منتدى مدينة أرمناز العام
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

الاصمعي وماك دونالدز

اذهب الى الأسفل

الاصمعي وماك دونالدز Empty الاصمعي وماك دونالدز

مُساهمة من طرف أبو محمد الخميس يونيو 03, 2010 12:59 pm

"صوت صفير البلبل ، هيّج قلبي الثملِ "
ركب الأصمعي يوما ناقته ، وجر إزاره ، وأقفل هاتفه النقال ، ليبتعد عن كل مشغل لاه ..
وعزم على أن يدور المدينة من أولها إلى أطرف أطرافها ، ليستقصي خبرا ، وينشد أثرا ، ويلمح عبرا ..
وانطلقت الناقة مسرعة صوب طريق المدينة الطويل ، لا تأبه بالمسارات والأزقة ..ولا لوحات التنبيه ..ولا خطوط الطريق المتعرج ..بيضاءها وصفراءها
والأصمعي فوق ذلك ، فاغر الفم ، راجف القلب ، مضطرب النظرات ، لا يدري أين هو ، أفي البرزخ يختال .. أم بالقبر لا زال ..؟
أما الدنيا فهي أقل من أن تكون هكذا .. هكذا كان يحدث نفسه ..جر ناقته من خطامها حتى كادت تسقط ، ووقف مبهوتا ، يسترجع الشعر والعربية و النحو ..
ولكن .. لا نحوه ، ولا شعره ، ولا عربيته أغنت عنه شيئا

توقف ساعة من دهر ، يتهجأ "ماك دونالد" ويتعتع ، ويخطئ ويستعجب ،إذ يعلم أنه ماهر بالقراءة ..
حتى إذا لم يتبينها ، ورأى بداخلها هؤلاء الوالجين والخارجين يحملون كؤوسا حمراء كقنينات الخمر .. حوقل واسترجع ، وهبّ من لحظته ، وحلف ليلجنّ دار الخلافة الساعة ليؤدي النصيحة إلى الخليفة مشافهة بلا ترجمان : أي فجور هذا ، وأي اشهار للمنكر هذا .. ؟
أن يعلن علج من علوج الروم أو زمول من زماميلهم عن نفسه وسط المدينة ، والناس والجون عليه خارجون بأمتعتهم ، وزاد ، وبهجة ، بل وبشراب أسود اللون والرائحة والمخبر .. إن هذا لأمر يراد

وما أن سار حتى استوقفته "ماك دونالد" ، فككها ، حللها ، سماعية هي أم قياسية ، على وزن فعلالي ، أم على وزن الشيطان أم ما الأمر يا اصمعي ..؟؟هكذا كان يحدث المسكين نفسه ، وعقد العزم فشدد في عقده ، واعتلى ظهر راحلته وانطلق مسرعا لا يلوي على شيء ، يبتغي وسط المدينة ، حيث دار الإمارة وامير المؤمنين ،ولن يخيب فيه رجاه وأمله ..

رمى الآفاق قبل القريب من الارض ببصره ، كلُ شيء غريب وذا ينفذ صبره ، حتى الشمس ، اخت يوشع قد تنكرت له ، إذ تحملق قرصها فيه شزر ، ما عهد الشمس هكذا ، أتراها اصيبت بشيء يقال له الإحتباس الحراري أم هو الشيء الآخر المسمى بـ ثقب الأوزون، ألم يوقعوا بعد على معاهدة "كيوتو" ؟
التفت يسارا فوجد كلاما يعقله ، وعربية يعرفها ، قرأ فرحا جذلا: (النادي الأدبي )!!
كبّر وافتر مبسمه عن ضواحك ، وترنم ترنم الصادي ، خلع نعليه وظن أنه بالوادي ، وبعد أن ولج ببعيره ردهة النادي ، استقبله قيِّمه "حارس الأمن" بغلظة وجفاء :
- وين يا أخ ..؟
- إلى أين .. أتراني والجا دار أبيك .. أم يممت خدر اختك..؟؟
- الأخ "سعودي"؟
- أنا الأصمعي يا أحمق!
- أقول الأخ سعودي ؟؟ ولا تكثر هرج
- أي عربية هذه التي تنطق ، أم هي رطانة العجم ..
وعلا صوته بعد أن اشطاط غضباً
فخرج مدير النادي يستقصي مصدر الجلبة ، خشية أن تتحول إلى عراك يدوي وحلبة ، ولحسن الحظ أنه قد زار النادي في ذلك اليوم ، وكان من شأنه أنه كثير الغياب والنوم ، وحينا يكون في المزادات يروم منخفض الصفق والسوم ..
ولما رأى الراحلة والعمامة ، والأعرابي الذي رأسه كالثغامة ، ارتدى وجهه عريض الإبتسامة ، نص في الفرجة دونما مسارعة، قال قبل أن يبدي ملامة:
- " من أنت ..؟ لا يكون .."
- الأصمعي ..

أمعن في حيلته ، وأراد أن يحاكيه في مسرحيته ، وعلى الفور قال في ساعته:
- "أي أصمعي يا رجل ..؟"
- وكم أصمعيا تعرف ..؟
- " هل تصدق يا أخ ، أنني أبتهج لمرأى مثلك ، ممن يحبون التراث ، ويتزيون بزيه وسحنته، ويكرهون بهارج هذه الحضارة المجنونة ، سـوف أحاول أن أطرح عليهم في الإجتماع القادم ، مسألةَ ضمك لمقتنيات التراث بنادينا .. تفضل ، تفضل ..قلّط ، قلّط "

لم يفقه الأصمعي شيئا مما قال الرجل ، ولاذ بالصمت فما نطق ولا استهل ، لكنه استجاب لإشارة يده ، وولج النادي بعده ، وسأل ..
- ماذا عندكم بناديكم هذا؟
- " عندنا ـ طال عمرك ـ الشعر والنثر ، وما تناثر بينهما.."
- أنشدني إذن ..
- "هل تريد لمحمود درويش أم حجازي ؟؟"
- أتتخذني هزوءاً !! من هؤلاء النكرات الهوالك يا أخا العرب؟؟
- " أقول اركد وانا اخوك .. ترى هذولا أشعر اهل هذا الزمان !!"
- قاتل الله الغفلة ، وأين جرير ، وأين الكميت ، .. ، والأخطل والأعشى ، وهل نسيت العباس بن الأحنف حتى تأتي إلى موالي القوم ، ثم تصمني بأنّ هؤلاء أشعر شعراء يمكن أن أسمع لهم ..
- " أسمع يا أخ .. أحسّ بالرجعية تجتاحك من كل مكان ..في لهجتك .. وزيك .. وأخيرا شعراءك هؤلاء ، الذين لا يفرقون ما بين المدرسة الكلاسيكية ، ولا رمزية المهجر ، وأظنني"..
- ثكلتك أمك اللحظة .. هل تشتمني وتتشمت بي ؟؟
- "عن الغلط لو سمحت ، إلا الوالدة ، أنا قلت لك .."
- والله لبطن الأرض خير من ظهرها .. أوَ قُدِّرَ لي أن أحيا حتى ينمو إلى أسماعي شتائم من أمثالك ، يا لكع بن لكع ؟

وخرج الأصمعي وهو من الغضب في مزيد ، يهز رأسه أسفا وحنقاً من جديد، ولاعنا كل الأسماء التي وجدها بالداخل ، يحدث نفسه : أقول له انشدني عن أشعرهم ، فيقول هل سمعت بفاطمة ناعوت .. نعته الله وإياها بكل سوء .. واستنشده عن شعر يني يعرب ، فيقول لي أسمعك الساعة مقطعا لأليوت ، قطع الله إليته وإلية من عرّفه عليه .. ثم شخص ببصره إلى الارض وانشد : ولكن الفتى العربي فيها ،،، غريب اليد والفم واللسان ...وحلف ليمضين صوب دار الخليفة يستنجده ، ويطلبه المدد في أن يخرج الروم وأذنابهم من البلد ، بعد كل هذا الرطن الذي وجده ، والكبد الذي ألمّه وكبَّده ..فمضت به الراحلة ، تسلك السكك الممهدة القاحلة ، ولا يجل في عينه إلا ضياع اللغة وبوار الشعر والقافية ،حتى وصل لسور عظيم ..قد ارتص الجند وقوفا به محيطين ، عن اليمين واليسار مهطعين عِزين ..وتراصوا على عمدان مزروعة ، واسلحة بإيديهم مشهورة ليس بينها سيف ولا رمح ..والناس لا تمر من أمامهم إلا منجفلين سراعا ، فكاد لفرط غضبه أن يلج ، غير أنه تهيب ، وتريث ، وود لو سأل أحدهم: إن كان الخليفة بها أم بالحج أم أنّ هذا العام عام الغزو ؟؟

وما برح حتى مر بجانبه فتى ، قد لبس قمصيا عليه تصاوير زاهية ، وسروالا يستره ويصفه ، فأنكر ملبسه وهيئته ، لكن عمامته شفعت له عند الإمام الأصمعي ، فصاح به:
- يا رجل ..
- "إسفيه"
- من هو السفيه ، لاحول ولاقوة إلا بالله ، أهذه دار الخليفة ..؟
- " أيس كلام إنته"
- قلت لك أهذه مثوى رحل الخليفة التي يصدر منها فرمانه ..؟
- "إنت مزنون .. هذا سفارة أمريكية .. يالله يمسي من هنا ، حكومة بعدين سيل انته"
- ماذا تقول ـ لحاك الله ـ ألا تحسن كلمة ولا تفقه قولاً بلا لحن وعجمة ؟؟
وحلف بأغلظ الايمان هذه المرة ليمضينّ غير آبه بكل كوامن اسئلته ، حتى يطرحها بين يدي حامي حمى المسلمين ، خليفة الدنيا وحارس الدين ، وصادف اقتحامه ببعيره ، خروجَ القنصل الأمريكي ، والذي افتر باسما يقول للجنود بانجليزية:أنه منذ زمن وهو يتمنى أن يرى مفاجأة من هذا النوع في جدة ، إنه حتى الساعة لم يتمتع بركوب أحدها .. فهرع إليه الأصمعي ، وهو يرى الجنود يحيطون به من كل جانب ، وذاكم الأمرد الاملص من بينهم يضحك له ويوميء له بعينيه ، وتعابير وجهه ، أنْ تعال !
- لعائن الله عليكم تترى ، أبيَ مسّ من الجن أم تخطف الشياطين عقلي؟
أفسحوا الطريق ، لألقى الخليفة ، أبغيه في شأن جلل ، .. ، وهز راحلته يحثها على الولوج ، التمعت عينا السفير الزرقاوين ، ولمح الأصمعي .. تدور في عينه ملامح الشر ، ولم يدر الأحمق ما الأمر ، ولا الأصمعي كذلك درى ، فخرجت الأوامر بقصف البعير ومن عليه ..


فاعتلت الصحف من صبيحة اليوم التالي عناوين مثيرة ، تشد المواطنين:
" رجعيٌ تقليديٌ مفخخ ، يحاول اقتحام السفارة الأمريكية ببعيره ، والسلطات الأمنية تتصدى له بكل بسالة ، وتحبط مخططاته .. "

وفي ثنايا الخبر:
" القبض على عشرة آخرين معه ، وجد بحوزتهم مبالغ مالية طائلة ، وكمية من الكلانشكوف والديناميت الكافي لتكرار كارثة تشرنوبل ، واخيراً الإعلان عن عشرين مطلوبا أمنيا لاذوا بعد مداهمة أخر أوكارهم بالفرار"

الصحف الأخرى ، تحدثت عن بسالة رجال الأمن ، وعن عدد الأسلحة التي صودرت من قبل الجاني أو الجناة كما يقول تقرير وزارة الداخلية ، ..



وهكذا مات الأصمعي ، وهو بعد يتجرع متهجيا وقائع المحنة "ماك دونالد" ..



*منقول - بتصرف *
أبو محمد
أبو محمد
صاحب القلم المميز
صاحب القلم المميز

عدد المساهمات : 4282
نقاط : 7201
السٌّمعَة : 77
تاريخ التسجيل : 09/05/2010
الموقع : رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى