فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 260

اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 260

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الجمعة أكتوبر 05, 2012 10:35 pm

فيض العليم ... سورة البقرة، الآية: 260

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)

يَجتهدُ المحبُّ أبداً في أنْ يَجِدَ خطابَ حبيبِهِ على أيِّ وجهٍ أمكنه. فاستجلَب الخليلُ ـ عليه السلامُ ـ خطابَه ـ سبحانه ـ بهذه المسألةِ فكان قوله: {أو لم تؤمن}؟ {قالَ بلى} ولكنّي اشتقتُ إلى خطابك فإنَّ قولَك لي: {أو لم تؤمن}؟ تطمينٌ لقلبي.
وقيل كان ـ عليه السلام ـ في طلب في زيادة اليقين، فأراد أن يقرِنَ حقَّ اليقين بما كان حاصلاً له من عيْنِ اليقين.
وقيل: إنّه طلبَ رؤيةَ الحقِّ ـ سبحانه ـ ولكنْ بالرمزِ والإشارةِ فَمُنِعَ منها بالإشارة بقوله: {وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. أمّا موسى ـ عليه السلام ـ فقد سألَه الرُّؤيةَ جَهْراً بقوله: {رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ} الأعراف: 143. فَرُدَّ عليه بالجَهْرِ صريحاً وقيل له: {لَن تَرَانِى}.
وقيلَ إنّما طلبَ حياةَ قلبِه فأُشيرَ إليه بأنَّ ذلك بِذبحِ هذه الطيورِ الأربعة، وهي ـ فيما رُويَ: الطاووسٌ، والإشارة فيه إلى زينةِ الدنيا وزهرتِها، والغرابُ والإشارة فيه إلى الحرصِ، والديكُ والإشارة فيه إلى إرادته ومَشيئتِه، وفي البطِّ إشارةٌ إلى طلَبِه لِرِزْقِه.
ولما قال إبراهيم ـ عليه السلام: {أرِنِى كَيْفَ تُحْيِ المَوْتَى}؟ قيل له: أرني كيفَ تَذْبَحُ الحَيَّ؟ يَعني إسماعيلَ ـ عليه السلام، مُطالَبَةٌ بمُطالَبةٍ. فلمَّا وَفَّى بما طُولِبَ بِه، وفَّى الحَقُّ ـ سبحانَه ـ بحكم ما طلب.
وقيل كان تحت ميعادٍ من الحق ـ سبحانه ـ أنْ يتخذه خليلاً، وأَمارَةُ ذلك إحياءُ الموتى على يدِهِ، فجرى ما جرى.
ووصل بين قِصَّةِ الخليلِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما أراه وأظهره على يدِه من إحياءِ الموتى وبين عُزَيرٍ إذْ أراه في نفسِهِ؛ لأنَّ الخليلَ يَرْجُحُ على عُزيرٍ في السؤالِ وفي الحالِ، فإن إبراهيم ـ عليه السلام ـ لم يَرُدَّ عليه في شيءٍ ولكنَّه تَلَطَّف في السؤال، وعُزَيرٌ كلَّمَه كلامَ مَن يُشْبِهُ قولُهُ قولَ المُسْتَبْعِدِ، فأرادَ الحقُّ أنْ يُظهِرَ له أَقوى مُعجزةٍ وأتمَّ دَلالةٍ حيثُ أظهرَ إحياءَ الموتى على يدِهِ حين التبَسَ على نُمْروذ ما قال إبراهيم ـ عليه السلام ـ حين قال: ربّي الذي يُحيي ويُميت، فقال نُمْروذ: {أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ}. فأراد إبراهيمُ أن يُرِيَه اللهُ ـ سبحانه ـ إحياءَ الموتى لِيَعلَم أنّه ليس هو الذي ادَّعى. وفي هاتيْن الآيتيْن رُخصةٌ لِمن طلب زيادةَ اليقين مِن اللهِ ـ سبحانَه وتعالى ـ في حالِ النَظَرِ.
ويقال إن إبراهيم أراد إحياءَ القلبِ بنورِ الوَصْلَةِ بحكمِ التَّمامِ، فقيل له: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} يَعني أمَا تذكر حالَ طلبِك إيانا حين كنتَ تقولُ لكلِّ شيءٍ رأيتَه {هَذَا رَبِّى} الأنعام: 77. فلم تَدْرِ كيف بَلَّغْنَاكَ إلى هذه الغاية، فكذلك يُوصلُك إلى ما سَمَتْ إليه هِمَّتُك.
وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ حياةَ القلب لا تكون إلّا بذبحِ هذه الأشياءِ، يَعني حظوظَ النفس؛ فَمَنْ لم يذبح نفسَه بالمُجاهدات لم يَحْيَى قلبُه بالله.
وفي تقطيع الطُيورِ بيدِه وتفريقِ أجزائها ثمَّ دعوتهنَّ إشارةٌ، فما كان مَذبوحاً بيدِ صاحِبِ الخِلَّةِ، مُقَطَّعاً مُفَرَّقاً بها، إذا ناداه اسْتجابَ له كلُّ جزءٍ مُفَرَّقٍ، وكذلك الذي فَرَّقه الحقُّ وشتَّتَه إذا ناداه استجاب:
ولو أنَّ فوقي تُرْبةً وَدَعَوْتَنِي ............ لأجَبْتُ صَوْتَكَ والعِظَامُ رُفَاتُ
فَأَمَّا الحديث الذي رواه الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى، قال: أو لم تُؤْمِن؟ قَالَ: بلى، وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)). (أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري) فليس المراد ههنا بِالشَّكِّ مَا قَدْ يَفْهَمُهُ مَنْ لَا عِلْمَ عنده، بلا خلاف. وقولُه تعالى: {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ مَا هِيَ؟ وقوله: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي وقطِّعْهُنَّ. وعن ابْنِ عَبَّاسٍ "فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ" أَوْثِقْهُنَّ، فَلَمَّا أَوْثَقَهُنَّ ذَبَحَهُنَّ ثُمَّ جَعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا، فَذَكَرُوا أَنَّهُ عَمَدَ إِلَى أَرْبَعَةٍ مِنَ الطَّيْرِ فَذَبَحَهُنَّ ثُمَّ قَطَّعَهُنَّ وَنَتَفَ رِيشَهُنَّ وَمَزَّقَهُنَّ وخلط بعضَهُنَّ ببعضٍ، ثُمَّ جَزَّأَهُنَّ أَجْزَاءً وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ منهن جُزْءاً ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَدْعُوَهُنَّ فَدَعَاهُنَّ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى الرِّيشِ يَطِيرُ إِلَى الرِّيشِ، وَالدَّمِ إِلَى الدَّمِ، وَاللَّحْمِ إِلَى اللَّحْمِ، وَالْأَجْزَاءِ مِنْ كُلِّ طَائِرٍ يَتَّصِلُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ حَتَّى قَامَ كُلُّ طَائِرٍ عَلَى حِدَتِهِ وَأَتَيْنَهُ يَمْشِينَ، سَعْيًا لِيَكُونَ أَبْلَغَ لَهُ فِي الرُّؤْيَةِ الَّتِي سألها.
وَلِهَذَا قَالَ: {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أَيْ عَزِيزٌ لَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ وَلَا يَمْتَنِعُ من شَيْءٌ، وَمَا شَاءَ كَانَ بِلَا مُمَانِعٍ لِأَنَّهُ الْقَاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، حَكِيمٌ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وشرعه وقدره. واخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا السُّؤَالِ هَلْ صَدَرَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شَكٍّ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيمُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ شَاكًّا فِي إِحْيَاءِ اللَّهِ الْمَوْتَى قَطُّ وَإِنَّمَا طَلَبَ الْمُعَايَنَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ النفوس مستشرفةٌ إِلَى رُؤْيَةِ مَا أُخْبِرَتْ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ) رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَاكًّا لَكُنَّا نَحْنُ أَحَقُّ بِهِ وَنَحْنُ لَا نَشُكُّ فَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَحْرَى أَلَّا يَشُكَّ، فَالْحَدِيثُ مَبْنِيٌّ عَلَى نَفْيِ الشَّكِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَالَّذِي رُوِيَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((ذَلِكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ)) وَإِحْيَاءُ الْمَوْتَى إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالسَّمْعِ وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْلَمَ بِهِ، يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} فَالشَّكُّ يَبْعُدُ عَلَى مَن تَثْبُتُ قَدَمُهُ فِي الْإِيمَانِ فَقَطْ فَكَيْفَ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ وَالْخُلَّةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَمِنَ الصَّغَائِرِ الَّتِي فِيهَا رَذِيلَةٌ إِجْمَاعًا. وَإِذَا تَأَمَّلْتَ سُؤَالَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَسَائِرَ أَلْفَاظِ الْآيَةِ لَمْ تُعْطِ شَكًّا، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ بِكَيْفَ إِنَّمَا هو سؤالٌ عن حالةِ شيءٍ مَوْجُودٍ مُتَقَرِّرِ الْوُجُودِ عِنْدَ السَّائِلِ وَالْمَسْئُولِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: كَيْفَ عِلْمُ زَيْدٍ؟ وَكَيْفَ نَسْجُ الثَّوْبِ؟ وَنَحْوَ هَذَا. وَمَتَى قُلْتَ: كَيْفَ ثَوْبُكَ؟ وَكَيْفَ زَيْدٌ؟ فَإِنَّمَا السُّؤَالُ عَنْ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ. وقد تكون "كيف" خبرًا عن شيءٍ شَأْنُهُ أَنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْهُ بِكَيْفَ، نَحْوَ قَوْلِكَ: كَيْفَ شِئْتَ فَكُنْ، وَنَحْوَ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ. وَ"كَيْفَ" فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّمَا هِيَ اسْتِفْهَامٌ عَنْ هَيْئَةِ الْإِحْيَاءِ، وَالْإِحْيَاءُ مُتَقَرِّرٌ، وَلَكِنْ لَمَّا وَجَدْنَا بَعْضَ الْمُنْكِرِينَ لوجودِ شيءٍ قَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ إِنْكَارِهِ بِالِاسْتِفْهَامِ عَنْ حَالَةٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ فِي نَفْسِهِ لَا يَصِحُّ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ مُدَّعٍ: أَنَا أَرْفَعُ هَذَا الْجَبَلَ، فَيَقُولُ الْمُكَذِّبُ لَهُ: أَرِنِي كَيْفَ تَرْفَعُهُ! فَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَجَازٍ فِي الْعِبَارَةِ، وَمَعْنَاهَا تَسْلِيمٌ جَدَلِيٌّ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: افْرِضْ أَنَّكَ تَرْفَعُهُ، فَأَرِنِي كَيْفَ تَرْفَعُهُ! فَلَمَّا كَانَتْ عِبَارَةُ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذَا الِاشْتِرَاكِ الْمَجَازِيِّ، خَلَّصَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ وَحَمَلَهُ عَلَى أَنْ بَيَّنَ لَهُ الْحَقِيقَةَ فَقَالَ لَهُ: "أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى" فَكَمُلَ الْأَمْرُ، ثُمَّ عَلَّلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سُؤَالَهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ أَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ فَقَالَ: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ} الحجر: 42. وَقَالَ اللَّعِينُ: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ سَلْطَنَةٌ فَكَيْفَ يُشَكِّكُهُمْ، وَإِنَّمَا سَأَلَ أَنْ يُشَاهِدَ كَيْفِيَّةَ جَمْعِ أَجْزَاءِ الْمَوْتَى بَعْدَ تَفْرِيقِهَا وَإِيصَالِ الْأَعْصَابِ وَالْجُلُودِ بَعْدَ تَمْزِيقِهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَتَرَقَّى مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عِلْمِ حقِّ الْيَقِينِ، كما أسلفنا، فَقَوْلُهُ: "أَرِنِي كَيْفَ" طَلَبَ مُشَاهَدَةَ الْكَيْفِيَّةِ وحسْبُ. وَ"تُؤْمِنْ" مَعْنَاهُ إِيمَانًا مُطْلَقًا، دَخَلَ فِيهِ فَضْلُ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى. "قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" أَيْ سَأَلْتُكَ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِحُصُولِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَعْلُومِ بُرْهَانًا وَالْمَعْلُومِ عِيَانًا. وَالطُّمَأْنِينَةُ: اعْتِدَالٌ وَسُكُونٌ، فَطُمَأْنِينَةُ الْأَعْضَاءِ مَعْرُوفَةٌ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ((ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا)) الْحَدِيثَ. وَطُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ هِيَ أَنْ يَسْكُنَ فِكْرُهُ فِي الشَّيْءِ الْمُعْتَقَدِ. وَالْفِكْرُ فِي صُورَةِ الْإِحْيَاءِ غَيْرُ مَحْظُورٍ، كَمَا لَنَا نَحْنُ الْيَوْمَ أَنْ نُفَكِّرَ فِيهَا إِذْ هِيَ فِكْرٌ فِيهَا عِبَرٌ فَأَرَادَ الْخَلِيلُ أَنْ يُعَايِنَ فَيَذْهَبَ فِكْرُهُ فِي صُورَةِ الْإِحْيَاءِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَى" لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" لِيُوقِنَ، وَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَحُكِيَ عَنْهُ لِيَزْدَادَ يَقِينًا، وَقَالَهُ إِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَزْدَادَ إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِي. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ أَيْضًا: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بِأَنَّكَ خَلِيلِي؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِالْخُلَّةِ. وَقِيلَ: دَعَا أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى لِيَعْلَمَ هل تستجاب دعوته، فقال الله له: أو لم تُؤْمِنْ أَنِّي أُجِيبُ دُعَاءَكَ، قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أَنَّكَ تُجِيبُ دُعَائِي. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُحَرِّكِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَهُ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَلِيلًا فَأَرَادَ آيَةً عَلَى ذَلِكَ، قَالَهُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: رَأَى جِيفَةً نِصْفَهَا فِي الْبَرِّ تُوَزِّعُهَا السِّبَاعُ وَنِصْفَهَا فِي الْبَحْرِ تُوَزِّعُهَا دَوَابُّ الْبَحْرِ، فَلَمَّا رَأَى تَفَرُّقَهَا أَحَبَّ أَنْ يَرَى انْضِمَامَهَا فَسَأَلَ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِرُؤْيَةِ كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ كَمَا رَأَى كَيْفِيَّةَ التَّفْرِيقِ، فَقِيلَ لَهُ: "فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ" قِيلَ: هِيَ الدِّيكُ وَالطَّاوُسُ وَالْحَمَامُ وَالْغُرَابُ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وقيل غيرها والله أعلم. فَأَخَذَ هذه الطير حسب ما أُمِرَ وذكاها ثُمَّ قَطَعَهَا قِطَعًا صِغَارًا، وَخَلَطَ لُحُومَ الْبَعْضِ إِلَى لُحُومِ الْبَعْضِ مَعَ الدَّمِ وَالرِّيشِ حَتَّى يَكُونَ أَعْجَبَ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ الْمُخْتَلِطِ جُزْءًا عَلَى كُلِّ جَبَلٍ، وَوَقَفَ هُوَ مِنْ حَيْثُ يَرَى تِلْكَ الْأَجْزَاءَ وَأَمْسَكَ رُءُوسَ الطَّيْرِ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَيْنَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَتَطَايَرَتْ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ وَطَارَ الدَّمُ إِلَى الدَّمِ وَالرِّيشُ إِلَى الرِّيشِ حَتَّى الْتَأَمَتْ مِثْلَ مَا كَانَتْ أَوَّلًا وَبَقِيَتْ بِلَا رُءُوسٍ، ثُمَّ كَرَّرَ النِّدَاءَ فَجَاءَتْهُ سَعْيًا، أَيْ عَدْوًا عَلَى أَرْجُلِهِنَّ. وَلَا يُقَالُ لِلطَّائِرِ: "سَعَى" إِذَا طَارَ إِلَّا عَلَى التَّمْثِيلِ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ إِذَا أَشَارَ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهَا بِغَيْرِ رَأْسِهِ تَبَاعَدَ الطَّائِرُ، وَإِذَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِرَأْسِهِ قَرُبَ حَتَّى لَقِيَ كُلُّ طَائِرٍ رَأْسَهُ، وَطَارَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ.
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} في العامل في "إذ" ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها أنَّه: {قال أَوَلَمْ تُؤْمِن} أي: قال له ربُّه وقتَ قولِه ذلك. والثاني: أنَّهُ "ألم تَرَ" أي: ألم تر إذا قال إبراهيم. والثالث: أنّه مُضمَرٌ تقديرُه : واذكر . فـ "إذ" على هذين القولين مفعولٌ به لا ظرفٌ. و"ربِّ" مُنادى مُضافٌ لياءِ المُتكلِّمِ، حُذِفَتْ استغناءً عنها بالكسرةِ قبلَها، وهي اللغةُ الفصيحةُ، وحُذِفَ حرفُ النداءِ.
وقولُه: {أَرِنِي} تقدَّم ما فيه من القراءاتِ والتوجيهِ في قوله: {وَأَرِنَا} البقرة: 128. والرؤيةُ هنا بصريةٌ تتعدَّى لواحدٍ، ولَمَّا دخلَتْ همزةُ النقلِ أكسَبَتْه مفعولاً ثانياً، الأوّلُ ياءُ المتكلِّمِ، والثاني الجملة الاستفهاميّةُ، وهي مُعلِّقَةٌ للرؤيةِ و"رأى" البصريّة تُعَلَّقُ كما تُعلِّقُ "نَظَرَ" البَصَريَّةُ، ومِنْ كلامِهم: "أما تَرى أيُّ برقِ ههنا".
و"كيف" في محلِّ نصبٍ: إمَّا على التشبيه بالظرفِ، وإمَّا على التشبيهِ بالحال كما تقدَّم في {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} البقرة: 28. والعاملُ فيها "تُحْيي" وتقديره: بأيَّ حالٍ تُحْيي الموتى، وهو تفسيرُ معنىً لا إعرابٍ.
قوله: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن} في هذه الواوِ وجهان، أظهرُهما: أنَّها للعَطْفِ قُدِّمَتْ عليها هَمْزةُ الاستفهامِ لأنَّها لها صدرُ الكلامِ كما تقدَّم تحريرُه غيرَ مرةٍ، والهمزةُ هنا للتقريرِ، لأنَّ الاستفهامَ إذا دخلَ على النفي قَرَّره كقول جرير:
ألستُمْ خيرَ مَنْ رَكِبَ المطايا ............... وأندى العاملينَ بطونَ راحِ
و: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} الانشراح: 1، المعنى: أنتم خيرُ، وقد شَرَحْنا. والثاني: أنها واوُ الحالِ، دَخَلَت عليها ألفُ التقريرِ، وفيه نظرٌ من حيث إنّها إذا كانَتْ للحالِ كانَتِ الجملةُ بعدَها في محلِّ نصبٍ، وإذا كانَتْ كذلك استدعَتْ ناصباً وليس ثَمَّ ناصبٌ في اللفظِ، فلا بدَّ من تقديرِه: والتقدير "أسألْتَ ولم تؤمِنْ"، فالهمزةُ في الحقيقةِ إنّما دَخَلَتْ على العاملِ في الحالِ. وهذا ليس بظاهرِ، بل الظاهرُ الأولُ، ولذلك أُجيبت بـ "بلى". وقوله "بلى" جوابٌ للجملةِ المنفيَّةِ وإنْ صارَ معناها الإِثباتَ اعتباراً باللفظِ لا بالمعنى، وهذا من قسمِ ما اعتُبر فيه جانبُ اللفظِ دون المعنى، نحو: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} البقرة: 6. وقد تقدَّم تحقيقُه.
قوله: {لِّيَطْمَئِنَّ} اللامُ لامُ كي، فالفعلُ منصوبٌ بعدَها بإضمارِ "أَنْ"، وهو مبنيٌّ لاتِّصالِهِ بنونِ التوكيدِ، واللامُ متعلِّقةٌ بمحذوفٍ بعد "لكنْ" تقديرُه: ولكنْ سألتُك كيفيَّةَ الإِحياءِ للاطمئنانِ، ولا بُدَّ من تقديرِ حذفٍ آخرَ قبلَ "لكنْ" حتى يَصِحَّ معه الاستدراكُ والتقديرُ: بلى آمنْتُ وما سألتُ غيرَ مؤمنٍ، ولكنْ سألتُ ليطمئِنَّ قلبي.
والطُّمأنينة" السكونُ، وهي مصدرُ "اطمأنَّ" بوزنِ اقْشَعَرَّ، وهي على غيرِ قياسِ المصادرِ، إذْ قياسُ "اطمأنَّ" أَنْ يكونَ مصدرُه على الاطمئنان. واختُلِف في "اطمأنَّ" هل هو مقلوبٌ أم لا؟ فمذهب سِيبَوَيْهِ أنَّه مقلوبٌ من "طَأْمَنَ"، فالفاءُ طاءٌ، والعينُ همزةٌ، واللامُ ميمٌ، فَقُدِّمَتِ اللامُ على العينِ فوزنُه: افْلَعَلَّ بدليلِ قولهم: طامنتُه فتطامَنَ. وقيلَ بأنَّه غيرُ مقلوبٍ، وكأنَه يقولُ: إنَّ اطمأنَّ وطَأْمَنَ مادتان مستقلَّتان، وهو ظاهرُ كلام أبي البقاء، فإنه قال: "والهمزةُ في "ليطمَئِنَّ" أصلٌ، ووزنه يَفْعَلِلُّ، ولذلك جاء {فَإِذَا اطمأننتم} النساء: 103. مثل: اقْشَعْررتم". فوَزنُهُ على الأصلِ دونَ القلبِ، وهذا غيرُ بعيدٍ، ألا ترى أنّهم في جَبَّذَ وجَذَبَ قالوا: ليس أحدُهما مقلوباً من الآخرِ لاستواءِ المادَّتين في الاستعمالِ. ولترجيحِ كلٍّ من المذهبين موضعٌ غيرُ هذا.
قوله: {مِّنَ الطير} في متعلِّقه قولان، أحدُهما: أنَّه محذوفٌ لوقوعِ الجارِّ صِفَةً لأربعةٍ، تقديرُه: أربعةً كائنةً من الطيرِ. والثاني: أنّه متعلقٌ بخُذْ، أي: خُذْ من الطير.
و"الطيرُ" اسمُ جمعٍ كرَكْب وسَفْر. وقيل: بل هو جمعُ طائرٍ نحو: تاجر وتَجْر. وقيل: بل هو مخففٌ من "طَيِّر" بتشديدِ الياء كقولِهم: "هَيْنَ ومَيْت" في: هَيِّن ومَيَّت. قال أبو البقاء: "هو في الأصلِ مصدرُ طارَ يطير، ثم سُمِّي به هذا الجنسُ". فَتَحَصَّلَ فيه أربعةُ أقوالٍ.
وجاء جَرُّه بـ "مِنْ" بعد العددِ على أفصحِ الاستعمالِ، إذ الأفصحُ في اسمِ الجَمْعِ في بابِ العددِ أَنْ يُفْصَل بمِنْ كهذه الآيةِ، ويجوزُ الإِضافةُ كقولِه تعالى: {تِسْعَةُ رَهْطٍ} النمل: 48 ]، وقال الحطيئةُ:
ثلاثةُ أنفسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ .................. لقد جارَ الزمانُ على عيالي
وزعم بعضهم أنَّ إضافتَه نادرةٌ لا يُقاس عليها، وبعضُهم زعم أَنَّ اسمَ الجمعِ لِما يَعْقِل مؤنثٌ، وكِلا الزَّعميْن ليس بصوابٍ، لِما تقدَّم مِن الآيةِ الكريمةِ، واسمُ الجمع لما لا يَعْقِل يُذَكَّر ويؤنَّثُ، وهنا جاء مذكراً لثبوتِ التاءِ في عددِه.
قوله: {فَصُرْهُنَّ} قرأ حمزة بكسر الصادِ، والباقونَ بضمِّها وتخفيفِ الراء. واختُلِف في ذلك فقيل: القراءتان يُحتمل أَنْ تكونا بمعنىً واحدٍ، وذلك أنّه يُقال: صارَه يَصُوره ويَصِيره، بمعنى قَطَعه أو أماله فاللغتان لفظٌ مشتركٌ بين هذين المعنيين، والقراءتان تَحْتَمِلهما معاً، وهذا مذهبُ أبي عليّ. وقال الفراء: الضمُّ مشتركٌ بين المعنيين، وأمَّا الكسرُ فمعناه القطعُ فقط. وقال غيرُه: الكسرُ بمعنى القَطْعِ والضمُّ بمعنى الإِمالةِ. ونُقِل عن الفراء أيضاً أنه قال: "صَارَه" مقلوبٌ من قولهم: "صَراه عن كذا" أي: قَطَعه عنه. ويقال: صُرْتُ الشيءَ فانصار: قالت الخنساء:
فلو يُلاقي الذي لاقَيْتُه حَضِنٌ ...... لَظَلَّتِ الشمُّ منه وَهْيَ تَنْصارُ الدر
أي: تَنْقَطِعُ. واختُلف في هذه اللفظةِ: هل هي عربيةٌ او مُعَرَّبة؟ فعن ابنِ عباس أنها مُعَرَّبةٌ من النبطية، وعن أبي الأسود أنها من السريانية، والجمهورُ على أنها عربيةٌ لا معرَّبةٌ.
و"إليك" إنْ قلنا: إنَّ "صُرْهُنَّ" بمعنى أمِلْهُنَّ تعلَّق به، وإنَّ قلنا: إنّه بمعنى قَطِّعْهُنَّ تعلَّقَ بـ "خُذْ.
وقرأ ابن عباسٍ: "فَصُرَّهُنَّ" بتشديد الراءِ مع ضَم الصادِ وكسرِها، مِنْ: صَرَّه يَصُرُّه إذا جَمَعه؛ إلّا أنَّ مَجيءَ المُضعَّفِ المتعدِّي على يَفْعِل بكسر العين في المضارعِ قليلٌ. ونقل أبو البقاء عَمَّنْ شَدَّد الراءَ أنَّ منهم مَنْ يَضُمُّها، ومنهم مَنْ يفتَحُها، ومنهم مَنْ يكسِرُها مثل: "مُدَّهُنَّ" فالضَمُّ على الإِتباعِ، والفتحُ للتخفيفِ، والكسرُ على أصلِ التقاءِ الساكنينِ.
ولمَّا فَسَّر أبو البقاء "فَصُرْهُنَّ" بمعنى "أَمِلْهُنَّ" قَدَّر محذوفاً بعده تقديرُه: فَأَمِلْهُنَّ إليك ثم قَطِّعْهُنَّ، ولمَّا فسَّره بقطِّعْهن قَدَّر محذوفاً يتعلَّق به "إلى"، تقديرُه: قَطِّعْهُنَّ بعد أَنْ تُميلَهُنَّ إليك. ثم قال: "والأجودُ عندي أن يكونَ "إليك" حالاً من المفعولِ المضمرِ تقديرُه: فَقَطِّعْهُنَّ مُقَرَّبةً إليك أو ممالةً أو نحوُ ذلك.
قوله: {ثُمَّ اجَعَلَ} يُحتمل أَنْ يكونَ بمعنى الإِلقاء فيتعدَّى لواحدٍ وهو "جزءاً"، فعلى هذا يتعلَّقُ "على" بـ "كل" و"منهنَّ" بـ "اجعَلْ"، وأنْ يكونَ بمعنى "صَيَّر" فيتعدَّى لاثنين فيكونَ "جُزْءاً" الأولَ، و"على كلِّ" هو الثاني، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. و"منهنَّ" يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ على هذا بمحذوفٍ على أنّه حالٌ من "جزءاً" لأنّه في الأصلِ صفةُ نكِرةٍ، فلمَّا قُدِّم عليها نُصِبَ حالاً. وأجازَ أبو البَقاءِ أنْ يَكونَ مفعولاً لـ "اجْعَلْ" يَعني إذا كانَت "اجْعَلْ" بمعنى "صَيِّر" فيكونُ "جزءاً" مفعولاً أوّل، و"منهنَّ" مفعولاً ثانياً قُدِّمَ على الأولِ، ويتعلَّقُ حينئذٍ بمحذوفٍ. ولا بُدَّ مِنْ حذفِ صِفَةٍ مُخَصِّصَةٍ بعدَ قولِه: "كلِّ جبلٍ" تقديرُه: "على كل جبلٍ بحضرتِك، أو يَليك" حتى يَصِحَّ المعنى.
وقرأ الجمهورُ: "جُزْءاً" بسكونِ الزايِ والهَمْزِ، وأبو بكرٍ ضَمَّ الزايَ، وأبو جعفرٍ شَدَّدَ الزايَ مِنْ غيرِ هَمْزٍ، ووجهُها أنّه لَمَّا حَذَفَ الهمزةَ وَقَفَ على الزايِ ثمَّ ضَعَّفَها كما قالوا: "هذا فَرَجّ"، ثم أُجري الوصل مُجرى الوقفِ. وقد تقدَّم تقريرُ ذلك عند قولِه: {هُزُواً} البقرة: 67. وفيه لغةٌ أخرى وهي: كسرُ الجيم. قال أبو البقاء: "ولا أعلم أحداً قرأ بها. والجزءُ: القطعةُ من الشيءِ، وأصلُ المادة يَدُلُّ على القطعِ والتفريقِ ومنه: التجزئةُ والأجزاءُ.
قوله: {يَأْتِينَكَ} جوابُ الأمر، فهو في محلِّ جزمٍ، ولكنَّه بُنيَ لاتِصالِه بنونِ الإِناثِ. قوله: "سَعْياً" فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ مِن ضميرِ الطيرِ، أي : يأتينَك ساعياتٍ، أو ذواتِ سَعْيٍ. والثاني: أنْ يَكونَ حالاً من المُخاطَبِ، ونُقِلَ عن الخَليلِ ما يُقَوِّي هذا، فإنّه رُوِيَ عنه: "أنَّ المَعنى: يأتينَكَ وأنتَ تَسْعى سعياً" فعلى هذا يكونُ "سعياً" منصوباً على المصدرِ، وذلك الناصبُ لهذا المصدرِ في محلِ نصبٍ على الحالِ من الكافِ في "يأتينك". والذي حَمَلَ الخليلَ ـ رحمه الله ـ على هذا التقديرِ أنّه لا يُقال عنده: "سَعَى الطائرُ" فلذلك جَعَل السَّعَيَ من صفاتِ الخليلِ ـ عليه السلام ـ لا مِن صِفةِ الطيورِ. والثالث: أن يكونَ "سَعْياً" منصوباً على نوعِ المصدرِ، لأنّه نوعٌ من الإِتيان، إذْ هو إتيانٌ بسرعةٍ، فكأنّه قيل: يأتينَكَ إتياناً سريعاً. وقال أبو البقاء: "ويجوزُ أن يكونَ مصدراً مؤكِّداً، لأنَّ السعي والإِتيان يتقاربان"، وهذا فيه نظرٌ؛ لأن المصدرَ المؤكِّد لا يزيدُ معناه على معنى عامِله، إلاَّ أنّه تَساهَلَ في العبارةِ.

avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 810
نقاط : 2405
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى