الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 2

اذهب الى الأسفل

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 2

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الأحد ديسمبر 09, 2018 3:57 pm

وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ} بَيَّنَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْتي قَبْلَها عَظيمَ شَأْنِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ـ عَلَيْهِ صَلاةُ اللهِ وَسَلَامُهُ، ثمَّ أَتْبَعَهُ هُنَا بِبَيانِ عَظيمِ شَأْنِ نَبِيِّهِ مُوسَى ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ، بِما آتاهُ مِنْ كِتَابٍ عَظِيمٍ، أَنْزَلَهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ.
قولُهُ: {وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ} بَيانٌ بِأَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الكتابَ (التوراة) هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. ووَصَفَ الْقُرْآنَ الكريمَ أيضًا بأنَّهُ: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} الآية: 2، مِنْ سورةِ الْبَقَرَة، وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ هُدًى مُبَالَغَةٌ لِأَنَّ الْهُدَى بِسَبَبِ الْعَمَلِ بِمَا فِيهِ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ نَفْسُ الْهُدَى. وأَخْرَجَ الطَبَرِيُّ، وابنُ أبي حاتمٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قالَ: جَعَلَهُ اللهُ هُدًى لَهُمْ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لَهُم. تَفسيرُ الطَبَرَيِّ: (15/18). وَقَالَ أَبُو إِسْحاقٍ الزَّجَّاجُ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى: أَيْ دَلْلناهُمْ بِهِ عَلَى الهُدَى. مَعاني القُرآنِ وإِعْرَابُهُ: (3/226). وَقَد تَكَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقُرْآنِ الكريمِ. إذْ قَالَ في سُورةِ الأَنْعامِ: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} الْآيَةَ: 54، وَقَالَ مِنْ سُورَةِ الأَعرافِ: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} الْآيَةَ: 145، وَقالِ مِنْ سُورةِ القَصَصِ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ} الْآيَةَ: 43، وَقَالَ مِنْ سورةِ السَجْدَة: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ * وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} الآيتان: (23 و 24) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قولُهُ: {أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} وَالْوَكِيلُ: على وزنِ "فَعِيل"، مِنَ التَّوَكُّلِ، مُتَوَكَّلًا عَلَيْهِ، ربًّا تَكِلُونَ إِلَيْهِ أُمُورَكُمْ. وتُفَوِّضُونَها إِلَيْهِ، فَيَصِلُكُمُ النَّفْعُ مِنْهُ، وَيَكُفُّ الضُّرَّ عَنْكُمُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَلَّا تتخذوا حَفِيظًا لَكُمْ سِوَايَ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: قِيلَ لِلرَّبِّ وَكِيلٌ لِكِفَايَتِهِ وَقِيَامِهِ بِشُئُونِ عِبَادِهِ، لَا عَلَى مَعْنَى ارْتِفَاعِ مَنْزِلَةِ الْمُوَكِّلِ وَانْحِطَاطِ أَمْرِ الْوَكِيلِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَكِيلًا، أَيْ شَرِيكًا. ذَكَرَهُ القُرطُبيُّ. وَقالَ الْفَرَّاءُ: كَافِيًا وكَفِيلًا بِأُمُورِهِمْ. وقَالَ الْكَلْبِيُّ: رَبًّا يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ فِي أُمُورِهِمْ. وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ، وَمَرْجِعُ كُلِّهَا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْوَكِيلَ: مَنْ يُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ. وتُفَوَّضُ إِلَيْه الْأُمُورُ، لِيَأْتِيَ بِالْخَيْرِ، وَيَدْفَعَ الشَّرَّ. وَهَذَا لَا يَصِحُّ إِلَّا للهِ وَحْدَهُ ـ جَلَّ في عُلاهُ. وَلِهَذَا حَذَّرَ تَعَالى مِنَ اتِّخَاذِ وَكِيلٍ دُونَهُ. لِأَنَّهُ لَا نَافِعَ وَلَا ضَارَّ، وَلَا كَافِيَ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ ـ جَلَّ جلَالُهُ العظيمُ. عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا، وإليْهْ أَنَبْنا وإليْهْ المَصيرُ، فَهُوَ حَسَبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَقد تكَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كتابِهِ الكريمْ. كَقَوْلِهِ تَعَالى في الآيَةِ: 173، مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} الآية: 173، وكقولِهِ في الآية: 129، مِنْ سُورةِ التَوبَةِ: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ العظيم}، وَقَوْلِهِ من سورةِ يونُس: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ} الْآيَةَ: 71، وَقَوْلِهِ مِنْ سورةِ هُودُ: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بناصِيتِها} الآية: 56، ثمَّ قَالَ في الآيةِ: 123، مِنْها: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}، وَكقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ إبراهيم: {قالتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} الآيتانِ: (11 و 12)، وَقَوْلِهِ منْ سورةِ الفُرقانِ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} الْآيَةَ: 58، وَقَوْلِهِ مِنْ سورةِ الأحزابِ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا} الآية: 3، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ الطلاقِ: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} الآية: 3، وَقَوْلِهِ مِنْ سورةِ المُلْك: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} الآية: 29، وكقولِهِ مِنْ سورةِ المُزَّمِلِ: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ} الآية: 9، وَالْآيَاتُ في هذَا المعنَى كَثِيرَةٌ جَدًّا.
وهذهِ الآيةُ الكريمةُ انْتِقَالٌ إِلَى غَرَضٍ آخَرَ، وهُوَ ذِكْرُ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. فَإِنَّ أَطْوَارَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وما مرَّ بِهِ مِنْ أحداثٍ، تُمَثِّلُ مَا تَطَوَّرَ بِهِ حَالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَطْوَارِ الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ، وَالنُّهُوضِ وَالرُّكُودِ، لِيَعْتَبِرَ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ بحالِ مَنْ سَبَقَهُم فَيَقْتَدُوا أَوْ يَحْذَرُوا. وَلِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ قبلَ ذَلِكَ فِي الآيةِ الأُولى: {لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا} فَإِنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ الَّتِي أُوتِيها النَبِيُّ محمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آيَةَ الْقُرْآنِ، فَكَأَنَّما قيلَ: وَآتَيْنَاهُ الْقُرْآنَ، وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ، (أَيِ التَّوْرَاةَ)، كَمَا يَشْهَدُ بِهِ قَوْلُهُ تعالى بَعْدَ ذَلِكَ: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} الْآية: 9، مِنْ هذهِ السُّورَةِ المُباركَةِ، أَيْ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ مِنْ طَرِيقَةِ التَّوْرَاةِ، وَإِنْ كَانَ كِلَاهُمَا هُدًى، عَلَى مَا فِي الْإِسْرَاءِ بِالنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْلًا لِيَرَى مِنْ آيَاتِ اللهِ تَعَالَى الْمُنَاسَبَةِ لِحَالَةِ مُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ، فقد أُوتِيَ النُّبوءَةَ لَيْلًا، وَهُوَ سَارٍ بِأَهْلِهِ مِنْ أَرْضِ مَدْيَنَ، إِذْ آنَسَ نَارًا مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ، وَلِحَالِهِ أَيْضًا حِينَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى مُنَاجَاةِ رَبِّهِ بِآيَاتِ الْكِتَابِ الكريمِ.
قولُهُ تَعَالَى: {وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ} الواوُ: حرفُ عَطْفٍ، أَوْ استِئْنافٍ، و "آتَيْنا" فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٌ هو "نا" المُعَظِّمِ نَفسَهُ ـ سُبْحانَهُ وتعالى، و "نا" التعظيمِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، و "موسى" مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ لأَنَّ "آتَى" هُنَا بِمَعْنَى أَعْطَى، وهو منصوبٌ بالمفعوليَّةِ، وعلامةُ نَصْبِهِ الفتحةُ المُقدَّرةُ على آخِرهِ لتعذُّرِ ظهورها على الأَلِفِ. و "الكِتابَ" مفعولُهُ الثاني، والجُمْلةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، ويجوزُ أنْ تكونَ هذِهِ الجملةٌ مَعْطَوفَةً عَلَى الجُمْلَةِ السَّابِقَةِ مِنْ تَنْزيهِ الرَّبِّ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَلا يَلْزَمُ في عَطْفِ الجُمَلِ مُشاركةٌ فِي خَبَرٍ وَلا غَيْرِهِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: إِنَّها مَعْطُوفةٌ عَلَى جملةِ {أَسْرَى} مِنَ الآيةِ قبلَها . وقَدِ اسْتَبْعَدَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانٍ الأَنْدَلُسِيُّ ذَلكَ، ووَجْهُ الاسْتِبْعادِ: أَنَّ المَعْطُوفَ عَلَى الصِّلَةِ صِلَةٌ، فيُؤَدِّي التَقْديرُ إِلَى ضَرورَةِ التَرْكِيبِ: سُبْحانَ الذي أَسْرَى ... وآتَيْنَا، وهوَ في قُوَّةِ: الذي آتَيْنَا مُوْسَى، فَيَعُودُ الضَمِيرُ عَلَى المَوْصُولِ ضَمِيرَ تَكَلُّمٍ مِنْ غَيْرِ مُسَوِّغٍ لِذَلِكَ. أَوْ أَنَّها مَعْطوفةٌ عَلَى مَا فِي قولِهِ {أَسْرَى} مِنْ تَقْديرِ الخَبَرِ، كَأَنَّهُ قالَ: أَسْرَيْنا بِعَبْدِنَا، وَأَرَيْناهُ آيَاتِنا وَآتَيْنَا موسى الكتابَ، وَهَذَا قَريبٌ مِنْ تَفْسيرِ المَعْنَى لا الإِعْرابِ.
قولُهُ: {وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرائِيلَ} الواوُ: للعطْفِ، و "جَعَلْناهُ" فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ هُوَ "نَا" المُعَظِّمِ نَفْسَهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالى، وَ "نا" التَعْظيمِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فَاعِلُهُ، و الهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ. وَالظاهرُ أَنَّ هَذَا الضميرَ يَعُودَ لـ "الكِتَابَ"، ويَجُوزُ أَنْ يَعودَ لِـ "مُوسَى" عَلَيْهِ السَّلامُ. وَ "هُدًى" مَفْعُولٌ بِهِ ثانٍ لـ "جَعَلْنَا"، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ "آتَيْنَا". وَ "لِبَنِي" اللامُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "هُدًى" وهوَ بِمَعْنَى "هادٍ". كَقَوْلِهِ مِنْ سورةِ يونُسَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ: {يَهْدِي لِلْحَقِّ} الآيةَ: 35، ويَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بالجَعْلِ، أَيْ: جَعَلْناهُ لأَجْلِهِمْ، ويجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمحْذوفٍ نَعْتًا لـ "هُدًى". وَ "بَنِي" مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأَنَّهُ منَ الأسْماءِ الخَمْسَةِ، وهوَ مُضافٌ. وَ "إِسْرائِيلَ مَجْرورٌ بالإِضافَةِ إِلَيْهِ، وعلامةُ جَرِّهِ الفتحةُ نيابةً عَنِ الكَسْرَةِ لأنَّهٌ ممنوعٌ منَ الصرْفِ بالعَلَميَّةِ والعُجْمَةِ.
قولُهُ: {أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} أَلَّا: "أَنْ" يَجُوزُ أَنْ تَكونَ ناصِبَةً عَلَى حَذْفِ حَرْفِ العِلَّةِ، أَيْ: لِئَلَّا تَتَّخِذُوا. وَقِيلَ: "لا" مَزيدةٌ، والتقديرُ: كَرَاهَةَ أَنْ تَتَّخِذُوا، ويجوزُ أَنْ تَكونَ المُفَسِّرَةَ وَ "لا" نَاهِيَةٌ جازمةٌ، فالفِعْلُ مَنْصُوبٌ عَلَى الأَوَّلِ مَجْزومٌ عَلَى الثاني، ويجوزُ أَنْ تَكُونَ مَزيدَةً عِنْدَ بَعْضِهم. وَ "تَتَّخِذُوا" فِعْلٌ مُضارِعٌ مجزومٌ بِـ "لا" الناهِيَةِ، وعلامةُ جزْمِهِ حذْفُ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، والأَلِفُ فَارِقَةٌ. وَ "مِنْ" حَرْفُ جَرٍّ زائدَةٌ. و "دُونِي" بِمَعْنَى غَيْري، مَجْرورٌ لفظًا بحرفِ الجرِّ الزائدِ منصوبٌ محلًّا على أنَّهُ مفعولٌ بِهِ أوَّلُ لِـ "تَتَّخِذُوا". و "وَكِيلًا" مَفْعُولٌ بِهِ ثانٍ لـ "تَتَّخِذُوا". وهذهِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في محلِّ النَّصْبِ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذوفٍ، والتقديرُ: وَقُلْنَا لَهُمْ: لا تَتَّخِذوا ... إِلَخ، وجُمْلَةُ القَوْلِ المَحْذوفِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ "جَعَلْنا".
قَرَأَ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ: {أَلَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} بِالتَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ الْتِفاتًا، وَعَلَى هَذَا فَـ "أَنْ" هِيَ الْمُفَسِّرَةُ. فَجَعَلَ التَّوْرَاةَ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مُفَسِّرٌ بِنَهْيِهِمْ عَنِ اتِّخَاذِ وَكَيْلٍ مِنْ دُونِ اللهِ، لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ كُلَّهُ فِي عِبَادَتِهِ هُوَ ثَمَرَةُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ـ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ. وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَـ "لَا" مِنْ قَوْلِهِ: "أَلَّا تَتَّخِذُوا" نَاهِيَةٌ جازمةٌ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بنُ العلاءِ، وهو مِنَ القرَّاءِ السَّبْعَةِ "أَلَّا يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا" بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ. وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْ "أَنَّ" وَصِلَتِهَا مَجْرُورٌ بِحَرْفِ التَّعْلِيلِ الْمَحْذُوفِ. أَيْ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لِأَجْلِ أَلَّا يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا. لِأَنَّ اتِّخَاذَ الْوَكِيلِ الَّذِي تُسْنَدُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ، وَتُفَوَّضُ مِنْ دُونِ اللهِ، لَيْسَ مِنَ الْهُدَى. فَمَرْجِعُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ التَّوَكُّلَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى اللهِ وَحْدَهُ لَا عَلَى غَيْرِهِ.

avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 829
نقاط : 2462
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى