فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 25

اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 25

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الأربعاء سبتمبر 12, 2012 6:11 pm

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ
(25)
هذه البِشارةُ بالجِنان تتضمَّنُ تعريفاً بِنعَمٍ مؤجَّلَةٍ لِعُمومِ المؤمِنين على الوصفِ الذي يُشْرَحُ بلسانِ التفسيرِ. ويُشيرُ إلى البِشارةِ للخَواصِّ بنِعَمٍ مُعَجَّلَةٍ مُضافَةٍ إلى تلك النِعَمِ يُتيحها اللهُ لهم على التخصيص.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَزَاءَ الْكَافِرِينَ ذَكَرَ جَزَاءَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا. وَالتَّبْشِيرُ الْإِخْبَارُ بِمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْبَشَرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ} رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْإِيمَانَ
بِمُجَرَّدِهِ يَقْتَضِي الطَّاعَاتِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَا أَعَادَهَا، فَالْجَنَّةُ تُنَالُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَقِيلَ: الْجَنَّةُ تُنَالُ بِالْإِيمَانِ، وَالدَّرَجَاتُ تُسْتَحَقُّ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قولُه: {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} الْجَنَّاتُ: الْبَسَاتِينُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ جَنَّاتٌ لِأَنَّهَا تُجِنُّ مَنْ فِيهَا أَيْ تَسْتُرُهُ بِشَجَرِهَا، ومنه: الجَنينُ لاستتارِه، والمِجَنُّ: التُرْسُ لأنه يُسْتتَرُ به، وكذلك "الجُنَّة" لليَمين لأنّه يَسْتُرُ صاحبَه "واتخذوا أيمانهم جُنَّةً، والجِنَّة: سُمّو بذلك لاستِتارِهم عن أعينِ الناسِ.
قوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهار} أَيْ مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا، وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ، لِأَنَّ الْجَنَّاتِ دَالَّةٌ عَلَيْهَا. "الْأَنْهارُ" أَيْ مَاءُ الْأَنْهَارِ، فَنُسِبَ الْجَرْيُ إِلَى الْأَنْهَارِ تَوَسُّعًا، وَإِنَّمَا يَجْرِي الْمَاءُ وَحْدَهُ فحذف اختصارًا، كما قال تعالى: "وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" يوسف: 82. أَيْ أَهْلَهَا. وَقَالَ الشَّاعِرُ المُهَلْهِلُ:
نُبِّئْتُ أَنَّ النَّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ ........ وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ يَا كُلَيْبُ الْمَجْلِسُ
أَرَادَ: أَهْلُ الْمَجْلِسِ، فَحَذَفَ. وَالنَّهْرُ: مَأْخُوذٌ مِنْ أَنْهَرْتُ، أيْ وسَّعْتُ، ومنه قولُ قيسٍ ابنِ الْخَطِيمِ:
مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا ......... يَرَى قَائِمٌ مِنْ دُونِهَا مَا وَرَاءَهَا
ملكتُ بها كفي: أي شَدَدتُ، وأنهرتُها: أَيْ وَسَّعْتُهَا، يَصِفُ طَعْنَةً. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ)). مَعْنَاهُ: مَا وَسَّعَ الذَّبْحَ حَتَّى يَجْرِيَ الدَّمُ كَالنَّهْرِ. وَجَمْعُ النَّهْرِ: نُهْرٌ وَأَنْهَارٌ. وَنَهْرٌ نَهِرٌ: كَثِيرُ الْمَاءِ، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
أَقَامَتْ بِهِ فَابْتَنَتْ خَيْمَةً ..................... عَلَى قَصَبٍ وفُراتِ نَهْرِ
يقول: أَقامتْ بينَ قَصَبٍ أي رَكايا (آبار) وماءٍ عذبٍ، وكلُّ فُراتٍ فهو عذب.
وَرُوِيَ: أَنَّ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ لَيْسَتْ فِي أَخَادِيدَ، إِنَّمَا تَجْرِي عَلَى سَطْحِ الْجَنَّةِ مُنْضَبِطَةً بِالْقُدْرَةِ حَيْثُ شَاءَ أَهْلُهَا. وَالْوَقْفُ عَلَى "الْأَنْهارُ" حَسَنٌ وَلَيْسَ بِتَامٍّ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: {كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ} مِنْ وَصْفِ الْجَنَّاتِ. {رِزْقاً} مَصْدَرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الرِّزْقِ. وَمَعْنَى {مِنْ قَبْلُ} يَعْنِي فِي الدُّنْيَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ قَالُوا هَذَا الَّذِي وُعِدْنَا بِهِ فِي الدنيا. والثاني: هذا الذي رُزِقْنا في الدُّنْيَا، لِأَنَّ لَوْنَهَا يُشْبِهُ لَوْنَ ثِمَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا أَكَلُوا وَجَدُوا طَعْمَهُ غَيْرَ ذَلِكَ وَقِيلَ: "مِنْ قَبْلُ" يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ ثُمَّ يُرْزَقُونَ، فَإِذَا أُتُوا بِطَعَامٍ وَثِمَارٍ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَكَلُوا مِنْهَا، ثُمَّ أُتُوا مِنْهَا فِي آخِرِ النَّهَارِ قَالُوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ، يَعْنِي أُطْعِمْنَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، لِأَنَّ لَوْنَهُ يُشْبِهُ ذَلِكَ، فَإِذَا أَكَلُوا مِنْهَا وَجَدُوا لَهَا طَعْمًا غَيْرَ طَعْمِ الْأَوَّلِ. {وَأُتُوا} فُعِلُوا مِنْ أَتَيْتُ. وَقَرَأَهُ الْجَمَاعَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالتَّاءِ. وَقَرَأَ هَارُونُ الْأَعْوَرُ "وَأُتُوا" بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالتَّاءِ. فَالضَّمِيرُ فِي الْقِرَاءَةِ الْأُولَى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ لِلْخُدَّامِ. {بِهِ مُتَشابِهاً} حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي "بِهِ"، أَيْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْمَنْظَرِ وَيَخْتَلِفُ فِي الطَّعْمِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنْيَا وَيُبَايِنُهُ فِي جُلِّ الصِّفَاتِ. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ، وَلَيْسَ فِي الدنيا شي مِمَّا فِي الْجَنَّةِ سِوَى الْأَسْمَاءِ، فَكَأَنَّهُمْ تَعَجَّبُوا لِمَا رَأَوْهُ مِنْ حُسْنِ الثَّمَرَةِ وَعِظَمِ خَلْقِهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: خِيَارًا لَا رَذْلَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تعالى: "كِتاباً مُتَشابِهاً". الزمر: 23. وَلَيْسَ كَثِمَارِ الدُّنْيَا الَّتِي لَا تَتَشَابَهُ، لِأَنَّ فِيهَا خِيَارًا وَغَيْرَ خِيَارٍ. {وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ} أَزْوَاجٌ: جَمْعُ زَوْجٍ. وَالْمَرْأَةُ: زَوْجُ الرَّجُلِ. وَالرَّجُلُ زَوْجُ الْمَرْأَةِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تَقُولُ زَوْجَةً. وَحَكَى الْفَرَّاءُ أَنَّهُ يُقَالُ: زَوْجَةٌ، وَأَنْشَدَ الْفَرَزْدَقُ:
وَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ...... كَسَاعٍ إِلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا
الشَّرى: مَأْسَدَةٌ جانبَ الفُراتِ يُضرَبُ بها المَثَلُ. يَستَبيلُها؟: أيْ يأخُذُ بَوْلَها في يده.
وَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُمْ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْكِسَائِيُّ. ويُقالُ: الزّوجُ للذَّكَرِ والأنثى، ويَكون لِأَحَدِ المُزْدَوجيْن ولهما معاً، ويُقال: للأنثى زوجةٌ في لغةِ تميمٍ وكثيرٍ مِن قَيْسٍ، والمُرادُ هنا بالأزواجِ النِساءُ اللّاتي تَخْتَصُّ بالرّجلِ لا يَشْرَكُهُ فيها غيرُه، وليس في المفهوم اعتبارُ التوالُدِ الذي هو مَدارُ بَقاءِ النَّوْعِ حتّى لا يَصِحَّ إِطْلاقُهُ على أَزواجِ الجَنَّةِ لِخُلودِهم فيها واستغنائِهم عن الأولادِ، على أَنَّ بعضَهم صَحَّحَ التَوالُدَ فيها وروى آثاراً في ذلك لكنْ على وجهٍ يَليقُ بذلك المَقام، وذَكَرَ بعضُهم أنَّ الأولادَ
رُوحانيُّونَ واللهُ قادرٌ على ما يَشاء.
{مُطَهَّرَةٌ} نَعْتٌ لِلْأَزْوَاجِ. وَمُطَهَّرَةٌ فِي اللُّغَةِ أَجْمَعُ مِنْ طَاهِرَةٍ وَأَبْلَغُ، وَمَعْنَى هَذِهِ، الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَيْضِ والبُصاقِ وسائرِ أقذارِ الآدميّاتِ. ذَكَرَ عبدُ الرازّقِ قَالَ: أَخْبَرَنِي الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ:"مُطَهَّرَةٌ" قَالَ: لَا يَبُلْنَ وَلَا يَتَغَوَّطْنَ وَلَا يَلِدْنَ وَلَا يَحِضْنَ وَلَا يُمْنِينَ وَلَا يَبْصُقْنَ.
ومَعْنى كونِها مُطهَّرةً أنَّ اللهَ سبحانَه نَزَهَهُنَّ عن كلِّ ما يَشينُهُنَّ، فإنْ كُنَّ مِن الحُورِ ـ كما رُويَ ـ فمَعنى التَطهرِ خَلقُهُنَّ على الطهارةِ لم يَعلقْ بِهِنَّ دَنَسٌ ذاتيٌّ ولا خارِجِيٌّ، وإن ْكُنَّ مِن بني آدَمَ ـ كما رُوي أيضاً ـ فالمُرادُ إذْهابُ كلِّ شَيْنٍ عنهُنَّ مِن العُيوبِ الذاتيَّةِ وغيرِها.
والتطهيرُ يُقالُ في الأجسامِ والأخلاقِ والأفعالِ جميعاً، فيكون عاماً هنا بقرينةِ مَقامِ المدحِ لا مُطلَقاً مُنصرِفاً إلى الكاملِ، وكمالُ التطهيرِ إنّما يَحصُلُ بالقِسْمين.
وقرأ زيد بنُ عليٍّ "مُطهّرات"، وقرأ عبيد بن عمير: "مُطَّهَّرَةٍ" وأصلُه متطهرة فأُدغِم.
ولما ذكر ـ سبحانه وتعالى ـ مسكنَ المؤمنين ومَطعَمَهم ومَنْكَحَهم وكانت هذه المَلاذُّ لا تَبْلُغ درجةَ الكَمالِ مع خوفِ الزَّوالِ ولذلك قيل:
أشد الغم عندي في سرور ................... تيقن عنه صاحبه انتقالاً
أَعْقَبَ ذلك بِما يُزيلُ ما يُنَغِّصُ إنْعامَه مِن ذِكْرِ الخُلودِ في دارِ
الكرامةِ، والخُلودُ البَقاءُ لأنّها دارُ سلامٍ وقُدْسٍ لا خَوْفٍ ولا حُزْنٍ. والمرءُ لا يَهنَأُ بعيشٍ يَخاف زَوالَه بلْ قيلَ: البُؤسُ خيْرٌ مِن نَعيمٍ زائلٍ.
{وَهُمْ فِيها خالِدُونَ} الْخُلُودُ: الْبَقَاءُ وَمِنْهُ جَنَّةُ الْخُلْدِ. وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِيمَا يَطُولُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الدُّعَاءِ: خَلَّدَ اللَّهُ مُلْكَهُ أَيْ طَوَّلَهُ. قَالَ زُهَيْرٌ:
أَلَا لَا أَرَى عَلَى الْحَوَادِثِ بَاقِيًا ......... وَلَا خَالِدًا إِلَّا الْجِبَالَ الرَّوَاسِيَا
وَأَمَّا الَّذِي فِي الْآيَةِ فهو أبدي حقيقة.
قولُه تعالى: {وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ} هذه الجملةُ معطوفةٌ على ما قبلَها، عَطَفَ جُمْلَةَ ثوابِ المؤمنين على جملةِ عقابِ الكافرين، وجاز ذلك لأنَّه لا يُشْتَرَطُ في عطفِ الجُمَلِ التوافُقُ معنًى، بل تُعْطَفُ الطلبيَّةُ على الخبريَّةِ وبالعكس، بدليلِ قولِهِ:
تُناغي غَزالاً عند بابِ ابنِ عامرٍ ......... وَكَحِّلْ أماقِيكَ الحسانَ بإِثْمِدِ
وقول امرئ القيس:
وإنَّ شفائي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ .............. وهل عندَ رَسْمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
وقُرِئ: "وبُشِّرَ" ماضيًا مبنيًّا للمفعولِ. وهو عطف على "أُعِدَّت". قيل:"وهذا لا يتأتَّى على إعرابِ "أُعِدَّتْ" حالاً لأنّها لا تَصْلُحُ للحاليَّةِ.
والبِشارةُ: أَوّلُ خبرٍ من خيرٍ أو شرٍّ، قالوا: لأنَّ أثرَها يَظْهَرُ في البَشَرة وهي ظاهِرُ جلدِ الإِنسان، وأنشدوا:
يُبَشِّرُني الغُرابُ بِبَيْنِ أهلي ............... فقُلْتُ له: ثَكِلْتُكَ مِنْ بشيرِ
وقال آخر :
بَشَّرْتَنِي يا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتِي ............ جَفَوْنِي وأنَّ الوُدَّ موعدُهُ الحَشْرُ
وهذا رأيُ سِيبَوَيْهِ، إلّا أنَّ الأكثرَ استعمالُها في الخيرِ، وإنْ
اسْتُعْمِلَتْ في الشَرِّ فبِقَيْدٍ، كقولِهِ تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ} وإنْ أُطْلِقَتْ كانتْ للخيرِ، وظاهرُ كلامِ الزّمخشَرِيِّ أنّها تَختَصُّ بالخَيْرِ، لأنّه تَأَوَّلَ مثلَ: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ} على العكسِ في الكلامِ الذي يُقْصَدُ به الزيادةُ في غَيْظِ المُسْتَهْزَأ بِه وتألُّمِهِ. والفعلُ منها: بَشَرَ وبَشَّرَ مخفَّفًا ومُثَقَّلاً، كقولَه: "بَشَرْتُ عيالي ... " البيتَ، والتثقيلُ للتكثيرِ بالنسبة إلى المُبَشِّرِ به. وقد قُرِئَ المُضارعُ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، وأَمَّا الماضي فَلَمْ يُقْرَأْ بِه إلّا مُثقَّلاً نحو: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} وفيه لغةٌ أُخرى: أَبْشَرَ مثل أَكْرَمَ. وأنْكَرَ أبو حاتمٍ التَخفيفَ، وليس بصوابٍ لمَجيء مُضارعِهِ. وبِمعنى البِشارةِ: البُشُورُ والتَبْشيرُ والإِبْشَارُ، وإنْ اختَلَفَتْ أفعالُها. والبِشارَةُ أيضًا الجَمالُ، والبَشيرُ: الجميلُ، وتَباشيرُ الفَجْرِ أَوائلُهُ.
وقَرَأَ زيدٌ بنُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهما "وبُشِّرَ": ماضيًا مَبْنِيًّا للمَفعول.
وفاعلُ "بَشِّرْ": إِمَّا ضَميرُ الرسولِ عليه الصلاةُ والسلامُ، وهو الواضحُ، وإمَّا كُلُّ مَنْ تَصِحُّ منه البشارةُ. وكونُ صِلَةِ "الذين" فِعْلاً ماضيًا دونَ كونِهِ اسمَ فاعلٍ دليلٌ على أَنْ يَسْتَحِقَّ التَبشيرَ بِفضلِ اللهِ مَنْ وَقَعَ منه الإِيمانُ وتَحَقَّقَ به وبالأعمالِ الصالحةِ.
و"الصالحاتُ" جمعُ صالحةٍ وهي من الصفاتِ التي جَرَتْ مَجْرى الأسماءِ في إيلائِها العواملَ، قال:
كيفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ ....... مِنْ آلِ لَأْمٍ بظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي
وعلامةُ نَصبِهِ الكَسْرَةُ لأنَّهُ مِن بابِ جَمْعِ المُؤنَّثِ السالِمِ نِيابَةً عن الفتحةِ التي هي أصلُ النَّصْبِ.
قولُه تعالى: {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} جنّات: اسْمُ أَنَّ، و"لهم" خبرٌ مقدمٌ، ولا يَجوزُ تقديمُ خبرِ "أنَّ" وأخواتِها إلّا ظَرْفاً أوْ حَرْفَ جَرٍّ، و"أَنَّ" وما في حَيِّزها في مَحلِّ جَرٍّ عندَ الخَليلِ والكَسائِيِّ، ونَصْبٍ عندَ سِيبَوَيْهِ والفرّاءِ، لأنَّ الأصلَ وبَشِّرِ الذين آمنوا بأنَّ لهم، فحُذِفَ حرفُ الجَرُّ معَ "أَنَّ"، وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ معها ومع "أَنْ" الناصبةِ للمُضارعِ، بِشَرْطِ أَمْنِ اللَّبْسِ، بسببِ طُولِهِما بالصِلَةِ، فلمّا حُذِفَ حرفُ الجَرِّ جَرى الخلافُ المذكورُ، فالخليلُ والكسائِيُّ يقولان: كأنَّ الحرفَ موجودٌ فالجرُّ باقٍ. واستدلَّ الأخفشُ لهما بقولِ الشاعر:
وما زُرْتُ ليلى أنْ تَكُونَ حبيبةً ............... إليَّ لا دَيْنٍ بها أنا طالِبُهْ
فَعَطْفُ "دَيْنٍ" بالجرِّ على محلِّ "أنْ تكونَ" يُبيِّنُ كونَها مجرورةً، قيل: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكونَ مِن بابِ عَطْفِ التَوَهُّمِ فلا دَليلَ فيه. والفَرّاءُ وسِيبَوَيْهِ يَقولان: وَجَدْناهم إذا حَذَفوا حَرفَ الجَرِّ نَصَبُوا، كقولِ جريرٍ:
تَمُرُّونَ الديارَ وَلَمْ تَعُوجُوا .................... كَلامُكُمُ عليَّ إذاً حَرَامُ
أي بالدِّيارِ، ولا يَجوزُ الجَرُّ إلّا في نادرِ شعرٍ، كقولِ الفرزدق:
إذا قيلَ: أيُّ الناسِ شَرُّ قبيلةٍ ......... أَشَارتْ كليبٍ بالأَكفِّ الأصابعُ
أي: إلى كُلَيْبٍ، وقولِ الآخر:
وكَرِيمَةٍ من آلِ قَيْسَ!أَلَفْتُهُ ................ حَتَّى تَبَذَّخَ فَارْتَقَى الأَعْلامِ
أَي: ورُبَّ كَرِيمَةٍ، والهاءُ لِلْمُبَالِغَةِ، ومَعْناه ارْتَقَى إِلَى الأعْلامِ، فحذَف
إِلَى وهو يُرِيدُهُ.
قوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} هذه الجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ لأنَّها صفةٌ لـ "جنَّات"، و"تَجْرِي" مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِه ضمَّةٌ مقدَّرةٌ في الياءِ استثقالاً، وكذلك تُقَدَّرُ في كلِّ فعلٍ معتلٍ نحو: يَدْعو، ويَخْشَى، إلاَّ أَنَّها في الألِفِ تُقَدَّرُ تعذُّراً.
و{مِن تَحْتِهَا} متعلقٌ بتجري، و"تحت" مكانٌ لا يَتَصَرَّفُ، وهو نقيضُ "فوق" إذا أُضيفا أُعْرِبَا، وإذا قُطِعَا بُنِيَا على الضم. و"مِنْ" لابتداءِ الغايةِ وقيل: زائدةٌ.
والألفُ واللّامُ في "الأنهار" للجنس. قوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ} تقدَّم الكلامُ في "كُلَّما" والعاملُ فيها هنا: "قالوا" و"منها" متعلِّق بـ "رُزِقوا" و"مِنْ" لابتداءِ الغايةِ وكذلك "مِنْ ثمرةٍ" لأنّها بَدَلٌ من قولِه: "منها" بدَلَ اشتمالٍ بإعادةِ العاملِ، وإنّما قُلْنَا بدلَ اشتمالٍ، لأنّه لا يتعلَّقُ حرفان بمعنىً واحدٍ بعاملٍ واحدٍ إلّا على سبيلِ
البَدَليَّةِ أو العطفِ.
والثمرةُ يجوزُ حملُها على النوعِ وعلى الجَنَأَةِ الواحدة، و"رِزْقاً" مفعولٌ ثانٍ لـ "رُزِقوا" وهو بمعنى "مَرْزوقٍ".
"قالوا" هو العاملُ في "كلَّما" كما تقدَّم و{هذا الذي رُزِقْنَا} مبتدأٌ وخبرٌ في محلِّ نصبٍ بالقول، وعائدُ الموصولِ محذوفٌ لاستكمالِهِ الشروطَ، أي: رُزِقْناه. و"مِنْ قَبلُ" متعلِّقٌ به. و"مِنْ" لابتداءِ الغايةِ، ولَمَّا قُطِعَتْ "قبلُ" عن الإضافة بُنِيَتْ، وإنّما بُنِيَتْ على الضَّمَّةِ لأنّها حركةٌ لم تكنْ لها حالَ إعرابَها.
واختُلِفَ في هذه الجملةِ، فقيل: لا محلَّ لها مِنَ الإِعرابِ لأنَّها استئنافيةٌ كأنْ قِيلَ لَمَّا وُصِفَت الجَنّاتُ: ما حالُها؟ فقيل: كلّما رُزِقوا قالوا. وقيل: لَهَا محلٌّ، ثمّ اختُلِفَ فيه فقيل: رَفعٌ على أنّه خَبَرُ مُبتَدأٍ محذوفٍ، واختُلِفَ في ذلك المبتدأ، فقيل: ضميرُ الجنّاتِ أيْ هي كلّما. وقيل: ضميرُ الذين آمنوا أي: هم كلّما رُزقوا قالوا ذلك. وقيل: محلُّها نَصْبٌ على الحالِ وصاحبُها: إمَّا الذينَ آمنوا وإمَّا جنّات، وجازَ ذلك وإنْ كان نَكِرَةً لأنّها تَخَصَّصَتْ بالصِّفةِ، وعلى هذين تكونُ حالاً مقدَّرةً لأنّ وقتَ البِشارةِ بالجنّاتِ لم يكونوا مَرزوقينَ ذلك. وقيل: مَحَلُّهَا َنَصْبٌ على أنّها صفةٌ لجَنّاتٍ أيضاً.
قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} الظاهرُ أنَّها جُملةٌ مُستأنفةٌ. وقيل: هي
عطفٌ على "قالوا"، وقيل: محلُّها النصبُ على الحالِ، وصاحبُها فاعلُ "قالوا" أي: قالوا هذا الكلامَ في هذه الحالِ، ولا بُدَّ مِن تقديرِ "قد"
قبلَ الفِعلِ أي: وقد أُتُوا، وأَصلُ أُتُوا: أُتِيُوا مثل: ضُرِبوا، فَأُعِلَّ كَنَظائرِه.
وقُرِئَ: وأَتَوا، مبنيًّا للفاعل، والضميرُ للوِلْدان والخَدَمْ، للتصريحِ بهم في غير موضع. والضميرُ في "به" يعودُ على المرزوق الذي هو الثمرات، كما أنَّ "هذا" إشارةٌ إليه.
{وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خالدون} صفةٌ ثالثةٌ ورابعةٌ للجنّاتِ، وأُورِدت الأَوّلِيَّتان بالجُملةِ الفِعْليَّةِ لإفادةِ التَجَدُّدِ، وهاتان بالاسميّةِ لإفادةِ الدوامِ، وتَرْكُ العاطِفِ في البعضِ مع إيرادِه في البعضِ الآخَرِ قيل: للتَنبيهِ على جَوازِ الأَمريْن في الصِفاتِ.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى