فيض العليم ... سورة النساء، الآية: 80

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم ... سورة النساء، الآية: 80

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الجمعة مايو 31, 2013 6:55 pm

مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا. (80)
قولُهُ ـ عزَّ وجلَّ: {مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} بَيانٌ لأَحكامِ رسالتِه ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ ـ إثْرَ بيانِ تَحَقُّقِها، وإنَّما كان كذلك لأنَّ الآمِرَ والناهيَ في الحَقيقةِ هو الحقُّ ـ سبحانَه، والرَسولُ إنَّما هو مُبلِّغٌ للأمْرِ والنَهْيِ، فليستِ الطاعةُ لَهُ بالذَّاتِ، إنَّما هيَ لِمَنْ بَلَّغَ عنْه، وذلك أمرٌ منطقيٌّ؛ لأنَّه رسولٌ، فمَن أطاعَ الرَّسولَ أطاعَ من أرسلَه وهو الله ـ سبحانه وتعالى. وهذا فيما يخصُّ الرسالةَ التي أُمِرَ بتبليغِها والمُتَعَلِّقَةِ بالأحكامِ والعباداتِ والمُغيَّباتِ ونواميسِ الكونِ، أمَّا في المَسائلِ الدنيويَّةِ الخاضعةِ لتجربة البشر فإنّه ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ تَرَكَ لَنا النَّظَرَ فيها وإخضاعها للخبرات الإنسانية المتراكمة عبر العصور، والتي مصدرها التجارب.
ولقد قسَّمَ الإمامُ الغزاليُّ رَحِمَهُ الله: العلومَ إلى أربعةِ أقسامٍ هي:
1ـ علومٌ تَجْريبيَّةٌ: كالطُبُّ، الذي يأتينا كلَّ يومٍ بجديدٍ، نتيجةً للتَجاربِ، والطبيبُ الحقيقيُّ هو الذي يُتابِعُ الدوراتِ، ونتائجَ المؤتمراتِ والأبحاث؛ لأنها تتجدَّدُ بباستمرارٍ.
2 ـ وعلومٌ عقليَّةٌ: كالرياضيَّاتِ، فإنَّ لها قواعد ثابتة لا تختلف أبدًا، وإذا حَصَلَ فيها خَطأٌ فهو من العَقلِ الذي يُجْريها.
3 ـ عُلومٌ ظنيَّةٌ: كالذي يُقالُ عن مواقعِ النُّجومِ وعن سَيْرِها وعن أفلاكِها فهذا كلُّه مبنيٌّ على الظَن، وقد تَبلُغُ الظَنِّيَّاتُ حَدَّ العِلْمِ بِوجودِ الأدواتِ الحديثةِ التي تساعدُ على اكتشافِ بعض الحقائقِ العلميّةِ.
4 ـ أما القسم الرابع فهو علومُ الإلهيّاتِ: فطَريقُها التَوَقُّفُ والنَقْلُ الصحيحِ عنِ المَعصومِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكلُّ ما يتعلَّقُ بالإلهيّاتِ مِنْ الأُمورِ المُغيَّبةِ؛ فما كان غيْبًا فلا يُمكنُ معرفتُه لا بالتَجْرُبةِ ولا بالظَنِّ ولا بالعَقْلِ، ولكن بالنَصِّ الإلهي مِنَ الوَحْيِ، سواءً كان مِنْ كتابٍ أوْ مِنْ سُنَّةٍ.
ومن العلم التجريبي علم الزراعةِ فهو خاضع للتجربة فهو من القسم
الأول، وفي حادثةِ "تأبيرِ النَّخْلِ" تلقيحِهِ، المشهورة التي رواها مُسلِمٌ عن كلِّ من السيدة عائشة أم المؤمنين وأنسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهما أنَ رسولَ الله ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم ـ مرَّ بقومٍ على رُؤوسِ النخلِ: فقال: ((ما يَصنعُ هؤلاء؟))، فقالوا: يُلقِّحونَه، يَجعلون الذَّكرَ في الأثنى فَتَلْقَحُ، فقال ـ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((ما أَظُنُّ يُغْني ذلكَ شيئًا)). فلمَّا أُخبِروا بقولِ الرسولِ تَركوا تَلقيحَ النخلِ، فقالَ النبيُّ: ((إنْ كان ينفعُهم ذلك فلْيَصْنَعوه، فإنّي إنَّما ظَنَنْتُ ظَنًّا فلا تُؤاخذوني بالظَنِّ، ولكنْ إذا حَدَّثتُكم عَنِ اللهِ شيئًا فخُذوا بِه فإنِّي لَنْ أَكذِبَ على اللهِ عَزَّ وجَلَّ)). وفي روايةٍ أُخرى: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)). وفي روايةٍ قال: ((أنتم أعلمُ بأمرِ دنياكم)). والروايةُ الأُولى هي الأصحُّ فالإمامَ مسلمٌ ـ رضي اللهُ عنه ـ كان يُرَتِّبُ الرواياتِ الأصحَّ فالأصحَّ. إذًا فالرِوايةُ الأصحُّ أنَّ النبيَّ لم يَقُلْ ((أنتمْ أعلمُ بأمرِ دُنْياكم)). وحاشاه أنْ يَقول ذلك وقدْ عَلَّمَهُ العليمُ الحكيم؟ قال تعالى: {وعَلَّمَك ما لم تَكن تعلم وكان فضلُ الله عليك عظيمًا} النساء: 113. عَلِمْنا ذلكَ مِنِ اخْتِلافِ الرواياتِ، فهذه الروايةُ الأخيرةُ في سَنَدِها حَمَّاد بْنُ سَلَمةَ ولَهُ ـ رحِمَهُ اللهُ ـ في آخرِ حياتِه أوهامٌ كثيرةٌ. فقد جاءَ في الجزءِ الثاني، صفحة /272/ مِنْ كتابِ الأعلامِ للزِرْكِلِي ما نَصُّه: "كان حافظًا ثقةً مأمونًا، إلَّا أنَّه لَمَّا كَبُرَ ساءَ حِفْظُهُ فتَركَه البُخاريُّ، وأمَّا مُسْلِمٌ فاجْتَهدَ
وأَخَذَ مِنْ حديثِه بعضَ ما سُمِعَ منْه قبلَ تَغَيُّرِه".
وبهذا يُعلم أنَّ ما جاء في حديث التأبيرِ لم يكن نهيًا أو أمراً أو سُنَّةً أو نَدْباً، وهذا ضابطٌ مُهِمٌ في الفِقْهِ. فقد قال ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ منذُ البدايةِ ((ما أظنُّ))، ولم يَنْهَهُم. ثمَّ أَكَّدَ على هذا البيانِ مرَّةً أُخرى حينَ بَلَغَه ما بَلَغَه، فقال: ((فإنّي إنَّما ظَنَنْتُ ظنًّا فلا تُؤاخِذوني بالظَنِّ)). فالله الذي رَضيَ لنا الإسلامَ دِينًا إلى يومِ القيامةِ، أَعْلَمُ بأمورِ ديننا ودنيانا منَّا.
أمّا معنى الحديثِ فهو كحديثِ الذِراعِ الذي رَواه الأئمَّةُ بسندٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ طَبَخَ لِلنَّبِيِّ، فَقَالَ لَهُ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((نَاوِلْنِي ذِرَاعَهَا)) ـ وَكَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ ـ فَنَاوَلَهُ الذِّرَاعَ، ثُمَّ قَالَ: ((نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ))، فَنَاوَلَهُ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: ((نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ))، فَقالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ؟ فَقَالَ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، أَنْ لَوْ سَكَتَّ، لَأُعْطِيتُ أَذْرُعًا مَا دَعَوْتُ بِهِ)). أيْ لو سَلَّمَ لِأَمْرِ النَبِيِّ ـ صلى اللهُ عليْه وسلَّمَ ـ لَوَجَدَ بَركةَ ذلك رِزْقًا مِنْ عِنْدِ اللهِ. ومِثْلُ ذلكَ يقالُ عنِ التَأبيرِ. ومثلُهُ حديثُ العَسَلِ فقد جاءَ في الصحيحيْن عن أبي سعيدٍ الخِدْرِيِّ: أنَّ رجلاً جاءَ إلى الرسولِ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ فقال: إنَّ أَخي اسْتُطْلِقَ بطْنُه، فقالَ: ((اسْقِهِ عَسَلاً)). فذهَبَ فسقاهُ عَسَلاً. ثمَّ جاءَ، فقال: يا رسولَ اللهِ سقيتُه عَسَلاً فما زادَه إلَّا اسْتِطْلاقًا؛ قال: ((اذْهَبْ فاسْقِه عَسَلاً))، فذهبَ فسَقاه عَسَلاً ثمَّ جاءَ، فقال: يا رسولَ اللهِ ما زَادَه إلَّا اسْتِطْلاقاً. فقال رسولُ الله: ((صدَق اللهُ وكذبَ بطْنُ أخيكَ))؛ فذَهَبَ فسَقاهُ عَسَلاً فَبَرئ.
ومما يُستَفادُ مِنْ حديثِ التأبيرِ أنَّ المُرادَ نفيُ استمرارِ عِلمِهِ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ الغيبَ وأنَّه صادقٌ في البَلاغِ عنِ اللهِ ولو كان على نفسِهِ.
ثمَّ إنَّه ـ صلى الله عليه وسَلَّمَ ـ أرسلَهُ ربُّه هاديًا ومربِّيًا ومعلِّمًا وقدوةً لنا، في الأمور كلِّها ولذلك فإنّ الله زوجه من "زينب" طليقةِ ابنه بالتبنِّي "أسامة بن زيد"، عندما أرادَ ـ سبحانه ـ أنْ يُحِلَّ ما كانت العرب تحرمه جاهليتها، كما كان قدوة لنا في الشورى والأخذ برأي ذوي الخبرة، وذلك في غزوةِ بدرٍ الكبرى عندما نَزَلَ ـ صلى الهك عليه وسلم ـ منزلًا وارتأى أحد أصحابه منزلاً آخر أفضل منه بحسب ما تقتضيه الخطط العسكرية، وهنا أيضًا أعطانا ـ صلى الهأ عليه وسلم ـ درساً عَمَليًّا آخَرَ بالأخذَ بما أَعطتْه الخُبرةُ والتَجربة في ميْدان الزراعة، لا لِنَقْصٍ في عِلْمِه ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ في هذا الميدان، فهو ابنُ هذه البيئة ويَعرِفُ مثلَ هذه الأُمورِ معرفةً تامَّةً، ولكنَّه أَرادَ أنْ يُعطينا درساً آخَرَ في احترامِ العلم التَجريبي والأخذِ برأيِ ذوي الخبرة.
وفي هذِه الآية الكريمة ـ أيضًا ـ مِنَ النداءِ بشرَفِ رَسولِ اللهِ وعُلُوِّ شأنِه وارْتفاعِ مَرْتَبَتِهِ ما لا يُقادَرُ قدْرُهُ ولا يُبْلَغُ مَداهُ.
وفي بعضِ الآثارِ عن مُقاتِل، أنَّ النَبيَّ ـ صلى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ ـ كان يقول: ((مَن أَحَبَّني فقد أَحَبَّ اللهَ تَعالى، ومَن أَطاعَني فقد أَطاعَ اللهَ ـ تعالى)). فقال المُنافِقون: أَلا تَسمَعون إلى ما يَقولُ هذا الرجلُ لقد قارَفَ الشِرْكَ، وهو نَهى أَنْ يُعْبَدَ غيرُ اللهِ ـ تعالى ـ ما يُريدُ إلَّا أَنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كما اتَّخَذَتِ النَّصارَى عيسى ـ عليْه السلام ـ فَنَزَلَتْ). فالمُرادُ بالرَسولِ نَبيُّنا ـ صلى اللهُ عليْه وسلَّمَ، والتعبيرُ عنه بِذلكَ ووَضْعُهُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ للإشعارِ بالعِلِّيَّةِ، وقيلَ: المُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ويَدخُلُ فيه نَبِيُّنا ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ دُخُولًا أَوَّليًّا، ويَأباهُ تَخصيصُ الخِطابِ في قولِه ـ تَعالى: {وَمَن تولى فَمَا أَرْسلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} وجَعَلَهُ مِنْ بابِ الخِطابِ لِغيرِ مُعَيَّنٍ خِلافَ الظاهِرِ. أيْ ومَن أَعرضَ عنِ الطاعةِ فأَعْرِضْ عنْه لأَنّا إنَّما أَرسلناكَ رَسولًا مُبلِّغًا لا حَفيظًا مُهَيْمِنًا تَحفَظُ أَعمالَهم عليْهم وتُحاسِبُهم عليْها. ونَفيُ كونِهِ حفيظًا أيْ مُبالِغًا في الحِفْظِ دون كونِه حافظًا لأنَّ الرِسالةَ لا تَنْفَكُّ عنِ الحِفْظِ فتبليغُ الأَحكامِ فيه حفظٌ عنِ المَعاصي والآثامِ.
قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} مَنْ: شَرطيّةٌ وجَوابُ الشرطِ محذوفٌ، والمذكورُ تعليلٌ له.
وقولُه: {أرسلناك عليهم حَفِيظاً} حفيظًا: حالٌ مِن كافِ "أرسلناك" أو مفعولٌ ثانٍ. و"عليهم" متعلِّقٌ بـ "حفيظاً". وقُدِّمَ رِعايَةً للفاصلَةِ.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى