فيض العليم ... سورة الأنعام، الآية: 74

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم ... سورة الأنعام، الآية: 74

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 11:56 am

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74)
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} لمَّا سَلَّمَ سيدُنا إبراهيمُ، عليه السلامُ، قَلْبَهُ للعِرْفانِ ولسانَهُ لإقامةِ البرهانِ على فسادِ طريقِ أهلِ الشِرْكِ والطُغْيانِ، وأسَلَمَ بَدَنَهُ للنيرانِ، ووَلَدَهُ إسماعيلَ، عليه السلامُ، للقُرْبانِ، ومالَهُ لإكرامِ الضِيفانِ، ثمَّ سألَ ربَّهُ فقالَ: {واجعلْ لي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرين} الشعراء: 84. وَجَبَ في كرَمِ اللهِ تَعالى أن يجيبَ دعاءَهُ ويحقِّقَ رجاءه، فجَعَلَ جميعَ الطَوائفِ وأهلِ الأديانِ والمِلَلِ يعترِفون له بالفضلِ حتى أنَّ المُشركين أيضاً يُعَظِّمونَه ويَفْتَخِرونَ بكونهم مِنْ أولادِهِ، وجعلَ اللهُ تعالى مُناظَرَتَه لقومِهِ حُجَّةً على المشركين، ومنهم مُشركي قريش، فهو سبحانه يقول مخاطباً نبيّه عليه الصلاةُ والسلامُ: اذْكُرْ يا محمَّدُ لأهلِ مَكَّةَ قولَ إبراهيم لأبيه آزرَ موبخاً له على عبادةِ الأصنامِ، فإنَّ ذلك مما يُبَكِّتُهمْ، وكان أبوه مِنْ قريةٍ مِنْ سَوادِ الكُوفَةِ يقالُ لها كوثى، وتَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ واختلفوا فِي اسْمِ أَبيهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْجُوَيْنِيُّ الشَّافِعِيُّ الأَشْعَرِيُّ فِي النُّكَتِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ: وَلَيْسَ بين النَّاسِ اخْتِلافٌ، بأنَّ اسْمَ وَالِدِ إِبْرَاهِيمَ "تَارَحَ". وَالَّذِي فِي الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْمَهُ "آزَرَ". وَقِيلَ: "آزَرَ" عِنْدَهُمْ ذَمٌّ فِي لُغَتِهِمْ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَإِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا مُخْطِئُ "أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً". وَقِيلَ: "آزَرَ" اسْمُ صَنَمٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ أَتَتَّخِذُ "آزَرَ" إِلَهًا، أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً. ومَا ادَّعَاهُ مِنَ الاتِّفَاقِ لَيْسَ عَلَيْهِ وِفَاقٌ، فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالْكَلْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ: إِنَّ "آزَرَ" أَبُو إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السلامُ وهو "تارخ"، مِثْلَ إِسْرَائِيلَ وَيَعْقُوبَ، فَيَكُونُ لَهُ اسْمَانِ كما تَقَدَّمَ. وقالَ مُقاتِلٌ: "آزرَ" لَقَبٌ، و"تارِخُ" اسْمٌ: وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْقُشَيْرِيِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَكْسِ. قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ اسْمُ أَبِيهِ "آزَرَ". وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: هُوَ سَبٌّ وَعَيْبٌ، وَمَعْنَاهُ فِي كَلَامِهِمْ: الْمُعْوَجُّ. وَرَوَى الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهَا أَعْوَجُ، وَهِيَ أَشَدُّ كَلِمَةٍ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَعْنَى آزَرَ الشَّيْخُ الْهِمِّ الشيخ الفاني أو الهرم. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ صِفَةُ ذَمٍّ بِلُغَتِهم، كأنَّه قَالَ يَا مُخْطِئُ. أَوْ كَأَنَّهُ قَالَ: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ الْمُخْطِئِ، قال النَّحَّاسُ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: آزَرَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ آزَرَ فُلانٌ فُلانًا إِذَا عَاوَنَهُ، فَهُوَ مُؤَازِرٌ قَوْمَهُ عَلَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقُوَّةِ، وَالأَزْرُ الْقُوَّةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَيَمَانٌ: آزَرُ اسْمُ صَنَمٍ. والتَّقْدِيرُ: أَتَتَّخِذُ آزَرَ إِلَهًا، أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا. وَقِيلَ: فِي الْكَلامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، التَّقْدِيرُ: أَتَتَّخِذُ آزَرَ أَصْنَامًا. فَعَلَى هَذَا آزَرَ اسْمُ جِنْسٍ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ فِي كِتَابِ الْعَرَائِسِ: إِنَّ اسْمَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَبُوهُ تَارَحُ، فَلَمَّا صَارَ مَعَ النُّمْرُوذِ قَيِّمًا عَلَى خِزَانَةِ آلِهَتِهِ سَمَّاهُ آزَرَ، و"إزر بَعْل" في لغة الفينيقيين: سادنُ الصَنَمِ بَعْل.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ آزَرَ لَيْسَ بِاسْمِ أَبِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ اسْمُ صَنَمٍ. وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارَحَ بن ناخور بن ساروع ابن أوغو بْنِ فَالِغَ بْنِ عَابِرَ بْنِ شَالِخَ بْنِ أَرْفَخْشَدَ بْنِ سام بن نوح عليه السلام. وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَإِزْرًا عَلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الأَزْرِ وَهُوَ الظَّهْرُ فَيَكُونُ مَفْعُولاً مِنْ أَجْلِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَلِلْقُوَّةِ تَتَّخِذُ أَصْنَامًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِزْرُ بِمَعْنَى وِزْرٍ، أُبْدِلَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: ذَكَرَ فِي الاحْتِجَاجِ عَلَى المشركين قصَّةَ إبراهيمَ وردِّهِ عَلَى أَبِيهِ فِي عِبَادَةِ الأَصْنَامِ. وَأَوْلَى النَّاسِ بِاتِّبَاعِ إِبْرَاهِيمَ الْعَرَبُ، فَإِنَّهُمْ ذُرِّيَّتُهُ. أَيْ وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ. أَوْ {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ} الأنعام: 70. وَذَكِّرْ إِذْ قَالَ إبراهيم.
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ} إذ: منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ أيْ: اذْكُرْ، وهو معطوفٌ على "أقيموا". و"قالَ" في محلِّ خفضٍ بالظَرفِ.
قولُه: {آزَرَ} بِزِنَةِ آدَمَ، مَفْتوحُ الزايِ والرَّاءِ، وإعرابُه إمَّا بَدَلٌ مِنْ "أَبيه" أوْ عطفُ بيانٍ لَهُ إنْ كانَ "آزَرَ" لَقَباً لَهُ، وإنْ كان صِفَةً بمعنى المخطِئِ، أوِ المِعْوَجِّ، أو الشيخِ الهَرِمِ كما سبق بيانُه، فيكونُ نَعتاً ل "أبيه" أوْ حالاً مِنْهُ بمعنى: وهو في حالةِ اعْوِجاجٍ أوْ خَطَأٍ. وإنْ قيلَ: إنَّ "آزَرَ" اسْمَ صَنَمٍ كان يَعْبُدُهُ أُبُوهُ، فيَكون إذْ ذاك عَطفَ بيانٍ لأَبيهِ أوْ بَدَلاً مِنْه، ووجهُ ذلك أَنَّهُ لمَّا لازَمَ عِبادَتَهُ نُبِزَ وصارَ لَقَباً لَهُ كَما قالَ بَعْضُ المُحْدَثين من الشعراء ويدعى أبو محمد الخازن:
أُدْعى بأسماءَ نَبْزاً في قبائِلِها .............. كأنَّ أَسماءَ أَضْحَتْ بعضَ أَسمائي
وكما نُبِزَ ابْنُ قيسٍ بالرُّقَيَّات اللاتي كان يشبِّبُ بهنَّ فقيل: ابنُ قيسِ الرُّقَيَّاتِ. أوْ يكونُ على حذفِ مُضافٍ أيْ: ل "أَبيهِ عابدَِ آزَرَ"، ثمَّ حُذِفَ المُضافُ وأُقيمَ المُضافُ إليْه مُقامَه، وعلى هذا فيكونُ عابدُ صفةً لأبيهِ أُعْرِبَ هذا بإعرابِه أوْ يَكونُ مَنصوباً على الذَّمِّ، أي: أذُمُّ عابدَ "آزَرَ"، أو على الاختصاصِ، أي: أخُصُّ عبدَ "آزَرَ"، ومُنِعَ مِن الصَرْفِ للعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وليس بسببِ وَزْنِهِ لأنَّه على وزنِ "فاعل" نحو "فالح" و"عابر" وقال أبو البقاء: وَزْنُهُ "أَفْعَل" ولم ينصرف للعُجْمَةِ والتعريفِ، على قولِ مَنْ لم يَشْتَقَّهُ مِنَ الأَزْرِ أَوْ الوَزْرِ، ومَنِ اشْتَقَّهُ مِنْ واحدٍ منهما قال: هو عَرَبيٌّ ولم يَصْرِفْه للتَعْريفِ وَوَزْنِ الفِعْلِ. وهذا الخلافُ يُشبِهُ الخِلافَ في آدَمَ، وقدْ تقدَّمَ ذلكَ، وإذا قُلنا هو صِفةٌ على بمعنى المخطئ أو بمعنى المعوجّ أو بمعنى الهَرِم، فَيُشْكُِل مَنْعُ صَرْفِه، ويَشْكل أيضاً وقوعُه صفةً للمَعرِفَةِ.
وقد يُجابُ عنِ الأوَّلِ بأنَّ الإِشكالَ يَنْدَفِعُ بادِّعاءِ وَزْنِهِ على "أَفْعَلَ" فيَمتَنِعُ حينئذ للوزن والصفةِ كأَحمَرَ وبابِه، وقد يجاب عن الثاني بأنَّه لا نُسَلِّم أنَّهُ نعتٌ ل "أبيه" حتى يَجوزَ وصفُ المعارفِ بالنَكِراتِ بَلْ هو منصوبٌ على الذَّمِ أوِ الاختصاص كما تقدَّمَ أو أَنَّه كما قال الزجَّاجُ على نِيَّةِ الألَفِ واللامِ، وهو ضعيفٌ، لأنَّ حذفَ "أل" وإرادةَ معناها إمَّا أنْ يُؤثِّرَ مَنْعَ صَرْفٍ كما في "سَحَر" لِيَومٍ بعينِه ويسمَّى عَدْلاً، وإمَّا أن يُؤثِّرَ بناءً ويُسَمَّى تضمُّناً كأمْسِ، وفي سَحَرَ وأَمْسِ كلامٌ طويلٌ ليس هذا مقامُهُ، ولا يمكن أَنْ يُقالَ إنَّ "آزَر" امْتَنَعَ مِنَ الصَرْفِ كما امْتَنَعَ "سَحَر" أيْ للعدْلِ عن أل، لأنَّ العدلَ يُمْنَعُ فيه مَعَ التَعْريفِ، فإنَّه لِوَقْتٍ بعينِهِ، بخلافِ هذا فإنَّه وصْفٌ.
قرأ الجمهور: {آزَرَ} آزرَ بِزِنَةِ آدَمَ، مَفْتوحُ الزايِ والرَّاءِ، وقرأ أُبَيُّ بنُ كعبٍ وعبدُ اللهِ بْنُ عبّاسٍ والحَسَنُ ومجاهدٌ رضي اللهُ عنهم جميعاً، بضمِّ الراءِ على أنَّه مُنادى حُذِفَ حرْفُ نِدائِهِ كقولِهِ تعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عن هذا} يوسف: 29. وكقولِ الشاعرِ ضرارٍ بْنِ نهشَلَ:
ليُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ................. ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيح الطَّوائِحُ
ونسب هذا البيتُ لأكثر من شاعر منهم نهشلُ بنُ حَري ومُرَّةُ بْنُ عَمْرٍو النَّهشلي وهو من قصيدة له يقول فيها:
لعمري لئنْ أمسَى يزيد بن نهشلٍ ....... حَشا جَدَثٍ تسفِي عليه الرَّوائحُ
لقد كانَ ممَّن يبسطُ الكفَّ بالنَّدَى ...... إذا ضنَّ بالخير الأكُفُّ الشَّحائحُ
إذا ابتدَرَ البابَ المَهيبَ رأيتَهُ ............. يَدِنُّ جَنابَيه الكهولُ الجحاجحُ
فبعدك أبدَى ذو الضَّغينة ضِغنَهُ .......، وسدَّ ليَ الطَّرفَ العيونُ الكواشحُ
ذكرتُ الَّذي ماتَ النَّدَى عند موتِهِ ......... بعاقبةٍ إذ صالحُ العيش طالحُ
إذِ العيشُ لم يكدَرْ عليَّ ولم يمتْ .......... يزيدُ وإذْ لِي ذو العداوة ناصِحُ
وعافتْ عليَّ النَّومَ عينٌ مريضةٌ ........ إذا أُشربَ النَّومَ العيونُ الصَّحائحُ
إذا جمدتْ عنك العيونُ وحادَرَتْ ........ فيَبكيك من عينيَّ دمعٌ مُسامحُ
إذا أرَقِي أفنَى من اللَّيل ما مضَى ........... تمطَّى به ثِنْيٌ من اللَّيل جانِحُ
ليَبْكِ يزيدَ ضارعٌ لخصومة ................ ومُستنبحٌ في أوَّل اللَّيل طائِحُ
أوردها صاحبُ الأشباهِ والنَّظائرِ في أشعارِ المُتَقَدِّمين (ص: 160)
وفي أحدِ الوَجْهين، أي: يا يَزيد، ويؤيِّده ما في مُصحَفِ أُبَيٍّ: يا "آزر" بإثباتِ حرفِهِ، وهذا إنما يَتَمشَّى على دعوى أنَّهُ عَلَمٌ، وأمَّا على دعوى وصفيَِّتِه فيَضْعُفُ؛ لأنَّ حَذْفَ حرفِ النداءِ يَقِلُّ فيها كقولهم: "افْتَدِ مخنوقُ" و"صاحِ شَمِّرْ".
وقرَأَ ابْنَ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، في رِوايةٍ: "أَأَزْراً تتخذ" بهمزتين مفتوحتين وزايٍ ساكنةٍ وراءٍ مُنَوَّنَةٍ مَنْصوبةٍ، و"تتخذ" بِدون همزةِ اسْتِفهامٍ، ولمَّا حكى الزَمَخْشَرِيُّ هذه القراءةَ لم يُسْقط همزةَ الاسْتِفْهامِ مِنْ "أتتخذ" فأم‍َّا على القراءة الأُولى فقالَ ابْنُ عَطِّيَّةَ مُفَسِّراً لمعناها: أَعَضُداً وقُوَّةً ومُظاهَرَةً على اللهِ تتَّخذُ، وهو من قولِهِ {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} طه: 31. وعلى هذا فيُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ "أزراً" إمّا مفعولاً مِنْ أَجْلِهِ، و"أصناماً آلهةً" يُنصَبُ بِ "تتخذ"، والمعنى أتَّتخذُ أَصناماً آلهةً لأجلِ القوَّةِ والمُظاهَرَةِ. أو على الحالِ لأنها في الأصلِ صفةٌ ل "أصناماً"، فلما قُدِّمَتْ عليها وعلى عامِلِها انْتَصَبْتْ على الحالِ. أو أنْ يَنْتَصِبَ على أنَّهُ مفعولٌ ثانٍ قُدِّمَ على عامِلِهِ، والأصلُ: أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلهةً أَزْراً أيْ قوَّةً ومُظاهَرَةً.
وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فقال الزمخشريُّ: هو اسمُ صَنَمٍ ومَعْناهُ: أَتَعْبُدُ أزْراً، على أنه استفهامٌ للإِنكارِ، ثمَّ قالَ "تتخذُ أَصناماً آلهةً" تَثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخلٌ في حُكمِ الإِنكارِ لأنَّه كالبَيَانِ لَهُ. فعلى هذا "أزْراً" مَنصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ يَدُلُّ عليه المعنى، ولكنَّ قولَهُ "وهو داخلٌ في حكم الإِنكار" يُقوِّي أنَّه لم يُقرأ: "أَتَتَّخِذُ" بهمزةِ الاسْتِفهامِ لأنَّه لو كان معهُ همزةُ استفهامٍ لكانَ مُسْتَقَِلاًّ بالإِنكار، ولم يحتجْ أنْ يَقولَ "هو داخلٌ في حكمِ الإِنكارِ" لأنِّه كالبَيانَ لَهُ.
وقرأ ابنُ عباسٍ أيضاً وأبو إسماعيلَ الشاميُّ: "أَإزراً" بهمزةِ اسْتِفهامٍ بعدَها همزةٌ مَكْسورَةٌ ونَصْبِ الرَّاءِ مُنَوَّنَةً، فجَعَلَها ابْنُ عَطِيَّةَ بَدَلاً مِنْ واوٍ اشتقاقاً مِنَ الوَزْرِ ك "إسادة" و"إشاح" في: وسادة ووشاح. على أَنَّ الهمزةَ الثانيةَ فاءُ الكلمةِ وليستْ بَدَلاً مِنْ شيءٍ ومعناه الثِقَلُ، وهو إذْ ذاك اسْمُ صَنَمٍ، والكلامُ فيه كالكلامِ في "أَزَراً" المَفتوحِ الهمزةِ وقدْ تَقَدَّمَ.
وقرأَ الأعمشُ: "إزْراً تَتَّخِذُ" بدونِ همزةِ اسْتِفْهامٍ، ولكنْ بكسرِ الهَمْزَةِ وسُكونِ الزايِ ونَصْبِ الراءِ مُنَوَّنَةً، ونَصْبُهُ واضحٌ ممّا تقدّمّ، و"تتخذ" يُحتَمَلُ أنْ تكونَ المُتَعَدِّيَةَ لاثنينِ بمعنى التَصْيِيريَّةِ، ويُحتَمَلُ أنْ تَكونَ المُتَعَدِّيَةَ لواحدٍ لأنَّها بمعنى عَمِلَ. ويحكى في التفسيرِ أنَّ أباهُ كان يَنْحَتُها ويَصْنَعُها. وجملةُ "أتتخذ" الاستفهاميَّةُ في محلِّ نصبٍ بالقولِ، وكذلك قولُه {إني أَرَاكَ} و"أراك" يُحتَمَلُ أنْ تَكونَ العِلْميَّة وهو الظاهرُ فتَتَعدَّى لاثنين، ويُحتمَلُ أنْ تَكونَ بَصَرِيَّةً وهو بعيدٌ، ف "في ضلال" حالٌ، و"في ضلالٍ" على كِلا التقديريْن يَتَعلَّق بمحذفٍ، إلاَّ أنَّه في الأوَّلِ أَحَدُ جُزْأَيْ الكَلامِ، وفي الثاني فَضْلةٌ.
و قولُ: "مبين" اسمُ فاعلٍ لازم مِنْ "أبان" بمعنى ظَهَرَ، ويجوزُ أنْ يكونَ من المتعدِّي والمفعولُ محذوفٌ، أي: مُبين كفرَكم بخالِقِكم، وعلى هذا فقولُ ابْنِ عَطِيَة "وليس بالفعلِ المتعدِّي المنقول من بان يبين" غيرُ مُسَلَّم به، وجعلَ الضلالَ ظَرْفاً محيطاً بهم مُبالَغَةً في اتِّصافِهم بِه فهو أَبْلغُ مِنْ "أراكم ضالين".
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى