فيض العليم ... سورة المائدة، الآية: 78

اذهب الى الأسفل

فيض العليم ... سورة المائدة، الآية: 78

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الخميس سبتمبر 26, 2013 7:53 am

لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (78)
قَوْلُهُ تَعَالَى شأنُه: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} لُعِنَ: أيْ لَعَنَهُمُ اللهُ، وبِناءُ الفِعلِ لِما لَمْ يُسَمُّ فاعلُه للجَرْيِ على سَنَنِ الكِبْرياءِ، واللَّعنُ هو الحِرْمانُ مِنْ لُطْفِ اللهِ وعِنايَتِهِ والطردُ من رحمته، وقد جاء الفعلُ "لُعِنَ" بالبِناءِ للمَجهولِ لأنَّ الفاعلَ معلومٌ وهو الله ـ سبحانه وتعالى ـ فالأنبياءُ لا يَلعنونَ أحَدًا إلَّا بإذنِ اللهِ ـ سبحانَه. ويجوزُ لَعْنُ الْكَافِرِينَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ. وَأَنَّ شَرَفَ النَّسَبِ لَا يَمْنَعُ إِطْلَاقَ اللَّعْنَةِ فِي حَقِّهِمْ. وَمَعْنَى "عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ" أَيْ لُعِنُوا فِي الزَّبُورِ وَالْإِنْجِيلِ، فَإِنَّ الزَّبُورَ لِسَانُ دَاوُودَ، وَالْإِنْجِيلَ لِسَانُ عِيسَى أَيْ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الْكِتَابَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقَاقُهُمَا. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا. لَعَنَهُمْ مَسَخَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ. قَالَ أَبُو مَالِكٍ الغفاريُّ: الَّذِينَ لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ مُسِخُوا قِرَدَةً. وهم أهلُ أيْلَةَ لَمَّا اعْتَدَوْا فى السَبْتِ فقالَ داوودُ ـ عليه الصلاةُ والسَّلامُ ـ اللّهمَّ الْعَنْهم واجْعَلْهم آيةً ومَثَلًا لِخَلْقِكَ فمُسَخُوا قِرَدَةً. وَالَّذِينَ لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ عِيسَى هُمُ الذين سألوه أنْ يُنَزِّلَ عليهم مائدةً مِنَ السَّماءِ بُرهانًا على صِدْقِ رِسالتِهِ فسأل ربَّه فأنزلها عليهم فأكلوا مِنَ المائدةِ ولم يؤمنوا، فقال عيسى ـ عليه السلامُ ـ اللَّهُمَّ الْعَنْهم كما لَعَنْتَ أصحابَ السبتِ واجْعَلْهم آيةً فمُسِخوا خَنازيرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الَّذِينَ لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ أَصْحَابُ السَّبْتِ، وَالَّذِينَ لُعِنُوا عَلَى لِسَانِ عِيسَى الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْمَائِدَةِ بَعْدَ نُزُولِهَا، وكانوا خمسةَ آلافٍ ليس فيهِمُ امرأةٌ ولا صَبِيٌّ، والفريقان من بني إسرائيل وكان داوودُ بعدَ موسى وقبلَ عيسى ـ عليهم السلام. وَرُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: لُعِنَ الْأَسْلَافُ وَالْأَخْلَافُ مِمَّنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى، لِأَنَّهُمَا أَعْلَمَا أَنَّ مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ فَلَعَنَا مَنْ يَكْفُرُ بِهِ.
قَوْلُهُ: {ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانوا يعتدون}. أيْ ذَلِكَ اللَّعْنُ بِمَا عَصَوْا، أَيْ بِعِصْيَانِهِمْ واعتدائهم المُسْتَمِرِّ، ويُنبِىءُ عن ذلك الاسْتِمرارِ الجَمْعُ بيْنَ صيغَتَيْ الماضي والمستقبل "عصوا" و"يعتدون". فالحقُّ ـ سبحانَهُ وتَعالى ـ يُعطي لِرسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسَلَّمَ ـ أُسْوَةَ تَصَبُّرِه على ما يُلاقيه مِنْ خُصومَةِ أهلِ الكِتابِ، وكأنَّه يَقولُ لَهُ: إنَّ هذا الأمرَ ليس بِدْعًا منهم وليس عَجيبًا؛ لأنَّ تاريخَهم الطويلَ حافلٌ بمثلِ هذا، فها هوذا موقِفُهم مِنْ نَبِيِّ اللهِ داوودَ، وكذلك مَوقِفُهم مِنْ رسولهِ عيسى ابْنِ مريمَ ـ عليهما السلامُ، وإنَّما هيَ طبيعةٌ فيهم، ويَبْسُطُ ـ سبحانَه ـ في التَسْرِيَةِ عن رَسولِه ـ صلى اللهُ عليْه وسَلَّمَ ـ فيقولُ في سورةٍ الأَنعامِ: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكنَّ الظالِمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ} سورة الأنعام، الآية: 33.
قولُه تعالى: {مِن بني إِسْرَائِيلَ} هذه الجُملةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحالِ، وصاحبُ الحال: إمَّا "الذين" وإمَّا واوُ الجماعة في "كفروا" وهُما واحدٌ.
وقولُه: {على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى} المرادُ باللِّسانِ الجارحةُ لا اللُّغةُ، يَعني أنَّ الناطقَ بِلَعْنِ هؤلاءِ هو لِسانُهما، وجاءَ قولُه: "على لِسَانِ" بالإِفرادِ دونَ التَثْنِيَةِ والجَمْعِ فلم يَقُلْ: "على لسانَيْ" ولا "على أَلسِنَةِ" لِقاعدةٍ كُلِّيَّةٍ، وهي: أنَّ كلَّ جُزأيْن مُفرَديْنِ مِنْ صاحِبَيْهِما إذا أُضيفا إلى كِلَيْهِما مِنْ غيرِ تَفريقٍ جازَ فيهما ثلاثةُ أَوْجُهٍ، لَفْظُ الجمعِ ـ وهو المُختارُ ـ ويَليهِ التَثْنِيَةُ عندَ بعضِهم، وعندَ بعضِهم الإِفرادُ مُقدَّمٌ على التَثْنِيَةِ، فيُقال: "قَطَعْتُ رؤوسَ الكَبْشَيْن" وإنْ شئتَ: رأسَيْ الكَبْشَيْن، وإنْ شئتَ: رأسَ الكَبْشَيْنِ، ومنه: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} التحريم: 4، وقلنا "جزأين" تحرُّزًا مِن شيئيْن لَيْسا بِجُزأيْنِ نحو: "دِرْهَمَيْكُما" وقد جاءَ: "مِنْ بُيوتِكُما وعَمائمِكُما وأَسيافِكُما" لأَمْنِ اللَّبْسِ، وقولنا: "مُفرَديْن" منْ نَحوِ: "العينيْن واليَدين" فأمَّا قولُه تعالى: {فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا} المائدة: 38. ففُهِم بالإِجماعِ. وقولنا: "من غيرِ تفريق" تحرُّزٌ مِن نحوِ: قَطَعْتُ رأسَيِ الكَبْشَيْنِ: السمينِ والكبشِ الهَزيل، ومنْه هذه الآيةُ فلا يَجوزُ إلَّا الإِفرادُ.
وقولُه: {ذلك بما عَصَوْا} كقولِه: "وكانُواْ يَعْتَدُونَ" وهذه الجملةُ الناقصةِ عطفٌ على صلةِ "ما" وهو "عَصَوْا" أي: ذلك بِسَبَبِ عِصيانِهم وكونِهم مُعتَدين. أو هي استئنافيَّةٌ، أي: أَخبَرَ اللهُ تعالى عنهم بذلك. ويُقَوِّي هذا ما جاءَ بعدَه كالشَرْحِ لَه، وهو قولُه: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عن منكرٍ فعلوه}.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى