فيض العليم ... سورة النساء، الآية: 78

اذهب الى الأسفل

فيض العليم ... سورة النساء، الآية: 78

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الخميس مايو 30, 2013 5:52 am

أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا.
(78)
قَوْلُهُ تَعَالَى شأنُه: {أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ} كلامٌ مُبْتَدأٌ مَسُوقٌ مِنْ قِبَلِهِ تَعالى بِطريقِ تَلوين الخِطابِ إثْرَ بيانِ حَقارةِ الدُنيا وعُلُوِّ شأنِ الآخرة، وهو خِطَابُ عَامٌّ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ به الْمُنَافِقِينَ أَوْ ضَعَفَةَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَالُوا: {لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ} أَيْ إِلَى أَنْ نموت بآجالِنا، وهو أَشبَهُ بالمُنافقين كَمَا ذَكَرْنَا، لِقَوْلِهِمْ لَمَّا أُصِيبَ أَهْلُ أُحُدٍ، قَالُوا: {لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا} آل عمران: 156. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ "أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ". وَوَاحِدُ الْبُرُوجِ بُرْجٌ، وَهُوَ الْبِنَاءُ الْمُرْتَفِعُ وَالْقَصْرُ الْعَظِيمُ. قَالَ طَرَفَةُ يَصِفُ نَاقَةً:
كَأَنَّهَا بُرْجٌ رُومِيٌّ تَكَفَّفَهَا ..................... بَانٍ بِشِيدٍ وَآجُرٍّ وَأَحْجَارِ
الشِيدُ: هو كلُّ ما طُلِيَ بِه البِناءُ مِن جَصٍّ وغيرِه.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْبُرُوجِ، فَقَالَ الْأَكْثَرُ وَهُوَ الْأَصَحُّ: إِنَّهُ أَرَادَ الْبُرُوجَ فِي الْحُصُونِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ الْمَبْنِيَّةِ، لِأَنَّهَا غَايَةُ البَشَرِ في التَحَصُّنِ والمَنَعَةِ، فمَثَّل اللهُ لَهُمْ بِهَا. وَمِنْهُ قَوْلُ عَامِرِ بنِ الطُّفَيْلِ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ؟ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْبُرُوجُ الْقُصُورُ. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: الْبُرُوجُ الْحُصُونُ وَالْآطَامُ وَالْقِلَاعُ. و"مُشَيَّدَةٍ" أي مُطَوَّلَةٌ، مرتفعةٌ، وقيلَ الْمُزَيَّنَةُ بِالشِّيدِ وَهُوَ الْجِصُّ. وقَالَ قَتَادَةُ: مُحَصَّنَةٌ. وَالْمَشِيدُ وَالْمُشَيَّدُ سَوَاءٌ، وَمِنْهُ {وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} وَالتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ. وَقِيلَ: الْمُشَيَّدُ الْمُطَوَّلُ، وَالْمَشِيدُ الْمَطْلِيُّ بِالشِّيدِ. يُقَالُ: شَادَ الْبُنْيَانَ وَأَشَادَ بِذِكْرِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمُرَادُ بِالْبُرُوجِ بُرُوجٌ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَبْنِيَّةٌ. وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ مَكِّيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَأَنَّهُ قَالَ: أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ} و{جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً} و{وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً}. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ" مَعْنَاهُ فِي قُصُورٍ مِنْ حَدِيدٍ. وَهَذَا لَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ.
ومعنى النَصِّ: إنْ كنتُم تُريدون بقعودِكم عنِ الجِهادِ وطلبِ إرْجائه أنْ
تُرجِئوا الموتَ أو تُطيلوا الحياةَ، فقد أَخطأتم، فإنَّه حيثُما كُنتم يُدْرِككم الموتُ ولو كُنتم في أَقوى الحُصونِ، وأَمْنَعِها، وأَحكَمِها بناءً.
وفي "يدرككم" إشارةٌ إلى أنَّ الموتَ كأنّه يَطلُبُ الإنسانَ ويَتبَعُه حيثُما كان، وفي أي وقتٍ كان، فهو طالبٌ لَا بُدَّ أنْ يُدرِكَ ما يطلب، ولا بُدَّ أنْ يَصِلَ إلى ما يريد؛ وأنَّ الموتَ حقيقةٌ مَحتومَةٌ، فإنْ فَرَرتُم منه فإنَّه مُلاقيكم، فلا تَفِروا منه واطلُبوا الحقَّ ولو أدَّى إليْه، وما أَحْسَنَ ما قالَه زهير بنُ أبي سلمى:
ومن هاب أسباب المنايا ينلْنه ............ وإن يَرْقَ أسباب السماء بسلَّم
وفي هَذِهِ الْآيَةُ ردٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ فِي الْآجَالِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) فَعَرَّفَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّ الْآجَالَ مَتَى انْقَضَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ الْجَسَدَ، كَانَ ذَلِكَ بِقَتْلٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِزُهُوقِهَا بِهِ. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّ الْمَقْتُولَ لَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ الْقَاتِلُ لَعَاشَ. فَوَافَقُوا بِقَوْلِهِمْ هَذَا الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ.
ووما يُسْتَفادُ مِنْ هذه الآيةِ الكَريمَةِ وُجوبُ اتِّخاذِ البِلادِ وبِنائها لِيُمْتَنَعَ بِهَا فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ، وَهِيَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ. وَفِي ذَلِكَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: التَّوَكُّلُ تَرْكُ الْأَسْبَابِ، فَإِنَّ اتِّخَاذَ الْبِلَادِ مِنْ أَكْبَرِ الْأَسْبَابِ وَأَعْظَمِهَا وَقَدْ أُمِرْنَا بِهَا، وَاتَّخَذَهَا الْأَنْبِيَاءُ وَحَفَرُوا حَوْلَهَا الْخَنَادِقَ عُدَّةً وَزِيَادَةً فِي التَّمَنُّعِ. وَقَدْ قِيلَ لِلْأَحْنَفِ: مَا حِكْمَةُ السُّورِ؟ فَقَالَ: لِيَرْدَعَ السَفيهَ حتَّى يأتيَ الحَكيمُ فيحميه.
وَإِذَا تَنَزَّلْنَا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالسُّدِّيِّ فِي أَنَّهَا بُرُوجُ السَّمَاءِ، فَبُرُوجُ الْفَلَكِ اثْنَا عَشَرَ بُرْجًا مُشَيَّدَةً ـ والمعنى هنا مِنَ الرَّفْعِ، وَهِيَ الْكَوَاكِبُ الْعِظَامُ. وَقِيلَ لِلْكَوَاكِبِ بُرُوجٌ لِظُهُورِهَا، مِنْ بَرِجَ يَبْرَجُ إِذَا ظَهَرَ وَارْتَفَعَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى} الأحزاب: 38. وَخَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَنَازِلَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَقَدَّرَهُ فِيهَا، وَرَتَّبَ الْأَزْمِنَةَ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا جَنُوبِيَّةً وَشَمَالِيَّةً دَلِيلًا عَلَى الْمَصَالِحِ وعلَّمَنا عَلَى الْقِبْلَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى تَحْصِيلِ آنَاءِ اللَّيْلِ وآناءِ النَهارِ لِمعرِفَة أوقاتِ التَهَجُّدِ وغيرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ الْمَعَاشِ.
وقَوْلُهُ: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أَيْ إِنْ يُصِبِ الْمُنَافِقِينَ خِصْبٌ أو رخاءٌ أوْ ظَفَرٌ أو غَنيمةٌ أوْ سَعَةٌ في الرِّزقِ، قَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وقولُه: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أَيْ جَدْبٌ وَمَحْلٌ قَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِكَ، أَيْ أَصَابَنَا ذَلِكَ بِشُؤْمِكَ وَشُؤْمِ أَصْحَابِكَ. وَقِيلَ: الْحَسَنَةُ السَّلَامَةُ وَالْأَمْنُ، وَالسَّيِّئَةُ الْأَمْرَاضُ وَالْخَوْفُ. وَقِيلَ: الْحَسَنَةُ الْغِنَى، وَالسَّيِّئَةُ الْفَقْرُ. وَقِيلَ: الْحَسَنَةُ النِّعْمَةُ وَالْفَتْحُ وَالْغَنِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَالسَّيِّئَةُ الْبَلِيَّةُ وَالشِّدَّةُ وَالْقَتْلُ يَوْمَ أُحُدٍ. وَقِيلَ: الْحَسَنَةُ السَّرَّاءُ، وَالسَّيِّئَةُ الضَّرَّاءُ. فالحَسَنَةُ ما يَحْسُنُ عندَهم، والسَيِّئةُ ما يَسوؤهم. وذلك شأنُ أهلِ النِّفاقِ ومَنْ يَستَمِعون إليهم مِن ضُعفاءِ النفوس.
هَذِهِ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ وَعُلَمَاءِ التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ. وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْمَدِينَةَ عَلَيْهِمْ قَالُوا: ما زِلْنا نَعْرِفُ النَّقصَ في ثِمارنا ومَزارِعنا مُذْ قَدِمَ عَلَيْنَا هَذَا الرَّجُلُ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَعْنَى "مِنْ عِنْدِكَ" أَيْ بِسُوءِ تَدْبِيرِكَ. وَقِيلَ: "مِنْ عِنْدِكَ" بِشُؤْمِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا، أَيْ بِشُؤْمِكَ الَّذِي لَحِقَنَا، قَالُوهُ عَلَى جِهَةِ التَّطَيُّرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ" أَيِ الشِّدَّةُ وَالرَّخَاءُ وَالظَّفَرُ وَالْهَزِيمَةُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، خَلْقًا وإيجادًا مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ له ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمِ ـ دخلٌ في وُقوعِ شيءٍ منهما بوجهٍ من الوُجوهِ. أَيْ كلٌّ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ.
قولُه: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} الْقَوْمِ: يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ "لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً" أَيْ مَا شَأْنُهُمْ لَا يَفْقَهُونَ أنَّ كلًّا مِن عندِ اللهِ.
قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكْكم الموت} أين: اسم شرط يجزم فعلين مضارعيْن، و"ما" زائدة على سبيل الجوازِ مؤكِّدةٌ لها، و"أين" ظرف مكان و"تكونوا" مجزومٌ بها، وعلامة جزمه حذف النون من آخره لأنه من الأفعال الخمسة، و"يُدْرِكْكم" جوابُه. والجمهورُ على جزمِه؛ لأنَّه جوابُ الشرط، وقرأ طلحةُ بنُ سليمانَ: "يدرِكُكم" برفعِه، فخرَّجه المُبَرِّدُ على حَذْفِ الفاءِ أي: فيدرككم الموت. ومثلُه قولُ جريرٍ بنِ عبدِ اللهِ البَجَلي وكان نافرَ رجلاً من اليَمَن إِلى الأَقْرَعِ بنِ حابسٍ التَّمِيميِّ حَكَم العربِ فقال:
يا أقرعُ بنَ حابسٍ يا أقرعُ .................. إنك إنْ يُصْرَعْ أخوكَ تُصْرَعُ
فجعل نفسه له أَخاً، وهو مَعَدِّيٌّ، وإِنما رفع تُصْرَع وحقُّه الجزم على إِضمارِ الفاء كما قال عبد الرحمنُ بنُ حسّان:
مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ، اللهُ يشكرُها ........... والشَّرُّ بالشرِّ عندَ الله مِثْلانِ
أي فالله يشكرُها، ويكون ما بعد الفاء كلاماً مبتَدأً، وكان سيبويهِ يقول: هو على تقديم الخبر كأَنَّه قال إِنك تُصْرع إِنْ يُصرَعْ أَخوك. وفي البيت تخريجٌ آخر وهو أنْ يكون "يُصرعُ" المرفوعُ خبراً لـ "إنك" والشرطُ معترضٌ بينهما، وجوابُه ما دَلَّ عليه قولُه "إنَّك تُصْرَعُ" كقولِه: {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ} البقرة: 70. وخَرَّجه الزمخشري على التوهَّم فقال: ويجوزُ أنْ يُقالَ: حُمِل على ما يقعُ موقعَ "أينما تكونوا" وهو "أينما كنتم" كما حُمِل "ولا ناعبٍ" على ما يَقعُ موقعَ ليسوا مصلحين وهو "ليسوا بمصلحين" فرُفَع كما رفعَ زهير:
وَإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألة ........ . . . ... يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ
وهو قولٌ نحْويٌّ منسوبٌ لِسيبويْهِ، فكأنه قال: "أينما كنتم" وفعلُ الشرط إذا كان ماضياً لفظاً جازَ في المضارعِ الرفعُ والجزمُ كقول زهير: في البيت السابق. وفي رفعه الوجهان المذكوران عن سِيبويْهِ والمُبرِّدِ.
وقالوا "لو كنتم" بمعنى "إنْ كنتم" وجوابُها محذوف أي: لأدْرَكَكم. والجملة الامتناعيَّةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، أي: أينما تكونوا مِنَ الأَمكِنةِ يُدركْكم الموتُ، ولو كانت حالُكم أنَّكم في هذه البروج فيُفْهَمُ أنَّ إداركَه لهم في غيرِها بطريقِ الأَوْلى والأَحْر، وقريبٌ منه: "أعطُوا السائلَ ولو على فرسٍ" والجملةُ الشرطية تحتمل وجهين، أحدُهما: أنَّها لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها استئنافُ إخبارٍ، أخبر تعالى أنه لا يفوتُ الموتَ أحدٌ ومنه قولُ زهير:
ومَنْ هابَ أسبابَ المنايا يَنَلْنَه ............ ولو رامَ أسباب السماء بسُلَّمِ
والثاني: أنَّها في محلِّ نصبٍ بالقول قبلَها أي: قُلْ متاعُ الدنيا قليلٌ، وقل أيضاً: أينما تكونوا.
والجمهورُ على "مُشَيَّدة" بفتحِ الياءِ اسمُ مفعولٍ. وقرأ نعيم بن ميسرة بكسرِها، نسَبَ الفعلَ إليها مجازاً كقولهم: "قصيدةٌ شاعرة"، والموصوفُ بذلك أهلُها، وإنَّما عَدَلَ إلى ذلك مبالغةً في الوصف.
والبُروج: الحصونُ مأخوذةٌ من "التبرُّج" وهو الإِظهارُ، ومنه: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ} النور: 60، والبَرَجُ في العينِ سَعَتُها، ومنه قولُ ذي الرِّمَّةِ:
بيضاءُ في بَرَجٍ صفراءُ في غَنجٍ ............ كأنَّها فِضةٌ قد مَسَّها ذَهَبُ
وقولهم: "ثوبٌ مُبَرَّجٌ" أي: عليه صُوَرُ البُروج كقولهم: "مِرْطٌ مُرَجَّل"
أي: عليه صورُ الرجال، يُروى بالجيم والحاء. والمُشيَّدةُ: المصنوعةُ
بالشِّيدِ وهو الجِصُّ، ويقال: "شادَ البناءَ وشَيَّده" ضَعَّفَ عينَ الفعلِ للتَكثير. ومِن مجيءِ "شاد" قولُ الأسود:
شادَه مرمراً وجَلَّله كِلْـ ......................... ـسَاً فلِلطّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ
ويُقالُ : "أشاد" أيضاً فيكون فَعَل وأَفْعل بمعنى.
ووقفَ أبو عَمْرٍو والكسائيُّ بِخلافٍ عنْه على "ما" في قولِه "فما لهؤلاء" وفي قوله: {مَالِ هذا الرسولِ} الفرقان: 7. وفي قولِه: {مَالِ هذا الكتابِ} الكهف: 49، وفي قولِه: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ} المعارج: 36. والباقون على اللام التي للجرِّ دون مجرورِها إتِّباعاً للرسم، وهذا يَنبغي أنْ لا يَجوزَ أعني الوقفين لأنَّ الأوَّل يُوقَفُ فيه على المبتدأِ دونَ خبرِه، والثاني يُوقف فيه على حرفِ الجَرِّ دونَ مَجرورِه، وإنَّما يجوزُ ذلك لِضرورةِ انقطاعِ النفَسِ أو ابتلاءٍ.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فيض العليم ... سورة النساء، الآية: 78

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الخميس مايو 30, 2013 9:45 am

ورد "ابتلاء" بدلاً من "ابتداء" الكلمة الأخيرة فاقتضى التنبيه
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى