العقربتان

اذهب الى الأسفل

العقربتان Empty العقربتان

مُساهمة من طرف رشدي مصطفى الصاري في الجمعة مارس 16, 2012 12:16 am

العقربتان


--------------------------------------------------------------------------------


كانت فردوس الأخت الكبرى ونظيرة تصغرها بسنوات أربع......هاتان الأختان كانتا تعيشان في منزل شيد في زمن الإقطاع في إحدى أحياء بلدتنا القديمة.
أما فردوس فقد تجاوزت السابعة والأربعين من عمرها بدينة الجسد قاسية الملامح يحمل وجهها بين آفاقه مساما" ذات فوهات واسعة وأنفها كان عريضا" وقصيرا"يكاد يغوص ضمن وجهها فيحتل القسم الأعظم منه وعينان بنيتان من صغرهما تكاد لا تميزهما وشعرا" اختلط لونه بين آثار الصبغة المشقرة غير المناسبة لسنها ولشكلها العام وبين شعيرات بيضاء عمرت على رأس صاحبتها أما طولها فلم يتجاوز المائة والخمسين سنتيمترا" وصوتها كان يختلط مابين الحشرجة والحدة فكان يبدو عندما تصغي إليها وكأنك تستمع إلى فرقة موسيقية تعزف بدون قائد كل من أعضائها يعزف على هواه فطبيعي أنك لن تستسيغ السماع 0
أما نظيرة فكانت طويلة القامة نحيفة جدا" ذات شعر مجعد أشقر وعينين زرقاوين تغيب فيهما متعة اللون وبشرة بيضاء ،كانت تبدو وكأنها تلك الساحرة التي كنا قد حفظنا شكلها عن بعض روايات القدماء فبدت وكأنها ماكرة خبيثة تتمايل بجسدها متطاولة برأسها ،وصوتها كان كالفحيح فيه بحة واضحة.
هاتان السيدتان ما تزالا ن عانسان تعيشان في هذا المنزل الذي يعود إلى فلول الإقطاع التي أوشكت آثارها أن تغيب عن الوجود.
كانتا معبأتين بأفكار مليئة بالغرور غرور السيدات النبيلات وكبرياء الإقطاع المهزوم وحقد النساء الخاسرات اللواتي يعتبرن أن المجتمع قد بخسهما حقهما فهن يجب أن يكن في مصاف الأميرات، وبقية المجتمع خدم لهن.
تلك الأفكار البالية التي حملتاها أطبقت على عيونهما فشكلت أمامهما غمامة سوداء قاتمة ؛حجبت عنهما الرجال الذين اعتزلوهم لسخافتهن.
أما القلة النادرة التي تقدمن لخطبتهن فكانوا أقل حظا"منهن إذ كانوا من الفاشلين الذين يتشبثون بآخر الحبال وأضعفها فعندما كانوا يتقدمون لخطبتهما كانتا تستهزئان وتنثران ضحكاتهما عبر الأثير لتتلاشى تاركة وراءها عانسين متشبثين بالحياة..؟!
مغرورتين معتد تي التفكير بنفسهيما..!
وكان لهاتين السيدتين أخ وحيد توفي منذ سنوات تاركا"وراءه زوجة من أسرة كريمة المنبت فقيرة الحال فكانت هذه الميزة عيبا"و....عارا"ألحقه هذا الرجل بالزواج من هذه المرأة الفقيرة وذلك كان من وجهة نظر الأختين ..!؟
كانتا لاتنفكان تعيرانها بفقرها وعوزها وتطلقان على طيبتها البلاهة ..!وكذا ..وكذا ...حتى أنهما نكدتا عيشتها وجعلتاها تعيش في بؤس وشقاء مريرين وكأنها خادمة في قصر منيف.
كان لهذه المرأة ثلاثة أولاد صبيان وفتاة وبحكم سيطرة هاتين العقربتين على مسيرة الأسرة استطاعتا بسمومهما أن تغذيا تفكير الصبية بالحقد والكراهية لأمهم واقناعهم بأنها مصدر عار لهم لأنهم سليلو نسب رفيع على حد زعمهما .
أما الفتاة فكانت تشفق على أمها بدافع الأنوثة المشتركة والمصير الواحد,وكان عود هذين الفتيين يشتد ويقسو مع قلباهما تجاه أمهما ووسط المال الوفير الموروث والذي كان بحوزة عمتيهما الأثنتين واللتين كانتا صاحبتي قرار بالتصرف فيه أستطاعتا أن تستخدماه كوسيلة لاقناع هذين الصبين بمواقفهما المشرفة بالنسبة لهما...وكانت من جملة العطاءات التي أهدتها العمتان لأولاد أخيهما هو ابعادهما عن العلم حتى تبقيا في نظرهم المرجع الأول والأخير الذي ينهلون منه زادهم المعنوي والمادي كل يوم ،ولكم حاولت الطيبة أن تكون أما" لهاذين الصبين فحاولت أن تستجدي عواطفهما ،ولكن عبثا" كانت تحاول ..؟أما الفتاة فكانت تكبر ويكبر حبها لأمها وشغفها بها .
هذا الحب الذي استمد ته من بحر الأنوثة الطفولي فكانت ترى أمها في كل يوم ذ لك الخادم المطيع الذي لاحول له ولاقوة وسط هذا المنزل القاتم .
إلى أن استيقظ الجميع يوما" ليجدوا هذه المرأة الطيبة فاقدة الحس بجميع أعضائها حتى أنها فقدت القدرة على الكلام إذ أصيبت بشلل كامل .....وهنا الكارثة من الذي يتولى أمر هذه المسكينة رفضت الأختان القيام بواجبهما تجاه المرأة المسكينة وأحالا أمرها إلى ابنتها الغضة البنية بل وزيادة على ذلك رميا بهذه المرأة في غرفة مهجورة بجانب الدار
كان يقطن فيها خادم الأغوات منذ زمن طويل فحمّلاها فوق طاقتها ،ولم تكن هذه الفتاة قادرة على تقديم واجبها اتجاه أمها على أكمل وجه ,فلكم سقطت والدتها معها وهي تحاول أن
تغسل لها جسدها في الحمام..
وكثيرا" هي المرات التي كادت فيها أن تختنق وهي تطعمها ولكم تلاقت عيون الأم والابنة في دموع سالت عبر صفحات القهر البشري ,تعذبت الفتاة كثيرا" في خدمة أمها بعيدا" عن شفقة عمتيها وأخويها الضائعين الذين استطاعت سموم هاتين السيدتين ان تمحو فيهما كل شعور بالحنان وكل احساس بالعطف والمودة لأمهما..!!الى أن شاء القدر
ان يحتم النهاية فبينما كانت هذه الفتاة في ساعة متأخرة من الليل ووسط الظلام أكرهت عليه ......كانت تضع الكمادات الباردة على أنحاء جسد أمها حيث شعرت بحرارة زائدة ثم مالبثت ان شعرت بهمهمة خافتة بدأت تصدر عن امها فما كان من الأبنة الا أن أضاءت النور لتجد عيون أمها مليئة بالدموع ووجه يشع بالنور أخذت ترف لها بعينيها
توحي لها أن تقترب منها ,تفطّر قلب الفتاة لوعة وحنانا" فأسرعت تحتضن أمها...أخذت تقبلها ....زادت همهمة الأم ...وأخذت تشير بعينيها إلى الباب وتحاول مرارا"....فسألتها
الابنة ان كانت تطلب أخويها فأجابت بايماءة طويلة ....ركضت الفتاة توقظ الجميع لتخبرهم بما حدث وهنا ..وفي هذه اللحظة تترامى أبشع مظاهر الوحشية الانسانية وتعلن بأن هناك بين البشر قلوب دنيئة تعيش وسط كلمة الانسان 0 إذ بالعانستين توبخان الفتاة على ازعاجهما قائلين لها أكلما اشتكت أمك من شئ يجب أن يستيقظ الجميع ؟ ثم طلبا منها النوم لكن اين النوم..؟ تساءلت الفتاة أيقدر قلب الانسان على أن يحمل بين طياته كل هذا الحقد واللؤم والقسوة وجدت نفسها في ساحة المنزل تصيح وتستغيث وللصدفة كنت عائدا" من
سهري عند أحد الأصدقاء عندما سمعت صدى الاستغاثة .....ودخلت مع احدى الجارات المسنات التي سمعت الصراخ وسارعت لتعرف الخبر ,أومأت الفتاة الينا لدخول الغرفة التي تقبع فيها امها ذهبنا لنجد المرأة المسكينة تحتضر لكنني لمست في عيونها مقاومة واهنة تحاول ان تصمد للحظات لأمر كان في نفسها؟؟ وعلمت من كلامهم أنهاتريد ان تودع ولديها بنظرة وداع أخيرة لاتريد أن تفارق الدنيا قبل أن تواسي نفسها وروحها بطمأنينة تستمدها من رؤية ولديها كانت عيناها تناجي كل من حولها بأن يجلبوا لها ولديها ......
فهمنا المراد وطلبنا من الفتاة الصغيرة أن تصرخ لأخويها اللذين يغطان في نوم عميق داخل كهف أصمّ آذانهم وأغلق عيونهم ركضت الفتاة تلكز أخويها النائمين وتقول لهما أمكما تموت..؟!أمكما تموت تململ الاثنان وكأن شيئا" لم يحدث ..؟؟اذهبي أيتها الحمقاء الصغيرة ...عادت الفتاة الصغيرة محمرة الوجه حانقة على الدنيا التي أورثتها هذه الأسرة ,لم تدري ما تقول ,عجز لسا نها عن التعبير .....فالموقف لايصدق ولايوصف
حسمت الجارة الموقف قائلة ....أجلبي قميصا" أو أي أثر لأخوتك وضعيه أمام عيني
أمك ودعيها تتنشق ريحهما وقولي لها انهما ليسا موجود ين.
أسرعت الفتاة وسط الذهول الذي انتابني ووضعت قميصا" لأحد أخويها فما كان من المرأة المسكينة الا أن هدأ روعها وسكنت أوصالها وتوقف قلبها واتكأ رأسها بعد رجفة بسيطة على القميص الذي بدت عليه بعد لحظات بقعة ندى ناتجة عن دمعة نزفت من عيون أم احترق قلبها على تموت وسط قبلات أولادها ودموعهم وبين أحضانهم وانتقلت الروح إلى بارئها مخلفة وراءها ذئابا" لاتعرف الرحمة ولا الشفقة ..؟!وأنا خارج من ذلك المنز ل سمعت صراخ العانسين وعويلهما تنوحان على هذه المرأة ،وتندبان حظها بعد أن تأكدتا من خبر موتها فقلت في نفسي الويل لكما من العقاب أيتهـــــــا العقر بتـــــــان.

رشدي مصطفى الصاري
رشدي مصطفى الصاري
أرمنازي للعظم
أرمنازي للعظم

عدد المساهمات : 192
نقاط : 889
السٌّمعَة : 25
تاريخ التسجيل : 01/12/2010
العمر : 53
الموقع : الرياض

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العقربتان Empty رد: العقربتان

مُساهمة من طرف حسن شرحولي في الإثنين أبريل 15, 2013 8:40 pm

عندما قرأت هذه القصة منذ حوال 12 عام شعرت بشعور غريب و الان عندما قرأتها للمرة الثانية راودني نفس الشعور و الاحساس هو ان كل انسان حسب المثل القديم كل اناء بالذي فيه ينضح و المثل الارمنازي يقول اللي بتحطوا بالطنجرة بيطلع بالمغرفة ,هذا هو التكبر الذي يؤدي الى نتائج وخيمة و يجعل الانسان عديم الانسانية لا يهمه سوى الانا و كل ما سواه يدوسه بقدمه

حسن شرحولي
أرمنازي فعال
أرمنازي فعال

عدد المساهمات : 76
نقاط : 596
السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 06/07/2010
العمر : 39
الموقع : Senegal

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى