فيض العليم ... سورة الأنعام، الآية: 3

اذهب الى الأسفل

فيض العليم ... سورة الأنعام، الآية: 3

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الأربعاء أكتوبر 30, 2013 12:00 pm

وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)
قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُهٌ: {وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ} وَهُوَ اللهُ الذِي يَعْبُدُهُ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَيَدِينُونَ لَهُ الالُوهِيَّةِ، رَغَبًا وَرَهَبًا، وَلا يَشُذُّ عَنْ ذلِكَ إِلاَّ مَنْ كَفَرَ مِنَ الإِنْسِ وَالجِنِّ، وَهُوَ تَعَالى يَعْلَمُ مَا يُسِرُّ الخَلْقُ وَمَا يُعْلِنُونَ، وَيَعْلَمُ جَمِيعَ مَا يَعْمَلُهُ الخَلْقُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍ، وَهُوَ يُحْصِيهِ عَلَيْهِمْ لِيُجَازِيَهُمْ عَلَيهِ يَوْمَ الحِسَابِ. أَيْ وَهُوَ اللهُ الْمُعَظَّمُ أَوِ الْمَعْبُودُ في السموات وَفِي الْأَرْضِ، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ الْخَلِيفَةُ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ أَيْ حُكْمُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المعنى وهو الله المُنْفَرِدُ بالتَدْبيرِ في السمواتِ وَفِي الْأَرْضِ، كَمَا تَقُولُ: هُوَ فِي حَاجَاتِ النَّاسِ وَفِي الصَّلَاةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ وَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَهُوَ اللهُ فِي السموات وَهُوَ اللهُ فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَهُوَ اللهُ يَعلمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في السمواتِ وفي الأرضِ فلا يَخفى عليْه شيءٌ، وقِيلَ: وَهُوَ اللهُ في السموات وَيَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَـ "يَعْلَمُ" فِي الْوَجْهَيْنِ مُقَدَّمٌ وَالْأَوَّلُ أَسْلَمُ وَأَبْعَدُ مِنَ الْإِشْكَالِ وقيل غير هذا. والقاعدةُ تنزيهُهُ ـ عَزَّ وجَلَّ ـ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ وَشَغْلِ الْأَمْكِنَةِ.
قولُه: {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} أَيْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. وَالْكَسْبُ الْفِعْلُ لِاجْتِلَابِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ وَلِهَذَا لَا يُقَالُ لِفِعْلِ اللهِ كَسْبٌ.
قوله تعالى: {وَهُوَ الله فِي السموات} فيه أقوالٌ كثيرةٌ منها أنَّ "هو" إمّا ضميرُ اسْمِ اللهِ تعالى يَعودُ على ما عادتْ عليْه الضمائرُ قبلَه. وإمّا ضميرُ القِصَّةِ، ولو أُعيدَ على اللهِ لَصارَ التقديرُ: اللهُ اللهُ، فتَرَكَّبَ الكلامُ مِنِ اسْميْنِ متَّحِدَيْن لَفظًا ومعنًى لا نِسْبَةَ إسناديةً بينَهُما. والضميرُ إنَّما هو عائدٌ على ما تَقَدَّمَ مِنَ المَوصوفِ بتلك الصفاتِ الجليلةِ وهي خَلْقُ السماواتِ والأرضِ، وجَعْلُ الظلماتِ والنُّورِ، وخَلْقُ الناسِ مِنْ طِينٍ إلى آخرها، فصار في الإِخبارُ بذلك فائدةً مِنْ غيرِ شَكٍّ، فعلى قولِ الجُمهورِ يكون "هو" مبتدأٌ و"الله" خبره، و"في السماوات" متعلق بنفس الجلالة لما تَضَمَّنَتْه من معنى العبادة كأنَّه قيلَ: وهو المعبودُ في السماوات، ومنه: {وَهُوَ الذي فِي السماء إله} الزخرف: 84. أو هو المعروف بالإِلهيَّة والمتوحِّد بالإِلهيَّة فيها، أو هو الذي يُقالُ لَهُ "الله" لا يَشْرَكُه في هذا الاسمِ غيرُه. لأنَّ هذا الاسْمَ الشريفَ فيهِ خِلافٌ: هل هو مشتق أو لا؟ فإنْ كانَ مُشْتَقًّا ظَهَرَ تَعَلُّقُ الجارِّ بِهِ، وإنْ كان ليس بمشتق: فإمَّا أنْ يكون منقولًا أو مُرْتَجَلًا، وعلى كِلا التقديريْن فلا يَعمَلُ؛ لأنَّ الأَعلامَ لا تَعمَلُ فاحْتَاجَ أَنْ يُتَأوَّلَ ذلك على كلِّ قولٍ مِنْ هذه الأقوالِ الثلاثةِ، فقولنا "المعبودُ" راجعٌ للاشْتِقاقِ، و"المعروفُ" راجعٌ لكونِه عَلَمًا مَنْقولًا، و"الذي يُقالُ لَهُ اللهُ" راجعٌ إلى كونِه مُرتجلًا، وثمَّةَ اعتراضٌ على ذلك منقولٌ عن الفارسيِّ، قال: وإذا جَعَلْتَ الظرفَ متعلِّقًا باسمِ اللهِ جازَ على قياسِ مَنْ يَقولُ إنَّ اللهَ أَصلُه الإِله، ومَنْ ذهبَ بهذا الاسْمِ الشريف مَذهَبَ الأَعلامِ وَجَبَ أَنْ لا يَتَعَلَّقَ بِهِ عِندَه إلَّا أَنْ تُقَدِّرَ فيه ضَرْبًا مِنْ مَعنى الفِعْلِ إلَّا أَنَّ أَبا البَقاءِ نَقَلَ عنْ أَبي عليٍّ أنَّه لا يَتعلَّق "في" باسمِ اللهِ لأنَّه صارَ بدُخولِ الأَلِفِ واللامِ، والتَغييرِ الذي دَخَلَه كالعَلَمَ، ولهذا قال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} مريم: 65. فظاهرُ هذا النقلِ أنَّه يُمْنَعُ التَعَلُّقُ بِه وإنْ كان في الأصلِ مُشْتَقًّا. وقالَ الزَجّاجُ: هو متعلِّقٌ بما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللهِ مِنَ المَعاني كقولِك: أَميرُ المؤمنينَ الخليفةُ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. قال ابْنُ عطيَّةَ: هذا عندي أَفضلُ الأَقوالِ وأكثرُها إحْرازًا لِفَصاحةِ اللَّفظِ، وجَزالةُ المعنى. وإيضاحُه أنَّه أرادَ أنْ يَدَلَّ على خَلْقه وآثارِ قُدرتِه وإحاطتِه واسْتيلائه نحو هذه الصِفاتِ، فَجَمع هذِه كلَّها في قولِه: "وَهُوَ الله" أي: الذي له هذه الصفات كلِّها في السماوات وفي الأرض، وكأنَّه قال: وهو الخالقُ والرازقُ والمُحْييِ والمُحيطُ .. في السماواتِ والأرضِ، كما تقول: "زيدٌ السُلْطانُ في الشامِ والعِراقِ" فلو قَصَدْتَ ذاتَ زَيْدٍ لَكانَ مُحالًا، فإذا كان مَقْصِدُ قولِك: زَيْدٌ الآمِرُ الناهي الذي يولِّي ويَعْزِلُ كان فصيحًا صحيحًا، فأقمتَ السَلْطَنَةَ مُقامَ هذه الصفاتِ، كذلك في الآيةِ الكريمةِ أَقمتَ "اللهَ" مَقامَ تلك الصفات.
قال التوحيدي: ما ذَكَرَهُ الزَجَّاجُ، وأوْضَحَه ابْنُ عَطيَّةَ صحيحٌ مِنْ حيثُ المعنى، لكنَّ صناعةَ النَحْوِ لا تُساعِدُ علْيه؛ لأنَّهُما زَعَما أنَّ "في السماوات" مُتعلِّقٌ باسْمِ اللهِ لِما تَضَمَّنه من تلك المعاني، ولو صَرَّحَ بتلك المَعاني لَمْ تعملْ فيه جميعُها، بلْ العملُ مِنْ حيثُ اللفظُ لِواحدٍ مِنْها، وإنْ كان "في السماوات" متعلِّقًا بجميعِها مِنْ حيثُ المعنى، بَلْ الأَوْلى أَنْ يتعلَّقَ بِلَفظِ "الله" لِما تَضَمَّنَه مِنْ مَعنى الأُلوهيَّةِ، وإنْ كان عَلَمًا لأنَّ العَلَمَ يَعْمَلُ في الظَرْفِ لِما يَتَضَمَّنُه مِنَ المَعنى كقول أبي المِنهالِ:
أنا أبو المِنْهالِ بعضَ الأحيانْ ................. ليس عليّ حَسَبي بضُؤْلان
وهذا البيتُ في لِسان العرب واحدٌ من ثلاثة أبيات لم يروَ غيرها
وقبله:
حَدَبْدَبَى بَدَبْدَبَى منْكُمْ، لانْ، .................... إنَّ بَني فَزارَةَ بنِ ذُبيانْ
قَدْ طرقَتْ ناقَتُهُمْ بإنْسانْ ................... مُشَنَّإٍ، سُبْحان رَبِّي الرحمنْ
حَدَبْدَبَى بَدَبْدَبَى: اسْمُ لُعْبَةٍ لِلنَّبِيط، الضُؤلانُ، التَضاؤلُ، ويُقال: تَضاءَلَ الرَّجُلُ أخْفَى شَخْصَه قاعِدًا وتَصَاغَرَ وذَلَّ وساءتْ حالُه وهو عليه ضُؤْلان أي كَلٌّ وحَسَبَهُ عليه ضُؤْلان إذا عِيبَ به. فـ "بعضَ" في البيتِ نَصْبٌ بالعَلَمِ لأنَّه في مَعنَى أنَا المَشهورِ. وقولُه: "لو صُرِّح بها لم تعملُ" ممْنوعٌ، بل تعمل ويكون عَمَلُها على سبيل التَنازُع، معَ أنَّه لو سَكَتَ عنِ الجَوابِ لَكانَ واضحًا.
وثمَّةَ وجْهٌ ثانٍ لِتَعَلُّقِ "في السموات" وهو أنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ هُو صِفَةٌ للهِ تعالى حُذِفَتْ لفَهْمِ المَعنى، فقدَّرَها بعضُهم، وهو اللهُ المَعبودُ، وبعضُهم: وهو اللهُ المُدبِّرُ، وحَذْفُ الصِفَةِ قَليلٌ جِدًّا لم يَرِدْ مِنْهُ إلَّا مَواضِعُ يَسيرةٌ على نَظَرٍ فيها، فمِنْها {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} الأنعام: 66. أي المعانِدون، {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} هود: 46. أي الناجين فلا يَنبغي أنْ يُحْمَلَ هذا عليه.
وقال النَّحاسُ، إنَّ الكلامَ تمَّ عندَ قولِه: "وَهُوَ اللهُ" والمَجرورُ متعلِّقٌ بمفعولِ "يَعْلَم" وهو "سِرَّكم وجَهْرَكم" أيْ: يَعْلَم سِرَّكم وجَهْركم فيهِما. وهذا ضعيفٌ جِدًّا لِما فيه من تقديمِ مَعمولِ المَصْدَرِ عليْه.
ووجهٌ رابعٌ بأنَّ الكلامَ تمَّ أيضًا عندَ الجَلالةِ، ويَتَعلَّقُ الظرفُ بِنَفْسِ
"يَعْلَمُ" وهذا ظاهرٌ، و"يَعْلَمُ" على هذينِ الوَجْهَيْنِ الأخيريْن مُستأنَفٌ.
وقالَ الطبريُّ: إنَّ الكلامَ تَمَّ عندَ قولِه: "فِي السمواتِ" فيَتعلَّقُ "فِي السموات" باسمِ اللهِ، على ما تقدَّمَ، ويتعلَّقُ "في الأرضِ" بـ "يَعلَمُ". قال أبو البَقاءِ وهو ضَعيفٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى معبودٌ في السماوات وفي الأرضِ، ويَعلم ما في السماواتِ وما في الأرضِ، فلا تَتَخَصَّصُ إحْدى الصِفتيْن بأَحَدِ الظَرفيْن. وهو رَدٌّ حَسَنٌ.
ووجهٌ سادسٌ بأنَّ "في السماواتِ" مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِنَ "سرَّكم" ثمَّ قُدِّمَتِ الحالُ على صاحبِها وعلى عاملِها.
وقيل: بأنَّه مُتعلِّقٌ بـ "يَكْسِبون" وهذا فاسدٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّه يَلْزَمُ منهُ تقديمُ معمولِ الصِلَةِ على الموصولِ؛ لأنَّ "ما" مَوصولةٌ اسْمِيَّةٌ أوْ حَرْفيَّةٌ، وأيضًا فالمُخاطَبون كيف يَكْسِبون في السماوات؟ ولو ذهبَ هذا القائلُ إلى أنَّ الكلامَ تَمَّ عندَ قولِه: "في السماوات" وعلَّقَ "في الأرض" بـ "يَكْسِبون" لَسَهُلَ الأمرُ مِنْ حيثُ المَعنى لا مِنْ حيثُ الصِناعةُ.
ووجهٌ ثامِنٌ: أنَّ "الله" خبرٌ أوَّل، و"في السماوات" خبرٌ ثانٍ. على معنى: أنَّه اللهُ وأنَّه في السماواتِ وفي الأَرضِ، وعلى معنى: أنَّه عالمٌ بما فيها لا يَخْفى عليْهِ شيءٍ، كأنَّه ذاتَه فيهِما.
التاسع: أنْ يَكون "هو" مبتدأ و"الله" بَدَلٌ منه، و"يَعْلَمُ" خبره، و"في السماوات" على ما تقدَّم.
العاشر: أنْ يكونَ "الله" بَدَلًا أيْضًا، و"في السماوات" الخبرُ.
والوجه الأخيرُ: أَنَّ "هو" ضميرُ الشأن في محلِّ رَفْعٍ بالابتداءِ، والجلالةُ مُبتَدأٌ ثانٍ، وخبرُها "في السماوات" بالمعنى المتقدَّم أو "يَعْلَمُ" والجُملةُ خبرُ الأوَّلِ مُفَسِّرةٌ لَه.
وأمَّا "يَعْلَمُ" فقد عَرَفْت من تفاصيلِ ما تقدَّمَ أنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ مستأنَفًا، فلا محلَّ "له"، أو في محلِّ رفعٍ خَبَرًا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحالِ، و"سِرَّكم وجهرَكم": يَجوزُ أنْ يكونا على بابهِما مِنَ المَصْدَريَّةِ ويكونان مُضافيْن للفاعِلِ. وأجازَ أبو البقاء أنْ يكونا واقعيْن مَوقِعَ المَفعولَ بهِ أيْ مُسَرَّكم ومَجْهوركم، واستَدلَّ بقولِه تعالى: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} البقرة: 77. ولا دليلَ فيه لأنَّه يَجوزُ أنْ تكونَ "ما" مصدريَّةٌ. و"ما" في "ما تكسبون" يحتملُ أنْ تَكون مصدريَّةً ـ وهو الأَليقُ لِمُناسَبَةِ المَصدَرَيْن قبلَها ـ وأنْ تكون بمعنى الذي.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 810
نقاط : 2405
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى