فيض العليم ... سورة النساء، الآية: 96

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم ... سورة النساء، الآية: 96

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الجمعة يونيو 07, 2013 11:31 pm

دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
(96)
وَهَذَا الأَجْرُ العَظِيمُ الذِي وَعَدَ اللهُ بِهِ المُجَاهِدِينَ، وَفَضَّلَهُمْ بِهِ عَلَى القَاعِدِينَ مِنْ ذَوي الأعْذَارِ، هُوَ دَرَجَاتٌ مِنْهُ، وَمَنَازِلُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ الكَرَامَةِ، وَالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَكَانَ اللهُ غَفُوراً لِذُنُوبِ أَوْلِيَائِهِ، رَحِيماً بِأَهْلِ طَاعَتِهِ.
أخرجَ مسلمٌ وأبو داوود والنَّسائي عن أبي سعيدٍ ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ قال: ((مَنْ رضيَ باللهِ تعالى ربًّا وبالإسلامِ ديناً وبِمُحَمَّدٍ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ رسولاً وَجَبَتْ له الجَنَّةُ)). فعَجِبَ لها أبو سعيدٍ فقال: أعِدْها عليَّ يا رسولَ اللهِ فأعادها عليْه، ثمَّ قال ـ صلى الله عليه وسلَّمَ: ((وأُخرى يَرفعُ اللهُ تعالى بِها العبدَ مئةَ درجةٍ في الجنَّةِ ما بيْن كلِّ درجتيْن كما بيْن السماءِ والأرضِ)). قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: ((الجهادُ في سبيلِ اللهِ تعالى))، وعنِ السُدِّيِّ أنَّها سَبْعُمِئةٍ. وعن عبد الله بنِ زيدٍ أنَّ المُرادَ بالدرجات ما ذُكر في آيةِ براءة قولِه ـ سبحانه: {لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} التوبة: 121.
قيلَ بأنَّه أفردَ الدَرَجَةِ أوَّلًا لأنَّ المُرادَ هناكَ تفضيلُ كلِّ مجاهدٍ، والجمعُ ثانيًا لأنَّ المُرادَ فيه تفضيلُ الجَمعِ، ففي الدرجاتِ مقابلةُ الجمعِ بالجمعِ، فلِكلِّ مُجاهِدٍ درجةٌ، وقيل للاختلافِ بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات، على أنَّ المُرادَ بالتفضيلِ الأوَّل ما خوَّلهم اللهُ تعالى عاجلاً في الدنيا مِن الغَنيمةِ والظفرِ والذِكْرِ الحَسَنِ الحقيقِ بكونِه درجةً واحدةً، وبالتفضيل الثاني ما ادَّخَرَه ـ سبحانَه ـ لهم مِنَ الدرجاتِ العاليةِ والمَنازِلِ الرفيعةِ المُتعالِيةِ عن الحصرِ كما يُنبئ عنه تقديمُ الأوَّلِ وتأخيرُ الثاني وتوسيطُ الوعدِ بالجنَّة بينَهما، كأنَّه قيل: فضَّلَهم عليهم في الدنيا دَرَجةً واحدَةً، وفي الأُخرى درجاتٍ لا تُحْصى، وقد وسّطَ بينَهما في الذِكرِ ما هو متوسِّطٌ بينَهما في الوُجودِ أَعني الوَعدَ بالجَنَّةِ توضيحاً لِحالِهِما ومسارعةً إلى تسلِيةِ المَفضولِ. ولا تَدُلُّ الآيةُ نصًّا على حُكْمِ أُولي الضَرَرِ بناءً على التفسيرِ المَقبولِ عندنا، نعم في بعضِ الأحاديثِ ما يُؤذِنُ بِمُساواتِهم للمُجاهدين، فقد صحَّ مِن حديثِ أنسٍ ـ رضيَ اللهُ تعالى عنه ـ أنَّ رسولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليْه وسلَّمَ ـ لمّا رَجَعَ مِنْ غَزوةِ تَبوك فدَنا مِنَ المدينةِ قال: ((إنَّ في المدينةِ لأقواماً ما سِرْتمْ مِنْ سَيْرٍ ولا قَطَعْتُم مِنْ وادٍ إلَّا كانوا معكم فيْه)). قالوا: يا رسولَ اللهِ وهم بالمَدينةِ؟ قال: ((نعم وهم بالمدينةِ حَبَسَهُمُ العُذرُ)) وعليْه دَلالةُ مَفهومِ الصِفَةِ والاستثناءِ في {غَيْرُ أُوْلِى الضَرَرِ} النساء: 95، وعن الزجّاجِ أنَّه قال: إلّا أُولوا الضَرَرِ فإنَّهم يُساوون المُجاهدين، وعن بعضِهم إنَّ هذه المُساواةُ مشروطةٌ بشرط آخر غيرِ الضرَرِ قد ذُكِرَتْ في قولِه تعالى: {ليسَ عَلَى الضعفاءِ وَلاَ على المرضى} إلى قولِه سبحانَه: {إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}. التوبة: 91. والذي يشهدُ لَه النقلُ والعقلُ أنَّ الأَضِرَّاءَ أفضلُ مِنْ غيرِهم درجةً كما أنَّهم دون المُجاهدين في الدَرَجَةِ الدُنْيَويَّةِ، وأمَّا إنَّهم مُساوون لهم في الدَّرَجةِ الأُخرويَّةِ فلا قطع بِه، والآيةُ على ما قالَه ابْنُ جُريْجٍ تدُلُّ على أنَّهم دونَهم في ذلك أيضاً.
وقد أخرجَ ابْنُ المُنذِرِ مِنْ طريق ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكتومٍ كان بعدَ نُزولِ الآيةِ يَغزو، ويقول: ادفعوا إليَّ اللواءَ وأقيموني بيْن الصفَّيْن فإنّي لَنْ أَفِرَّ، وأخرجَ ابنُ منصورٍ عن أنس بنِ مالك أنَّه قال: لقد رأيتُ ابنَ أمِّ مكتوم بعد ذلك في بعضِ مَشاهِد المسلمين ومعه اللواءُ، ويُعلَمُ مِن نفيِ المُساواةِ في صدرِ الآيةِ المُستلزِمِ للتَفضيلِ المُصرّحِ به بَعدُ بيْن المُجاهدِ بالمالِ والنفسِ والقاعدِ نفيُها بين المجاهدِ بأحدِهما والقاعِدِ؛ واحتمالُ أنْ يُرادَ مِنَ الآيةِ نفيُ المُساواةِ بيْن القاعِدِ عن الجهادِ بالمالِ والمجاهدِ بِه وبين القاعدِ عن الجِهادِ بالنفسِ والمجاهدِ بِها بأنْ يَكونَ المُرادُ بالمجاهدين في سبيلِ اللهِ بأموالِهم وأنفُسِهم المجاهدين فيه بأموالِهم، والمُجاهدين فيه بأنفسِهم وبالقاعدين أيضاً قِسمَي القاعِدِ، ويكونُ المُرادُ نفيُ المُساواةِ بيْن كلِّ قسمٍ مِن القاعدِ ومقابِلِه بعيدٌ جدّاً، ومَنْ فضَّلَ الغِنى على الفقرِ بناءً على أنَّه ـ سبحانه ـ فضَّلَ المجاهدَ بمالِه على المجاهدِ بغيرِ مالِه، ولا شكَّ أنَّ الدرجةَ الزائدةَ من الفضلِ للمجاهدِ بمالِه إنّما هي مِن جهةِ المالِ، واستدلّوا بها أيضاً على تفضيلِ المجاهدِ بمالِ نفسِه على المجاهدِ بمالٍ يُعطاه من الديوان ونحوِه.
وقولُه: {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} تذييلٌ مقرَّرٌ لِما وَعدَ ـ سبحانه ـ من قبل.
قوله تعالى: {دَرَجَاتٍ} فيه ستة أوجه: الأربعة المذكورة في "درجة"،
من الآية السابقة، والخامس: أنَّه بدلٌ من "أجراً" السادس: أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ على أنْ يكون تأكيداً للأجرِ كما تقول: "لك عليَّ ألفُ درهمٍ عُرْفاً" كأنَّك قلتَ: أَعرِفُها عُرْفاً، وفيه نظر. "مِنْهُ" متعلِّقٌ بمحذوفٍ، وقعَ صفةً لِدَرَجاتٍ دالَّةً على فخامتِها وعُلُوِّ شأنِها.
وقولُه: {ومغفرة ورحمة} مَغْفِرَة: عطف على "درجات" الواقع بدلاً من "أَجْراً" النساء: 95. بدلَ الكُلِ إلَّا أنَّ هذا بدلَ البَعضِ منْه لأنَّ بعضَ الأجرِ ليس مِن بابِ المَغفِرةِ، أيْ ومغفرة عظيمة لما يَفرُطُ منهم من الذُنوبِ التي لا يُكفِّرُها سائرُ الحَسَناتِ التي يأتي بها القاعدون، فحينئذ تعدُّ من خصائصِهم، و"وَرَحْمَةً" عطفٌ عليْه أيْضاً وهو بدلُ الكُلِ مِن "أَجْراً"، ويَجوزُ فيهما النَّصبُ بِفِعْلِهِما أي: وغفرَ لهم مغفرةً ورَحِمَهم رحمةً.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى