منتدى مدينة أرمناز العام
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

فيض العليم. من معاني الذكر الحكيم سورة الفاتحة الاية3

اذهب الى الأسفل

فيض العليم. من معاني الذكر الحكيم سورة الفاتحة الاية3 Empty فيض العليم. من معاني الذكر الحكيم سورة الفاتحة الاية3

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود الأربعاء أغسطس 29, 2012 7:14 pm


مالك يوم الدين (3)

المالكُ مَن لَه المُلكُ، وهو ـ سبحانَه المَلِكُ المالكُ، وله المُلك. فهو بإلهيّتِه متوحِّدٌ، وبمُلكِه متفرِّدٌ، مَلَك نفوسَ العابدين فصَرَفَها في خدمتِه، ومَلَك قلوبَ العارفين فشرِّفها بمعرفته، ومَلَكَ نفوسَ القاصدين فتيَّمها، ومَلَكَ قلوبَ الواجدين فهيَّمها. ملك أشباحَ منْ عبَدَه فلاطَفَها بِنَوالِه وأَفضالِه، وملك أرواح مَنْ أحبهم فكاشفها بِنِعْتِ جلالِه، ووصْفِ جماله. مَلك زمامَ أربابِ التوحيدِ فصَرَفهم حيث شاءَ على ما شاء.
وإذا كانت كلُّ نِعَمِ اللهِ تستحقُّ الحمدَ فإنّ {مالكِ يَوْمِ الدّينِ}
تستحق الحمدَ الكبير، لأنّه لو لم يُوجد يومٌ للحساب، لنجا الذي ملأ الدنيا شروراً دون أن يُجازى على ما فعل، ولكان الذي التزمَ بالتكليف والعبادةِ وحرم نفسَه من متعٍ دنيويَّة كثيرةٍ إرضاءً لله قد شقيَ في الحياة الدنيا، ولكن لأنّ اللهَ تبارك وتعالى هو {مالك يَوْمِ الدين} أعطى الاتّزانَ للوجودِ كلِّه. فهذه المُلكيّةُ ليومِ الدين هي التي حَمَتْ الضعيفَ والمظلومَ وأبقت الحقَّ في كونِ اللهِ. إنّ الذي منع الدنيا أن تتحوَّلَ إلى غابةٍ يفتُكً فيها القويُّ بالضعيفِ والظالمُ بالمَظلومِ هو أنَّ هناك آخرةً وحساباً، وأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى هو الذي سيحاسب خلقَه، ويعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.
قِيلَ: "مَلِكِ" أَعَمُّ وَأَبْلَغُ مِنْ "مالِكِ" إِذْ كُلُّ مَلِكٍ مَالِكٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا، وَلِأَنَّ أمر الْمَلِكَ نَافِذٌ عَلَى الْمَالِكِ فِي مُلْكِهِ، حَتَّى لَا يَتَصَرَّفَ إِلَّا عَنْ تَدْبِيرِ الْمَلِكِ. وَقِيلَ: "مالِكِ" أَبْلَغُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مَالِكًا لِلنَّاسِ وَغَيْرِهِمْ، فَالْمَالِكُ أَبْلَغُ تَصَرُّفًا وَأَعْظَمُ، إِذْ إِلَيْهِ إِجْرَاءُ قَوَانِينِ الشَّرْعِ، ثُمَّ عِنْدَهُ زِيَادَةُ التَّمَلُّكِ. وحَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ السَّرَّاجِ عَنْ بَعْضِ مَنِ اختار القراءة بـ "مَلِكِ" أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ مالك كلِّ شيءٍ بقوله: "رَبِّ الْعالَمِينَ" فَلَا فَائِدَةَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ "مالِكِ" لِأَنَّهَا تَكْرَارٌ. وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا، لِأَنَّ فِي التَّنْزِيلِ أَشْيَاءٌ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، تَقَدَّمَ فيها الْعَامُّ ثُمَّ ذُكِرَ الْخَاصُّ كَقَوْلِهِ: "هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ" فَالْخَالِقُ يَعُمُّ. وَذَكَرَ الْمُصَوِّرُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى الصَّنْعَةِ وَوُجُودِ الْحِكْمَةِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: "وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ" بَعْدَ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ". وَالْغَيْبُ يَعُمُّ الْآخِرَةَ وَغَيْرَهَا، وَلَكِنْ ذَكَرَهَا لِعِظَمِهَا، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى وُجُوبِ اعْتِقَادِهَا، وَالرَّدِّ عَلَى الْكَفَرَةِ الْجَاحِدِينَ لَهَا، وَكَمَا قَالَ: "الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فَذَكَرَ "الرَّحْمنِ" الَّذِي هُوَ عَامٌّ وَذَكَرَ "الرَّحِيمِ" بَعْدَهُ، لِتَخْصِيصِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: "وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً".
وَقَالوا: إِنَّ "مَالِكِ" أَبْلَغُ فِي مَدْحِ الْخَالِقِ مِنْ "مَلِكِ"، وَ"مَلِكِ" أَبْلَغَ فِي مَدْحِ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ مَالِكِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَالِكَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَلِكٍ وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مَالِكًا كَانَ مَلِكًا، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ لبيد:
فَاقْنَعْ بِمَا قَسَمَ الْمَلِيكُ فَإِنَّمَا ............ قَسَمَ الْخَلَائِقَ بَيْنَنَا عَلَّامُهَا
والْخَلَائِقُ: الطَّبَائِعُ الَّتِي جُبِلَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا.
قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ "مالِكِ" الدَّلَالَةُ عَلَى الْمِلْكِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ لَا يَتَضَمَّنُ "الْمُلْكَ" بِضَمِّ الْمِيمِ وَ"مِلْكُ" يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فَهُوَ أَوْلَى بِالْمُبَالَغَةِ. وَيَتَضَمَّنُ أَيْضًا الْكَمَالَ، وَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْمُلْكَ عَلَى مَنْ دُونَهُ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ". سورة البقرة آية 247. وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ: ((الْإِمَامَةُ فِي قُرَيْشٍ)) وَقُرَيْشٌ أَفْضَلُ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَجَمِ وَأَشْرَفُ. وَيَتَضَمَّنُ الِاقْتِدَارَ وَالِاخْتِيَارَ وَذَلِكَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فِي الْمَلِكِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا مُخْتَارًا نَافِذًا حُكْمُهُ وَأَمْرُهُ، قَهَرَهُ عَدُوُّهُ وَغَلَبَهُ غَيْرُهُ وَازْدَرَتْهُ رَعِيَّتُهُ، وَيَتَضَمَّنُ الْبَطْشَ وَالْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ. لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً" سورة النمل آية 20، 21. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ وَالْمَعَانِي الشَّرِيفَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي الْمَالِكِ.
وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ مَالِكًا أَبْلَغُ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ حَرْفٍ، فَلِقَارِئِهِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ زِيَادَةً عَمَّنْ قَرَأَ مَلِكِ. وهَذَا نَظَرٌ إِلَى الصِّيغَةِ لَا إِلَى الْمَعْنَى، وَقَدْ ثَبَتَتِ الْقِرَاءَةُ بِمَلِكٍ، وَفِيهِ مِنَ الْمَعْنَى مَا لَيْسَ فِي مَالِكٍ، عَلَى مَا بَيَّنَّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فائدة: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَسَمَّى أَحَدٌ بِهَذَا الِاسْمِ وَلَا يُدْعَى بِهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ)). وَعَنْهُ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ)). وزَادَ مُسْلِمٌ: ((لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)). قَالَ سُفْيَانُ ـ وهو أحدُ رواة سند هذا الحديث: "مثل: شاهان شاه. وقال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ عَنْ أَخْنَعَ، فَقَالَ: أَوْضَعَ. وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ، رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ)). قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: وَكَذَلِكَ "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وَ"مالِكَ الْمُلْكِ" لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ كَتَحْرِيمِ مَلِكِ الْأَمْلَاكِ سَوَاءٌ، وَأَمَّا الوصف بمالك وملك فَيَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِهِمَا مَنَ اتَّصَفَ بِمَفْهُومِهِمَا، قَالَ اللَّهُ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً} سورة البقرة آية: (247). وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلِيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأسرة)). ثبج البحر: وسطه ومعظمه.
فإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ قَالَ: "مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وَيَوْمُ الدِّينِ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، فَكَيْفَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِمَلِكٍ مَا لَمْ يُوجِدْهُ قِيلَ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّ مَالِكًا اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ مَلَكَ يَمْلِكُ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَدْ يُضَافُ إِلَى مَا بَعْدَهُ وَهُوَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ وَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ كَلَامًا سَدِيدًا مَعْقُولًا صَحِيحًا، كَقَوْلِكَ: هَذَا ضَارِبُ زَيْدٍ غَدًا، أَيْ سَيَضْرِبُ زَيْدًا. وَكَذَلِكَ: هَذَا حَاجُّ بَيْتِ اللَّهِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، تَأْوِيلُهُ سَيَحُجُّ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، أَفَلَا تَرَى أَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدُ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" عَلَى تَأْوِيلِ الِاسْتِقْبَالِ، أَيْ سَيَمْلِكُ يَوْمَ الدِّينِ أَوْ فِي يَوْمِ الدِّينِ إِذَا حَضَرَ.
وَوَجْهٌ ثَانٍ: أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ الْمَالِكِ رَاجِعًا إِلَى الْقُدْرَةِ، أَيْ إِنَّهُ قَادِرٌ فِي يَوْمِ الدِّينِ، أَوْ عَلَى يَوْمِ الدِّينِ وَإِحْدَاثِهِ، لِأَنَّ الْمَالِكَ لِلشَّيْءِ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الشَّيْءِ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالِكُ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَمُصَرِّفُهَا عَلَى إِرَادَتِهِ، لَا يَمْتَنِعُ عليه منها شيءٌ. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَمَسُّ بِالْعَرَبِيَّةِ وَأَنْفَذُ فِي طَرِيقِهَا.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: وقد يُقَالُ لِمَ خَصَّصَ يَوْمَ الدِّينِ وَهُوَ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ وَغَيْرِهِ؟ والجواب: لِأَنَّ فِي الدُّنْيَا كَانُوا مُنَازِعِينَ فِي الْمُلْكِ، مثل فرعون ونمرود وَغَيْرِهِمَا، وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا يُنَازِعُهُ أَحَدٌ فِي مُلْكِهِ، وَكُلُّهُمْ خَضَعُوا لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} سورة غافر آية 16. فَأَجَابَ جَمِيعُ الْخَلْقِ: {لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ}. فَلِذَلِكَ قَالَ: {مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، أَيْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا يَكُونُ مَالِكٌ وَلَا قَاضٍ وَلَا مُجَازٍ غَيْرَهُ، سُبْحَانَهُ لا إله إلّا هو.
أخيراً فإِنْ وُصِفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ مَلِكٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَإِنْ وُصِفَ بِأَنَّهُ مَالِكٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ.
و{يَوْمُ}: عِبَارَةٌ عَنْ وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَاسْتُعِيرَ فِيمَا بَيْنَ مُبْتَدَأِ الْقِيَامَةِ إِلَى وَقْتِ اسْتِقْرَارِ أَهْلِ الدَّارَيْنِ فِيهِمَا. وَقَدْ يُطْلَقُ الْيَوْمُ عَلَى السَّاعَةِ مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} سورة المائدة آية 3. وَجَمْعُ يَوْمٍ أَيَّامٌ، وَأَصْلُهُ أَيْوَامٌ فَأُدْغِمَ، وَرُبَّمَا عَبَّرُوا عَنِ الشِّدَّةِ بِالْيَوْمِ، يُقَالُ: يَوْمٌ أَيْوَمُ، كَمَا يُقَالُ: لَيْلُةٌ لَيْلَاءُ. قَالَ الرَّاجِزُ: نِعْمَ أَخُو الْهَيْجَاءِ فِي الْيَوْمِ الْيَمِي .
وهو "أي اليمي" مَقْلُوبٌ مِنْ اليوم، أَخَّرَ الْوَاوَ وَقَدَّمَ الْمِيمَ ثُمَّ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً حَيْثُ صَارَتْ طَرَفًا، كَمَا قَالُوا: أَدْلٍ فِي جَمْعِ دَلْوٍ.
{الدِّينِ}: الْجَزَاءُ عَلَى الْأَعْمَالِ وَالْحِسَابِ بِهَا، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ}. سورة النور آية 25. أَيْ حِسَابَهُمْ. وَقَالَ: {الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ}. غافر 17 وَ{الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. سورة الجاثية آية 28. وَقَالَ:{أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} سورة الصافات آية 53. أي مجزيون محاسبون. قال لبيد:
حَصَادُكَ يَوْمًا مَا زَرَعْتَ وَإِنَّمَا ........... يُدَانُ الْفَتَى يومًا كما هو دائنُ
آخَرُ:
إِذَا مَا رَمَوْنَا رَمَيْنَاهُمْ ........................ وَدِنَّاهُمْ مِثْلَ ما يُقْرِضونا
آخَرُ:
وَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ ................ وَاعْلَمْ بِأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ
وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ: دِنْتَهُ بِفِعْلِهِ دَيْنًا (بِفَتْحِ الدَّالِّ) وَدِينًا (بِكَسْرِهَا) جَزَيْتَهُ، وَمِنْهُ الدَّيَّانُ فِي صِفَةِ الرَّبِّ تَعَالَى أَيِ الْمُجَازِي، وَفِي الْحَدِيثِ: ((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)). أَيْ حَاسَبَ نفسَه.
وَقِيلَ: الدين هو الْقَضَاءُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفَةُ:
لَعَمْرُكَ مَا كَانَتْ حَمُولَةَ مَعْبَدٍ ........ عَلَى جُدِّهَا حَرْبًا لِدِينِكَ مِنْ مُضَرْ
الجُدُّ: البئر الجيدة. والخطاب لعمرو بن هند وقد أغار على إبِلِ مَعْبَدٍ أخي طَرَفة. وَمَعَانِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مُتَقَارِبَةٌ.
وَالدِّينُ أَيْضًا: الطَّاعَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ طِوَالٍ ....................... عَصَيْنَا الْمَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا
فَعَلَى هَذَا هُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ.
قَالَ ثَعْلَبٌ: دَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَطَاعَ، وَدَانَ إِذَا عَصَى، وَدَانَ إِذَا عَزَّ، وَدَانَ إِذَا ذَلَّ، وَدَانَ إِذَا قَهَرَ، فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ. وَيُطْلَقُ الدِّينُ عَلَى الْعَادَةِ وَالشَّأْنِ، كَمَا قَالَ الشاعر:
كَدِينِكَ مِنْ أُمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا .....................................
وَقَالَ الْمُثَقِّبُ يَذْكُرُ نَاقَتَهُ:
تَقُولُ إِذَا دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي .................... أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وديني
درأتَ وَضِينَ البعيرِ: إذا بسَطْتَهُ على الأرضِ ثمّ أَبْركتَه عليه لتَشُدَّهُ بِه. والوضين: بِطانٌ منسوجٌ بعضُه على بعضٍ يُشَدُّ به الرحلُ على البعير.
وَالدِّينُ: سِيرَةُ الْمَلِكِ. قَالَ زُهَيْرٌ:
لَئِنْ حَلَلْتَ بِخُوٍّ فِي بَنِي أَسَدٍ ....... فِي دِينِ عَمْرٍو وَحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ
الخُوُّ بالخاءِ المُعْجَمَةِ، ويومُ خُوٍّ لبني أَسَدٍ، قال أبو محمّدٍ الأسود: ومَنْ رواه بالجيمِ فقد أخطأه، وكان هذا اليوم لهم على بني يربوع. وفي دين عَمْرٍو أَرَادَ فِي مَوْضِعِ طَاعَةِ عَمْرٍو. وفَدَك: موضعٌ بخيبر.
وَالدِّينُ: الدَّاءُ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. وَأَنْشَدَ:
يَا دينَ قلبِك مِن سلمى وقد دِينا ...................................
قوله تعالى: {مالك يوم الدين} يجوز أن يكونَ صفةً أيضاً أو بَدَلاً، وإن كان البدلُ بالمشتقِّ قليلاً، وهو مشتقٌّ من المَلْك "بفتح الميم" وهو الشدُّ والربط.
قَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْقَعِ بِنَصْبِ مَالِكِ، وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: مَالِكُ
وَمَلِكُ وَمَلْكُ مُخَفَّفَةٌ مِنْ مَلِكَ وَمَلِيكُ. وقُرئ "مالِك" بالألف، يقال: مَلِكٌ بَيِّنُ المُلْكِ بضم الميم، ومالكٌ بيِّنُ المَلْكِ بفتح الميم وكسرها، فالمفتوحُ منها يعني الشدَّ والربطَ، والمضمومُ يعني القهرَ والتسلُّطَ على من تكون منه الطاعة سواء أكان هذا التسلط باستحقاقٍ أو بغير استحقاق، والمكسورُ هو التسلطُ على المَطيع وغيرِه، ولا يكونُ إلّا باستحقاق والمِلْك ـ أي بالكسر ـ كالجنس للمُلْك ـ أي بالضمِّ ـ فكُل مِلْك ـ بالكسر ـ مُلك، وليس كل مُلك مِلكاً، فعلى هذا يكون بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ، وبهذا يُعرف الفرقُ بين مَلِك ومالِك، فإن مَلِكاً مأخوذٌ من المُلْك بالضمِّ، ومالِكاً مأخوذٌ من المِلْك بالكسر، والقراءتان متواترتان، وقد صحّ اتصافُ الربِّ تعالى بهما.
ثم إنَّ الزيادةَ في البِناءِ تدلُّ على الزيادةِ في المعنى وإنَّ ثوابَ تالِيها أكثرُ من ثواب تالي "مَلِك" كما أنَّ "مالِك" أَبْلَغُ في مدح الخالق سبحانه.
وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ إِشْبَاعُ الْكِسْرَةِ فِي "مَلِكِ" فَيَقْرَأُ " مَلِكِي" عَلَى لُغَةِ مَنْ يُشْبِعُ الْحَرَكَاتِ، وَهِيَ لُغَةٌ لِلْعَرَبِ ذَكَرَهَا المهدوي وغيره.
وإضافةُ "مالك أو مَلِك" إلى يوم الدين من باب الاتِّساع، إذ متعلَّقُهما غيرُ "يوم" والتقدير: مالكِ الأمرِ كلِّهِ يومَ الدين. وهناك مَنْ قرأ: {مَلَكَ يومَ الدينِ} فجعلها جملة فعليّة.
و"الدِّيْنِ": مضافٌ إليه، ودانَ عصى وأطاع، وذلَّ وعزَّ، فهو من الأضداد . والدين: القضاءُ أيضاً ، ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله} أي في قضائِه وحكمه ، و"الدين": الحالُ، سُئل بعضُ الأعراب فقال: لو كنتُ على دِينٍ غيرِ هذه لأَجَبْتُكَ أي: على حالة غير هذه الحالة.
ويقال: دِنْتُه بفعلِه أَدِينُه دَيْناً ودِيناً ـ بفتح الدال وكسرها في المصدر ـ أي جازَيْتُه. والدِّينُ أيضاً الطاعةُ ومنه: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً} أي: طاعةً، ويستعار للمِلَّة والشريعةِ أيضاً ، قال تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ} يعني الإِسلام، بدليل قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} والدِّينُ: سيرة المَلِك، قال زهير بن أبي سلمى:
لَئِنْ حَلَلْتَ بجوٍّ في بني أسَدٍ ........ في دينِ عمروٍ وحالَتْ بينَنَا فَدَكُ
يقال: دِينَ فلان يُدانُ إذا حُمِل على مكروهٍ، ومنه قيل للعبدِ، مَدين ولِلأمَةِ مَدِينة. وقيل: هو من دِنْتُه إذا جازيته بطاعته، وجَعَل بعضُهم المدينةَ من هذا الباب.
والمالك إنّما يكون للمكان أمّا الزمان فلا يكون إلاّ للهِ سبحانه
وتعالى لأن مالك الشيءِ هو من يستطيعُ التصرُّف فيما يملك، وما من مالك للزمان سواه تباركت أسماؤه، فهو الوحيد الذي يستطيع أن يحكم
على الزمان ويتصرف فيه، ولذلك خصّه بالذكر فقال: "مالك يوم الدين"
عبد القادر الأسود
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 932
نقاط : 2771
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 76
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى