فيض العليم ... سورة النساء، الآية: 75

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم ... سورة النساء، الآية: 75

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الثلاثاء مايو 28, 2013 11:58 am

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا.
(75)
قولُه تعالى شأنُه: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَمَا لَكُمْ:
خطابٌ للمَأمورين بالقِتالِ على طريقةِ الالْتِفاتِ مُبالَغَةً في التَحريضِ والحَثِّ عليْه وهو المَقصودُ مِنَ الاسْتِفهامِ، يُحَرِّضُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ في هذا الخطابِ عَلَى القِتَالِ فِي سَبِيلِ إِعْلاَءِ كَلِمَتِهِ، ولإِنْقَاذِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الذينَ مازالوا فِي مَكَّةَ، مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، المُتَبَرِّمِينَ بِالمَقَامِ فِيهَا، الذِينَ يَسْتَذِلُّهُمُ الطُّغَاةُ الكَفَرَةُ فِي مَكَّةَ، وَهُمْ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ تِلْكَ البَلْدةِ "القَرْيَةِ" الظَّالِمِ أّهْلُها، وَأنْ يُسَخِّرَ لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ، وَيُنْقِذُهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ. وَيَقُولُ لَهُمْ: أَيُّ عُذْرٍ لَكُمْ يَمْنَعُكُمْ مِنْ أَنْ تُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لِتُعلوا رايةَ التَّوْحيدِ، وَتَنْصُرُوا العَدْلَ وَالحَقَّ.
عنِ ابْنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ ـ تعالى ـ عنهما كنتُ أنا وأُمّي مِنْ المستضعفين، وقد ذُكِرَ أنَّ منهم سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، والوليدَ بْنَ الوَليدِ وأبا جَندلٍ بْنَ سهيلٍ، وإنَّما ذَكَرَ الوِلْدانِ تَكميلاً للاسْتِعْطافِ والتَنْبيهِ على تَناهي ظُلْمِ المُشركين، والإيذانِ بإجابةِ الدُعاءِ الآتي واقترابِ زمانِ الخَلاصِ، وفي ذلك مُبالَغةٌ في الحَثِّ على القِتالِ. ومِنْ هنا يُعلَمُ أنَّ الآيةَ لا تَصلُحُ دليلاً على صِحَّةِ إسْلامِ الصَبيِّ بِناءً على أنَّه لولا ذلك لَما وَجَبَ تَخليصُهم على أنَّ في انْحِصارِ وُجُوبِ التَخْليصِ في المُسلِمِ نَظَراً لأنَّ صبيَّ المُسلِمِ يُتَوَقَّعُ إسْلامُه فلا يَبْعُدُ وُجوبُ تَخليصِه لِينالَ مَرتَبَةَ السُعَداءِ، وقيلَ: المُرادُ بالوِلدان العَبيدِ والإماءِ.
قولُه تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ} استفهامٌ يُرادُ به التحريضُ والأمرُ بالجهادِ. و"ما" مبتدأٌ، و"لكم" خبرُه، أي: أيُّ شيءٍ استقرَّ لَكم. وجُملةُ قولِه: "لا تقاتلون" في محلِّ نصبٍ على الحالِ، أي: ما لَكم غيرَ مُقاتلين، فأَنْكَرَ عليهم أنْ يكونوا على غيرِ حالةِ القتال، وقد صَرَّح بالحال بعدَ هذا التركيبِ في قولِه: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ} المدثر: 49، وقالوا في مثل هذه الحال: إنَّها لازمةٌ لأنَّ الكلامَ لايَتِمُّ دونَها، وفيه نظر. والعاملُ في هذه الحالِ هو الاسْتِقرارُ المُقَدَّرُ كَقولِك: ما لكَ ضاحكاً؟ وقيل إن أصل: "وما لَكم في ألا تقتلوا" فَحُذِفَتْ "في" وبقي "أَنْ لا تقاتلوا" فجرى فيها الخلافُ المشهورُ، ثمَّ حُذِفَتْ "أَنْ" الناصبة فارتفعَ الفعلُ بعدَها كقولهم: "تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ مِنْ أنْ تَراه" وقولِ طرفةَ:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضُرُ الوغى .........وأشهد اللذات هل أنتَ مخلِّدي
في إحدى الروايتين، وهذا يؤيِّدُ كونَ الحالِ ليسَ بِلازِمَةٍ.
قولُه: {والمستضعفين} مجرورٌ عطفاً على اسمِ اللهِ ـ تعالى ـ أيْ: وفي سبيلِ المُستضعفين. أو هو مجرورٌ عطفاً على "سبيل"، تقديرُه: وفي خِلاصِ المُستضعفين. وقيلَ هو منصوبٌ على الاخْتِصاصِ تقديرُه: وأَخُصُّ مِنْ سَبيلِ اللهِ خَلاصَ المُستضعفين، لأنَّ سبيلَ اللَّهِ عامٌّ في كلِّ خير، وخلاصُ المُستضعفين من المسلمين مِنْ أَيدي الكُفَّارِ مِنْ أَعظَمِ الخُيورِ. والجمهورُ على "والمستضعفين" بواوِ العطفِ، وقرأ ابنُ شِهابٍ: "في سبيلِ اللهِ المُستضعفين" وفيها تخريجان، أحدُهما: أنْ يَكونَ حرفُ العطفِ مقدَّراً كقولِهم: "أَكَلْتُ لحمًا تَمْرًا سَمَكًا" والثاني: أنْ يَكونَ بَدلاً من "سبيل الله" أي: في سبيلِ اللهِ سبيلِ المُسْتَضعفين، لأنَّ سبيلَهم سبيلُ اللهِ تعالى.
قولُه: {مِنَ الرجال} فيه وجهان أحدُهُما: أنَّه حالٌ مِنَ المُسْتَضعفين، والثاني: أنَّ "مِنْ" لِبيانِ الجِنْسِ، والوِلْدان قيلَ: جمعُ "وليدٍ" وقيل: جمعُ وَلَدٍ، كوَرَلٍ ووِرْلان. والمُرادُ بهمُ: الصِبيانُ وقيل: العبيدُ والإِماءُ، يُقالُ للعبدِ "وليد" وللأَمَةِ "وليدة"، فغلَّب المذكَّر على المُؤنَّثِ لانْدِارجِه فيه. و"الذين يقولون" مجرورٌ على أنَّه صِفةٌ: إمَّا للمستضعفين وإمَّا للرِجالِ ومَنْ بعدَهم، وغَلَّبَ المُذكَّرَ على المُؤنَّثِ. وقيل "الذين يقولون" في مَوْضِعِ جَرٍّ صفةً لِمَنْ عَقَلَ مِنَ المَذكورين. كأنما تُوُهِّمَ أنَّ الوِلْدانَ هُمُ الصبيانُ، والصِبيانُ لا يَعْقِلون، فَجُعِلَ نَعتًا لِمَنْ عَقَلَ مِنَ المَذكورين وهمُ الرِّجالُ والنِّساءُ دونَ الوِلْدان، لأنَّ جَمْعَ المذكَّرِ السالمِ يُشْتَرَطُ فيه العقلُ، "والذين" جارٍ مجراه، وهذه غَفْلةٌ؛ لأنَّ مُرادَ النَّحْويّين بالعاقلِ ما كان من جِنسِ العُقلاءِ وإنْ كان مسلوبَ العقلِ، ويَدُلُّ عليه قولُه تعالى: {أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ} النور: 31. فالمُرادُ هنا بالطفلِ الصِبْيانُ الصِّغارُ، ومَعَ ذلك وَصَفَهم بـ "الذين". ويمكن أنْ يكونَ "الذين يقولون" منصوباً على الاختصاص.
قولُه: {الظالم أَهْلُهَا} الظالِمِ" صفةٌ للقرية، و"أهلُها" مرفوعٌ به على الفاعلية. و"ألـ" في "الظالم" موصولةٌ بمعنى التي، أي: التي ظَلَم أهلُها. فالظُلمُ جارٍ على القرية لَفظاً وهو لِما بعدَها معنى، ومثلُه: مَرَرْتُ برجلٍ حَسَنٍ غُلامُه. وقد ذَكَّرَ "الظالم" وموصوفُه مؤنثٌ وهو وصفٌ للقريةِ إلَّا أنَّه مُستَنِدٌ إلى أهلِها فأُعْطِيَ إعرابَ "القرية" لأنَّه صِفَتُها وذُكِّرَ لإِسنادِه إلى الأهلِ، كما تقولُ: مِنْ هذه القريةِ التي ظَلَمَ أهلُها، ولو أُنِّثَ فقيلَ: الظالِمةُ أهلُها لَجازَ، لا لِتأنيثِ الموصوفِ، بلْ لأنَّ الأهلَ يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ. ويَجوزُ: مِنْ هذه القريةِ الظالمين أهلُها كما تقول: "التي ظَلَموا أهلُها "على لغة أَكلوني البراغيثُ" ومنه: {وَأَسَرُّواْ النَّجوى الذين ظَلَمُواْ} الأنبياء: 3. وهذه قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ: أنَّ الصِفَةَ إذا جَرَتْ على غيرِ مَنْ هِيَ لَه سَواءً كانت خبراً أمْ نعتًا أمْ حالاً يُنْعَتُ ما قبلَها في اثنين مِن خمسةٍ: واحدٍ مِنْ أَلقابِ الإِعرابِ، وواحدٍ مِنْ التَنكيرِ والتعريفِ، وأمَّا بالنسبةِ إلى التذكيرِ والتأنيثِ والإِفرادِ وضِدَّيْهِ فيُحْسَبُ المَرفوعُ بِها كالفِعلِ، وقد تقدَّمَ تحقيقُ ذلك غيرَ مَرَّةٍ. ويجبُ أيضاً إبرازُ الضميرِ منها مُطلَقًا أَعني سَواءً أَلْبسَ أمْ لَمْ يُلْبِسْ وأمَّا إذا كان المَرفوعُ بِها اسْمًا ظاهرًا فلا حاجةَ إلى رَفْعِها الضميرَ، إلَّا أنَّه لا بُدَّ مِنْ راجعٍ يَرجِعُ إلى الاسْمِ المَوصوفِ بِها لَفظًا كهذِه الآيةِ. وهذا بخلافِ الفعلِ إذا وُصِفَ بِهِ أوْ أُخْبرَ بِهِ أوْ وَقَعَ حالاً لِشيءٍ لَفظاً وهو لِغيرِه معنى، فإنَّ الضميرَ لا يُبْرَزُ منه بل يَسْتَتِرُ نحو: "زيدٌ هندٌ يضرُبها" و"هندٌ زيدٌ تَضرِبُه" عن غيرِ ضميرٍ بارزٍ لِقُوَّةِ الفِعلِ وضَعْفِ الاسْمِ في العملِ، وسواءً لم يُلْبِس كما تقدَّم تمثيلُه أوْ أَلْبس نحو: "زيدٌ عمروٌ يضرِبُه" إذا قَصَدْتَ أنَّ زيداً هو الضاربُ لِعَمْرٍو، وهذا مقتضى مذهبِ البصريينَ وسَوّى ابْنُ مَالك بيْن الفعلِ والوَصفِ، يَعني إنْ أَلْبَسَ وَجَبَ الإِبرازُ حتَّى في الفعل نحو: "زيدٌ عَمْروٌ يضربه هو" وإن لم يُلْبِس جاز نحو: "زيدٌ هندٌ يَضرِبُها" وهذا مقتضى مذهبِ الكوفيين فإنَّهم عَلَّلوا باللَّبْسِ، وفي الجملةِ ففي المسألةِ خِلافٌ.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى