فيض العليم ... سورة المائدة، الآية: 68

اذهب الى الأسفل

فيض العليم ... سورة المائدة، الآية: 68

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في السبت سبتمبر 21, 2013 9:41 am

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (68)
قولُهُ تبارك وتعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ} هذا الخطابُ لِسَيِّدِنا رسولِ اللهِ مُحَمَّدٍ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ أي قل يا محمَّدُ لأهل الكتاب هؤلاء مِنَ اليهودِ والنَصارى، لَسْتُمْ عَلَى شَيءٍ يَعْتَدُّ بِهِ ويُقامُ لهُ وَزْنٌ مِنْ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالهُدَى المُرْتَضى عندَ اللهِ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا بِأَيْدِيكُمْ مِنَ الكُتُبِ المُنْزَلَةِ، وَتَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا، وَمِنْهَا الإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ، وَالأَمْرُ بِاتِّبَاعِهِ، وَالإِيمَانِ بِمَبْعَثِهِ، وَالاقْتِدَاءِ به العملِ بِشَرِيعَتِهِ.
والتعبير بقوله ـ تعالى: "لَسْتُمْ على شَيْءٍ" فيهِ ما فيه مِنَ الاسْتِخفافِ بهم، والتهوينِ مِنْ شأنِهم، والتحقيرِ لَهم والتَقليلِ لِما هُمْ عليْه. وذلك كما يقولُ القائلُ عنْ أمرٍ مِنَ الأُمورِ: هذا الأمرُ ليسَ بِشَيْءٍ، يُريدُ تَحقيرَهُ وتَصْغيرَ شأنِه. فهذه الجُملةُ الكريمةُ تَنْفي عنهم أَنْ يَكونَ في أَيديهم شيءٌ مِنَ الحَقِّ والصَوابِ ما داموا لم يُؤمنوا بالنبيِّ ـ صلى اللهُ عليْه وسَلَّم ـ الذي بَشَّرَتْ بِهِ التَوراةُ والإِنجيلُ، وهذا منهم كفرٌ بِها وجحودٌ بما أُمِروا فيها.
قولُهُ: {حتى تقيموا التوراة والإنجيل} أيْ: حتَّى تَعمَلوا بِما فيهِما مِنْ أَوَامِرِ اللهِ ونَواهيهِ التي مِنْ جُمْلَتِها ما أَمَرَكم بِهِ مِنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ـ صلى اللهُ عليْه وسَلَّمَ ـ وما نَهاكم عنه من مُخالَفَتِه.
قولُهُ: {وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} وهو القرآن الكريم، وهذا دليلٌ واضحٌ على تكليفهم بما شرع الله في القرآن الكريم وأنهم مسؤولون أمام الله عن تطبيقِ تعاليمه، فهو منزَّلٌ عليهم، وكفرهم به كفرٌ بالذي نَزَّله ـ سبحانه وتعالى.
قَوْلُهُ: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا} أَيْ يَكْفُرُونَ بِهِ فَيَزْدَادُونَ كُفْرًا عَلَى كُفْرِهِمْ. وَالطُّغْيَانُ تَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي الظُّلْمِ وَالْغُلُوِّ فِيهِ. وَذَلِكَ أَنَّ الظُّلْمَ مِنْهُ صَغِيرَةٌ وَمِنْهُ كَبِيرَةٌ، فَمَنْ تَجَاوَزَ مَنْزِلَةَ الصَّغِيرَةِ فَقَدْ طَغَى. وَمِنْهُ قولُه تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى} العلق: 6. أَيْ يَتَجَاوَزُ الْحَدَّ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْحَقِّ. والمُرادُ بالكَثيرِ منهم مَنْ لم يُسْلِمْ واسْتَمَرَّ على المُعاندةِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنْهم، وتَصديرُ هذِه
الجملةِ بالقِسِمِ لتأكيدِ المعنى.
قَوْلُهُ: {فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ} تَذييلٌ قُصِدَ بِه تَسْلِيَتُه ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ ـ أَيْ لَا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ. و"لا تأسَ" مِنَ أَسِيَ يَأْسَى أَسًى إِذَا حَزِنَ. قَالَ العَجّاجُ:
صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا؟ ............... قَالَ: نَعَمْ! أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا
وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الْأَسَى ............... وَكِيْفَ غَرْبَيْ دالجٍ تبجَّسا
الرَّسْمُ: الأثرُ يبقى في المكانِ بعد رحيل ساكنيه. والكَرَسُ: الطِّينُ المُتَلَبِّدُ. وأَبْلَسا: من الإبْلاسِ وهوَ الهَمُّ والحُزْنُ. وانْحَلَبَتْ عَيناه: أي سالَ دمعُهما وتتابع. والوكيف: الإنصبابُ بغزارة. وغربيْ: مثنّى غَرْبٍ وهو الدَلْوُ. والدالجُ: هو الذي يسير بالدلوِ إلى الحوض. وتبَجَّسَ: تفجّر.
وَهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَيْسَتْ بِنَهْيٍ عَنِ الْحُزْنِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ تَسْلِيَةٌ وَنَهْيٌ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْحُزْنِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي آخِرِ سورةِ (آل عمران) مستوفًى.
وجاء في سببِ نُزولِ هذه الآيةِ ما أَخرَجَه ابْنُ إسحاقَ وابْنُ جَريرٍ وغيرُهما عنِ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما أنَّه قال: جَاءَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ (فيهم رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حريملة) إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالُوا: أَلَسْتَ تُقِرُّ أَنَّ التَّوْرَاةَ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ قَالَ: بَلَى، ولكنَّكم أَحدثتم وجَحَدتُم ما فيها مِمَّا أُخِذَ عليكم مِنَ الميثاقِ وكَتَمْتُمْ مِنْها ما أَمَركم أَنْ تُبَيِّنوهُ للنَّاس، فبَرِئتْ مِنْ إحْداثكم. قالوا: فإنْ لَمْ تَأخُذْ بِما في أَيْدينا فإنَّا على الحَقِّ والهُدى ولا نُؤمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ، فَإِنَّا نُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نُؤْمِنُ بِمَا عَدَاهَا. فأَنْزَلَ اللهُ: "قُلْ يا أهلَ الكتابِ لَسْتُمْ على شَيْءٍ ..} الآية.
قولُه تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} جملةٌ مُستأنفةٌ مُبيِّنةٌ لِغُلُوِّهم في العِنادِ والجُحودِ، وناعيةٌ عليهم عدمَ انْتِفاعِهم بِما يَشفي النُّفوسَ، ويُصلِحُ القلوبَ. والضَميرُ في قولِه: "منْهم" يَعودُ إلى أَهلِ الكِتابِ.
قولُه: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين} وضعٌ للمُظْهَرِ مَوضِعَ المُضْمَرِ للحكم عليهم بالرسوخ في الكفر.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى