فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 39

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 39

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الأربعاء سبتمبر 19, 2012 1:39 pm

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
(39)
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا}. أَيْ أَشْرَكُوا، لِقَوْلِهِ: {وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ}. الصُّحْبَةُ: الِاقْتِرَانُ بِالشَّيْءِ فِي حَالَةٍ مَّا فِي زمان ما فان كانت الملازمة والخُلطة فهو كَمَالُ الصُّحْبَةِ وَهَكَذَا هِيَ صُحْبَةُ أَهْلِ النَّارِ لَهَا. وَبِهَذَا الْقَوْلِ يَنْفَكُّ الْخِلَافُ فِي تَسْمِيَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِذْ مَرَاتِبُهُمْ مُتَبَايِنَةٌ وَبَاقِي أَلْفَاظِ الْآيَةِ تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا. "والذين كفروا" عطفٌ على "فَمَن تَبِعَ". الآيةالسابقة. قسيمٌ له كأنَّه قال: ومَن لمْ يَتبعْهُ.
قوله: {وكذبوا بآياتنا}. الآيةُ في الأصلِ: العلامةُ الظاهرةُ بالقياس إلى ذي العَلامة، ومنه آيةُ القُرآنِ لأنّها علامةٌ لانْقطاعِ الكلامِ الذي بعدَها والذي قبلَها، أوْ لِأِنَّها علامةٌ على مَعناها وأحكامِها، وقيل: سُمِّيتْ آيةً لأنَّ الآيةَ تُطلَقُ على الجَماعةِ أيْضاً، كما قال أبو عَمْرٍو، يُقالُ: خَرَجَ القَوْمُ بِآيَتِهم أيْ بِجَماعَتِهم، وهي (الآيةُ) جَماعةٌ مِنَ القُرآنِ وطائفةٌ مِنَ الحُروف، والمُرادُ بالآيات ـ هنا ـ الكُتُبُ المُنزَّلةُ أو الأنبياءُ، أو القرآنُ، أو الدَوَالُّ عليه ـ سبحانَه ـ مِن كُتُبِهِ ومَصنوعاتِه، ويَنزِلُ المَعقولُ مَنزلةَ المَلفوظِ لِيَتأتيَ التكذيبُ، وأشارَ بـ {أولئك} إلى الموصولِ باعتبارِ اتّصافِه بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلإشعارِ بتميُّزِ "أولئك" بذلك الوصف تميّزاً مُصحِّحاً للإشارة الحِسِّيَّةِ معَ الإيذانِ ببُعدِ منزلتهم فيه. والخلود هنا الدوام على ما انْعَقدَ عليه الإجماعُ، ومِن البديعِ ما ذَكَره بعضُهم أنَّ في الآيتين نوعاً منه، يُقالُ له الاحْتِباكُ.
والمؤمنُ بيْن أنْ يُطيعَ اللهَ فيُثيبُه بالنّعيمِ وبيْنَ أنْ يَعصيَه فيُعاقبُه بالجَحيمِ، ومِنَ العَجَبِ أنَّ الجَماداتِ وغيرَ المُكلَّفينَ مِن العِبادِ يَخافون عذابَ اللهِ ويَقومونَ بحقوقِ اللهِ ولا يَخافُه المكلفون.
رُوِيَ عن مالِك بنِ دِينارَ ـ رَحمَهُ اللهُ ـ أنَّه مَرَّ يومًا على صَبِيٍّ وهو يَلعَبُ بالتُرابِ، يَضحَكُ تارةً ويَبْكي أخْرى، قال: فهَمَمْتُ أنْ أُسَلِّمَ عيله فامْتَنَعْتْ نَفسي تَكَبُّرًا، فقلت: يا نَفْسُ كان النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ يُسلِّمُ على الصّغارِ والكِبارِ، فسَلَّمتُ عليه، فقال: وعليكَ السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ يا مَالك ابن دينار، فقلت: مِنْ أينَ عَرَفْتَني ولم تَكُنْ رأيْتَني؟ فقال: حيثُ الْتقتْ روحي بِروحِكَ في عالَم المَلَكوتِ عَرَّفَ بيني وبينَكَ الحَيُّ الذي لا يَموتُ، فقلت: ما الفرقُ بين العقلِ والنّفسِ؟ قال: نفسُكَ التي مَنَعَتْكَ عنِ السّلامِ وعقلُك الذي بَعَثَكَ عليه، فقلت: ما بالُك تَلعَبُ بهذا التُراب؟ فقال: لأنّا منْهُ خُلِقْنا وإليه نَعودُ، فقلت: أراكَ تَضْحَكُ تارةً وتَبْكي أخرى!! قال: نعمْ إذا ذَكرتُ عذابَ ربّي بَكيتُ، وإذا ذَكرتُ رَحمتَه ضَحِكتُ، فقلت: يا وَلَدي أيُّ ذَنْبٍ لك حتّى تَبْكي؟ فقال: يا مالكُ لا تَقُلْ هذا فإنّي رأيتُ أُمّي لا تُوقِدُ الحَطَبَ الكِبارَ إلّا ومعَه الحَطبُ الصِغارُ.
قولُه ـ سبحانه: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} الذين: اسْمٌ موصولٌ، مُبتَدَأٌ وما بعدَه صلةُ المَوصولِ وعائدٌ، و"بآياتنا" متعلِّقٌ بـ "كذَّبوا". ويَجوزُ أَنْ تَكونَ الآيةُ مِنْ بابِ الإِعْمال، لأنَّ "كفروا" يَطْلُبُها، ويكونُ مِن إعْمالِ الثاني للحذفِ مِن الأوّلِ، والتقديرُ: كفَروا بِنا وكَذَّبوا بآياتِنا.
قولُهُ: {أولئك أصحاب النار}أولئك: مبتدأٌ ثانٍ و"أصحابُ"
خَبَرُه، والجُملةُ خَبَرُ الأولِّ، ويَجوزُ أنْ يكونَ "أولئك" بَدَلاً مِن
المَوصولِ أو عطفَ بيانٍ له، و"أصحابُ" خبرَ المُبتدأِ المَوصولِ.
قولُه: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} جملةٌ اسميّةٌ في مَحلِّ نصبٍ على الحالِ، ويجوزُ أنْ تكونَ حالاً من "النار" لأَنَّ فيها ضميراً يعودُ عليها، ويكونُ العامل فيها معنى الإِضافةِ أوْ اللّامُ المُقدَّرَةُ. ويَجوزُ أنْ تَكونَ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ لـ "أُولئك"، وأيضاً فيكونُ قد أُخْبِرَ عنه بخبرين، الأوّلُ مُفردٌ وهو "أصحابُ". والثاني جُملَةُ "هم فيها خالدون". و"فيها" متعلِّقٌ بـ "خالدون".
قالوا: وحُذِفَ مِنَ الكلامِ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ في الثاني، ومِنَ الثاني ما أُثْبِتَ في الأوَّلِ، والتقديرُ: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فلا خَوْفٌ ولا حُزْنٌ يَلْحَقُهُ وهوَ صاحِبُ الجَنّةِ، ومَنْ كَفَر وكَذَّب لَحِقَه الحُزْنُ والخَوْفُ وهو صاحبُ النارِ لِأنَّ التقسيمَ يقتضي ذلك. والآيَةُ لغةً: العلامةُ، قال النابغةُ الذبيانيُّ:
تَوَهَمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها ................ لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابِعُ
وسُمِّيَتْ آيةُ القرآنِ آيةً لأنّها علامةٌ لِانْفِصالِ ما قبلَها عَمَّا بَعدَها. وقيلَ: سُمِّيَتْ بذلك لأنّها تَجْمَعُ حروفاً من القرآن فيكون مِنْ قولِهم: "خَرَجَ بَنو فُلانٍ بآيَتِهم، أي: بجماعتِهم، قال الشاعر برج بن مسهر الطائيُّ:
خَرَجْنا مِن النَّقْبَيْنِ لا حَيَّ مِثْلُنا .......... بآياتِنا نُزْجي اللِّقاحَ المَطافِلاَ
وَوزنها فَعْلةٌ بِسُكونِ العَيْنِ، لأنّها مِنْ تَأَيَّا القومُ أيْ اجْتَمَعوا،
وقالوا في الجَمْعِ: آياء، فَظَهَرَتِ الياءُ الأولى، والهمزةُ الأخيرةُ بدلٌ من
ياء، ووزنُه أَفْعال، والألفُ الثانيةُ بدلٌ من همزةٍ هي فاءُ الكلمة.
والمُتَبادَرُ مِن الكُفْرِ الكُفْرُ بالله تعالى، ويُحتَمَلُ أنْ يَكونَ كَفروا وكذّبوا مُتوجّهيْن إلى الجَارِّ والمَجرورِ فيُرادُ بالكُفرِ بالآياتِ إنْكارُها بالقلب، وبالتكذيب إنْكارُها باللسان.
وأتى ـ سبحانَه ـ بِنونِ العَظَمَةِ للمَهابَةِ وإدْخالِ الرّوعّةِ، وأَضافَ ـ تَعالى ـ الآياتِ إليْها لإظهارِ كمالِ قُبْحِ التّكذيبِ بها. ومعْنى الصُّحْبةِ الاقْتِرانُ بالشيْءِ، والغالِبُ في العَرَبِ أنْ تُطلِقَها على المُلازَمةِ.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى