انْظُرْ" تقديرُه: انظرْ إلى العظامِ مُحْياةً. وخطأه ابنُ السَمينِ إذ اعتبر أنَّ "كيف نُنْشِزُها" استفهاماً والاستفهامُ لا يكون حالاً وهذا خطَلٌ منه مع رسوخ قدمه في علوم اللغةِ وعلوِّ كعبه، لكنَّ الواقعُ أنّها ليست كذلك إنّما التقدير: وانظرْ إلى العظامِ حالَ إنْشائها. واللهُ أعلم.
وقرأ أبو عَمْرو: "نُنْشِرُها" بضمِّ النونِ وكَسْرِ الشين والراءِ المهملةِ، والباقون كذلك إلاَّ أنها بالزاي المعجمة. وابنُ عبّاسٍ بفتحَ النونِ وضَمِّ الشين والراءِ المُهْمَلَةِ أيضاً. والنُخَعِيُّ كذلك إلّا أنَّها بالزاي المُعْجمةِ، ونُقِلَ عنه أيضاً ضَمُّ الياء وفتحِها مع الراءِ والزاي.
فَأَمَّا قراءةُ أبي عَمرٍو: فَمِنْ "أَنْشَرَ اللَّهُ الموتى، بمعنى أَحْيَاهم، وأمَّا قراءةُ ابنِ عباس فَمِنْ "نَشَر" ثلاثياً، وفيه حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ بمعنى أَفْعَلَ فتتَّحِدُ القراءتان. والثاني: أَنْ يكونَ مِنْ "نَشَرَ" ضِدَّ طَوى أي يَبْسُطها بالإِحياءِ، ويكونُ "نَشَرَ" أيضاً مطاوعَ أَنْشَرَ، نحو: أَنْشَرَ اللهُ الميِّتَ فَنَشَرَ، فيكونُ المُتعدّي واللازمُ بلفظٍ واحدٍ، إلاَّ أنَّ كونَه مُطاوِعاً لا يُتَصَوَّرُ في هذه الآيةِ الكريمةِ لتعدِّي الفعل فيها، وإنْ كان في عبارةٍ أبي البقاء في هذا الموضِعِ بعضُ إبهامٍ. ومِنْ مَجيء "نشر" لازماً قوله:
حتى يقولَ الناسُ مِمَّا رَأَوا ..................... يا عجباً للميِّت الناشِرِ
فناشِر مِنْ نَشَر بمعنى حَيِيَ.
وأمَّا قراءةُ الزاي فَمِنْ "النَّشْزِ" وهو الارتفاعُ، ومنه: "نَشْزُ الأرضِ" وهو المرتفعُ، ونُشوزُ المَرأةِ وهو ارتفاعُها عن حالِها إلى حالةٍ أخرى، فالمعنى: يُحَرِّك العظامَ ويرفعُ بعضَها إلى بعضٍ للإحياء.
قال ابنُ عطية: "وَيَقْلَقُ عندي أن يكونَ النشوزُ رَفْعَ العظامِ بعضِها إلى بعضٍ، وإنّما النُّشوزُ الارتفاعُ قليلاً قليلاً، وانظُر استعمالَ العربِ تجدْه كذلك، ومنه: "نَشَزَ نابُ البعير" و{أَنْشَزُوا فَأَنْشَزوا}، فالمعنى هنا على التدرُّجِ في الفعلِ فَجَعَل ابنُ عطية النشوزُ ارتفاعاً خاصاً. ومَنْ ضَمَّ النونَ فَمِنْ "أَنْشَزَ"، ومَنْ فَتَحَها فَمِنْ "نَشَزَ"، يقال: "نَشَزه" و"أَنْشَزَه" بمعنىً. ومَنْ قرأ بالياءِ فالضميرُ لله تعالى. وقر أبُيّ "نُنْشِئُها" مِنَ النَّشْأَة. ورجَّح بعضُهم قراءةَ الزايِ على الراءِ بِأَنْ قال: العِظامُ لا تُحْيَا على الانفرادِ بل بانضمامِ بعضِها إلى بعضٍ، والزايُ أَوْلى بهذا المعنى، إذ هو بمعنى الانضمام دونَ الإِحياءِ، فالموصوفُ بالإِحياءِ الرجلُ دونَ العظامِ، ولا يقال: هذا عَظمٌ حيٌّ، ولا بُدَّ من ضميرٍ مَحذوفٍ من قوله: "العِظام" أي العظامِ منه، أي: من الحمارِ، أو تكونُ "أل" قائمةً مقامَ الإِضافة أي عظامِ حمارِك.
قولُه: {لَحْماً} مفعولٌ ثانٍ لـ "نَكْسُوها" وهو من بابِ أعطى، وهذا من الاستعارة، ومثلُه قولُ لبيد:
الحمدُ للَّهِ إذْ لم يَأْتِنِي أَجَلي ....... حتى اكتسَيْتُ من الإِسلامِ سِرْبالا
قوله: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ} تبيَّن: فاعلُها مضمرٌ يُفَسِّره سياقُ الكلام، تقديرُهُ: فلمَّا تبيَّن له كيفيّةُ الإِحياء التي استقر بها. أو نقول: فلمَّا تبيَّن له ما أَشْكَل عليه "يعني من أَمْر إحياء الموتى"، والأولُ أَوْلَى، لأنَّ قوَّة الكلامِ تَدلُّ عليه بخلافِ الثاني. أو تكون المسألةُ من بابِ الإِعمال، يعني أن "تَبَيَّن" يطلُبُ فاعلاً، و"أَعْلَمُ" يطلبُ مفعولاً، و{أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يصْلُح أن يكونَ فاعلاً لتبيَّن، ومفعولاً لأعلَمُ، فصارَتِ المسألةُ من التنازعِ.
وقرأ ابنُ عباسٍ: "تُبُيِّن" مبنيًّا للمفعولِ، والقائمُ مقامَ الفاعلِ الجارُّ والمجرورُ بعدَه. وقرأ ابنُ السَّمَيْفَع "يُبَيِّن" من غيرِ تاءٍ مبنيًّا للمفعولِ، والقائمُ مقامَه ضميرُ كيفيةِ الإِحياءِ أو الجارُّ والمجرورُ.
قوله: {قَالَ أَعْلَمُ} الجمهورُ على "قال" مبنيًّا للفاعلِ. وفي فاعلِهِ على قراءةِ حمزة والكسائي: "اعْلَمْ" أمراً من "عَلِمَ" قولان، أظهرِهُما: أنه ضميرٌ يعودُ على اللِّهِ تعالى أو على المَلِكِ، أي: قال اللَّهُ أو المَلِكُ أو المَلِكُ لذلك المارِّ اعْلَمْ. والثاني: أنّه ضميرٌ يعودُ على المارِّ نفسهِ، نَزَّلَ نفسَه منزلَةَ الأجنبي فخاطَبَهَا، يعني نفسَه. كما تقولُ لنفسِك: اعلمْ يا عبدَ الله، ويُسَمَّى هذا "التجريدَ" يعني كأنّه جَرَّدَ مِن نفسِه مخاطباً يخاطِبُه. وأمَّا على قراءةِ غيرهما: "أعلمُ" مضارعاً للمتكلِّمِ ففاعلُ "قال" ضميرُ المارِّ، أي: قال المارُّ: أعلَمُ أنا.
وقرأ الأعمش: "قيل" مبنيًّا للمفعولِ. والقائمُ مقامَ الفاعلِ: إمَّا ضميرُ المصدرِ من الفعلِ، وإمَّا الجملةُ التي بعدَه، على حَسَبَ ما تقدَّم في أوّلِ السورة.
وقرأ حمزة والكسائي: "اعلمْ" على الأمر، والباقون: "أعلمُ" مضارعاً، وقرأ الجعفي عن أبي بكر: "أَعْلِمُ" أمراً من "أَعْلَمَ"، والكلامُ فيها كالكلامِ في قراءةِ حمزة والكسائي بالنسبةِ إلى فاعل "قال" ما هو؟ و"أنَّ الله" في محلِّ نصب، سادَّةً مسدَّ المفعولين، أو الأولِ والثاني محذوفٌ على ما تقدم من الخلاف.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى