الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 124

اذهب الى الأسفل

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية:  124 Empty الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 124

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الثلاثاء ديسمبر 04, 2018 9:23 am

إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124)

قولُهُ ـ تَعَالَى شأْنُهُ: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ} فئةٌ أَخْرَى مِنَ الذينَ ادَّعوا الانتسابَ إلى خليلِ الرحْمَنِ ـ عَلَيْهِ تَحيَّاتُ اللهِ وصَلَواتُه، ولكنَّهمْ حادو عَنْ طَريقِهِ وخَالَفُوا سُنَّتَهُ، واتَّبعوا أَهواءَهم، وهؤلاءِ همُ اليهودُ، فأشبهوا بِذَلِكَ مُشْركي مكَّةَ، وشاركوهم كذِبَهم بادِّعائهم اتباعَ إبراهيمَ ـ عَلَيْهِ صلواتُ اللهِ وتحياتُه وبركاتُهُ. وقدْ عَلِمْنَا أَنَّ اللهَ تَعَالى أَمَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، في الآيَةِ: 123، السَّابِقَةِ بِاتِّباعِ خَلِيلِهِ إِبْراهيمَ ـ عَليْهِما الصلاةُ والسَّلامُ، ومِمَّا تابَعَهُ فِيهِ يَوْمُ العِطْلَةِ الأُسْبُوعِيَّةِ، أَوْ يَوْمُ العِيدِ الأُسْبُوعِي وَهوَ يَومُ الجُمُعَةِ، وَكانَ اليَهُودُ يَدَّعُونَ اتِّبَاعَ إِبْراهِيمِ الخَلِيلِ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّهُم اخْتَارُوا يَوْمَ السَّبْتِ مخالِفِينَ اخْتِيارَ نَبِيِّهِمْ مُوسَى ـ عَليْهِ السَّلامِ، ومُعَانِدينَ، ومُفَارِقِينَ سُنَّةَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ إبراهيمَ ومِلَّتَهُ ـ عليْهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ. فَقَدْ رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَهُمْ مُوسَى بِالْجُمُعَةِ، وَقَالَ: تَفَرَّغُوا للهِ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَةِ، لَا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَا نُرِيدُ إِلَّا الْيَوْمَ الَّذِي فَرَغَ فِيهِ مِنَ الْخَلْقِ وَهُوَ يَوْمُ السَّبْتِ، فَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى السَّبْتَ لَهُمْ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ثُمَّ جَاءَهُمْ عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَيْضًا بِالْجُمُعَةِ، فَقَالَتِ النَّصَارَى: لَا نُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عِيدُهُمْ بَعْدَ عِيدِنَا وَاتَّخَذُوا الْأَحَدَ. وهكذا نَرَى أَنَّ بني إسرائيلَ مِنَ يهودٍ ونَصَارى قد خالفُوا أَنْبِياءَهُمْ فيما اخْتاروهُ لهم، أَمَّا أُمَّةُ الإسْلامِ فقد رَضُوا بما اختارهُ نَبِيَّهم وجعلوهُ عِيدًا لَهُم. وَقدْ أَخْرَجَ الأئمَّةُ مِنْ حديثِ أَبُي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قالَ: ((نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ)). أَخْرَجَهُ الحُمَيْدِيُّ: (954). وأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل في مُسْنَدِهِ: (2/243، رقم: 7308) و (2/249، رقم: 7393). والبُخاريُّ في صحيحِهِ: (238 و 876 و 2956 و 6887 و 7495). ومُسْلِمٌ: (1931 و 1932). والنَّسائيُّ: (3/85)، وَفي سُنَنِهِ الكبرى: (1666). وأَبو يَعْلَى في مُسْنَدِهِ: (6269). وابْنُ خُزَيْمَةَ في صحيحِهِ: (1720).
قولُهُ: {عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} أَيْ: اختلفوا عَلَى نَبِيِّهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِالْجُمُعَةِ، فَاخْتَارُوا السَّبْتَ، فَاخْتِلَافُهُمْ فِي السَّبْتِ كَانَ اخْتِلَافًا عَلَى نَبِيِّهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَيْ: لِأَجْلِهِ، وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: "اخْتَلَفُوا فِيهِ" أَنَّ الْيَهُودَ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالسَّبْتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ، لِأَنَّ الْيَهُودَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يتَّخِذوا مِنْ يومِ السَّبْتِ لهم عِيدًا ولم يوافقْ أحَدٌ منهم على ما اختارَهُ لهم مُوسى ـ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَلَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالى: "اخْتَلَفُوا فِيهِ" بِهَذَا، بَلِ الصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ. وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْعَالَمَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَبَدَأَ بِالْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَتَمَّ الخلقُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَكَانَ يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمَ الْفَرَاغِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ نُوَافِقُ رَبَّنَا فِي تَرْكِ الْأَعْمَالِ، فَعَيَّنُوا السَّبْتَ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَقَالَتِ النَّصَارَى: بما أَنَّ مَبْدَأَ الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ كانَ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَإِنَّنا نَجْعَلُهُ لَنَا عِيدًا، وهما وَجْهَانِ مَعْقُولَانِ ـ كما ترى. أَمَّا الوَجْهُ فِي جَعْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عِيدًا؟ أَنَّهُ يَوْمُ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ، وَحُصُولُ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ يُوجِبُ الْفَرَحَ الْكَامِلَ وَالسُّرُورَ الْعَظِيمَ، فَجَعْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْلَى مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَهُوَ ما اخْتَارهُ الأَنْبِياءُ: إبراهيمُ، وموسى، وعيسى، ومحمَّدٌ ـ عليهِمُ أَزكى الصَّلاةِ وأَكملُ السَّلامُ. وَفَسَّرَ بعضُهُم "اخْتَلَفُوا فِيهِ" باخْتِلَافِهِمْ فِي السَّبْتِ، وذَلِكَ أَنَّهُمْ أَحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تَارَةً، وَحَرَّمُوهُ تَارَةً أُخرى، وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّفِقُوا فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، واللهُ أَعَلَمُ.
قولُهُ: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيجازيهم بما يَسْتَحِقُّونَ مِنْ عذابٍ لمُخالفتِهِمْ أَنْبِياءَهم فيما أَمروهم بِهِ، ويجازي المؤمنينَ الصادقينَ بجناتٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ أُعِدَّتْ للمُتَّقينَ، ولهم فيها ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذُنٌ سمعتْ ولا خَطَرَ على قلبِ بَشَرٍ مِنَ النعيمِ المقيمِ، والحمدُ لله ربِّ العالمينَ.
قولُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} إِنَّمَا: كافَّةٌ ومكفوفةٌ، تُفيدُ الحَصْرٍ. و "جُعِلَ" فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، مبنيٌّ للمجهولِ، وهو مُتَعَدٍّ إِلى واحِدٍ لأَنَّ "جَعَلَ" هُنا بِمَعْنَى "فَرَضَ". وَ "السَّبْتُ" نائبٌ عنْ فاعِلِهِ مرفوعٌ؛ والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذهِ مستأنفةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. و "عَلَى" حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جُعِلَ". و "الَّذِينَ" اسْمٌ مَوْصولٌ مبنيٌّ على الفتْحِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ. و "اخْتَلَفُوا" فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والألِفُ فارقةٌ. والجملةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و "فِيهِ" في: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "اخْتَلَفُوا"، والهاءُ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجَرِّ.
قولُهُ: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الواوُ: حرفٌ للعَطْفِ، و "إِنَّ" حرفٌ نَاصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ يفيدُ التوكيدَ. و "رَبَّكَ" اسْمُهُ منصوبٌ بِهِ، مُضافٌ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إلَيْهِ. و "لَيَحْكُمُ" اللامُ المُزَحْلقةُ للتوكيدِ (حَرْفُ ابْتِداءٍ)، و "يَحْكُمُ" فِعْلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وَفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلى "رَبَّ" سُبْحانَهُ وتَعَالى. و "بَيْنَهُمْ" منصوبٌ على الظرفيَّةِ الاعتباريَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَحْكُمُ"، مُضافٌ، و "هُمْ" ضميرُ جماعةِ الذكورِ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و "يَوْمَ" منصوبٌ على الظرفيَّةِ الزمانِيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَحْكُمُ" أيضًا، و "الْقِيَامَةِ" مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ. وجُمْلَةُ "يَحْكُمُ" فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ "إِنَّ"، وَجُمْلَةُ "إِنَّ" مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ "جَعَلَ".
قولُهُ: {فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فِيمَا: "في" حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يحْكُمُ"، و "مَا" موصولةٌ مبنيَّةٌ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، أوْ نَكِرةٌ مَوْصوفةٌ. و "كَانُوا" فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجماعةِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ اسْمُهُ، والأَلِفُ فارِقَةٌ. و "فِيهِ" في: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ. و "يَخْتَلِفُونَ" فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ وَالجَازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَباتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأَفعالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعةِ ضَميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ، فاعِلُهُ، والجملةُ خَبَرُ "كان" في محلِّ النَّصْبِ، وجُمْلَةُ "كان" صِلَةٌ لِـ "ما" الموصولةِ فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أَوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ الجَرِّ إذا أُعربَتْ نَكِرَةً موْصُوفَةً.
قرَأَ العامَّةُ: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ} مَبْنيًا للمَجهولِ، وقرأَ أبو حَيْوةَ "إنَّما جَعَلَ السَّبتَ" مَبْنِيًّا للمَعْلومِ، و "السَّبْتَ" مَفْعُولٌ بِهِ.

عبد القادر الأسود
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 932
نقاط : 2771
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 71
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى