فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 51

اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 51

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الثلاثاء سبتمبر 25, 2012 10:21 am



وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51)

قولُه سبحانه: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} لفظُ المُواعَدَةِ من اللهِ خاصَّةٌ لمُوسى ـ عليه السلام ـ وكان ذلك بعد أنْ جاوَزَ البحر وسأله قومُه أنْ يأتيَهم بكتابٍ مِن عندِ اللهِ فخرجَ إلى الطورِ في سبعينَ من خِيارِ بني إسرائيل ، و"أربعين ليلة" كانت ثلاثينَ من ذي القِعدةِ وعَشْراً من ذي الحِجَّةِ، وبهذا استدلَّ علماءُ الصوفيَّةِ على الوصالِ وأَنَّ أفضلَه أربعون يومًا وسيأتي الكلامُ في الوِصالِ في آيِ الصِّيامِ مِن هذه السورةِ إنْ شاء اللهُ تعالى.

وفي هذه الآيةِ إشارةٌ إلى صِلَةِ الصومِ لأنَّه تعالى لو ذَكَرَ الأيامَ لأَمكنَ أنْ يُعتَقَدَ أنَّه كان يُفطِرُ بالليلِ، فلمّا نَصَّ على الليالي اقتضت قوَّةُ الكلامِ أنَّه ـ عليه السلام ـ واصلَ أربعين يومًا بلياليها قال ابن عطية: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ الشيخَ الزاهدَ الإمامَ الواعظَ أبا الفضلِ الجوهريَّ ـ رحمه الله ـ يَعِظُ الناسَ في الخُلوةِ باللهِ والدُنُوِّ منه في الصلاةِ ونحوِه، وأنَّ ذلك يَشغَلُ عن كلِّ طعامٍ وشرابٍ ويقول: أين حالُ موسى في القُربِ مِن اللهِ! ووِصالِ ثمانين مِن الدّهرِ من قولِه حين سار إلى الخَضِرِ لفتاه في بعضِ يومٍ: {آتنا غَداءنا}

وقُرِنَ التاريخُ بالليلِ دونَ النهارِ لأنّ شهورَ العربِ وُضعت على سيرِ القمرِ، والهلالُ إنَّما يَهِلُّ بالليلِ، وقيل: لأنَّ الظلمةَ أقدمُ مِن الضوءِ، وخُلِقَ الليلُ قبلَ النهارِ، قال الله تعالى: {وآية لهم الليلُ نَسلخُ منه النهارَ} وذلك أنّ بَني إسرائيلَ لمّا أمِنوا مِن عدوِّهم ودخلوا مصرَ لم يكن لهم كتابٌ ولا شَريعةٌ ينتهون إليهما، فوعدَ اللهُ موسى أنْ يُنزِّلَ عليه التوراةَ فقال موسى لقومه: إنّي ذاهبٌ لِميقاتِ ربِّكم وآتيكم بكتابٍ فيه بيانُ ما تأتون وما تَذَرون، وواعدَهم أربعين ليلةً، ثلاثين من ذي القِعدةِ وعشراً من ذي الحجَّةِ، واستَخلف عليهم أخاه هارون، فلمّا أتى الوعدُ جاءَ جبريلُ على فرسٍ يُقالُ لهُ فَرسُ الحياة، لا يُصيب شيئاً إلا حَيِيَ، ليذهب بموسى إلى ميقات ربّه، فلمّا رآه السامريُّ وكان رجلاً صائغاً اسمُه ميخا أو موسى بن مُظَفَّرٍ ـ كما رُوي عن عبد الله ابنِ عبّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما ـ وكان إسرائيليًّا من قبيلة يُقالُ لها "سامرة" مِن أهلِ كَرَمان ـ وكان منافقاً أظهرَ الإيمانَ بموسى ـ وهو من قوم يعبُدون البقرَ، فلمّا رأى جبرائيلَ على ذلك الفرسِ ورأى مَواضِعَ قدَمِ الفَرسِ تَخْضَرُّ في الحالِ قال: إنَّ لهذا لشأنًا، فأخذ قبضةً من تُربةِ حافرِ فرسِ جبرائيلَ ـ عليه السلام ـ. وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حُليّاً كثيرةً مِن قومِ فرعونَ حين أرادوا الخروجَ مِن مِصرَ بِعِلَّةِ عرسٍ لهم، ـ كما سبق أن ذكرنا في قصَّةِ غرق فرعون ـ وأَهلَكَ اللهُ فرعونَ فبقيتْ تلك الحُلِيُّ في أيدي بني إسرائيل، فلمّا فَصَلَ موسى قال السامريُّ لبني إسرائيلَ: إنَّ الحُلِيَّ التي استعرتموها مِن قومِ فِرعون غَنيمةٌ لا تَحِلُّ لكم، فاحفُروا حُفرةً وادفنوها فيها حتّى يَرجِعَ موسى فيرى فيها رأيه.

وإنَّ هارون ـ عليه السلام ـ أمرهم أنْ يُلقوها في حَفيرةٍ، حتّى يَرجِعَ مُوسى ففعلوا، فلمّا اجتمعت الحُلِيُّ صاغَها السامريُّ عِجْلاً في ثلاثةِ أيامٍ، ثمَّ ألقى فيها القَبْضَةَ التي أَخَذَها مِن تُرابِ فرسِ جِبرائيلَ ـ عليه السلام ـ فخرجَ عِجْلاً مِن ذَهَبٍ مُرَصَّعاً بالجَواهِرِ كأحسَنِ ما يكون، وكان يَخورُ ويَمشي، فقال السامريُّ {هذا إلهُكم وإلهُ موسى فنسي} أيْ نَسِيَهُ موسى هاهنا فخرج يطلُبه.

وكانت بنو إسرائيلَ قد أَخْلَفوا الوعدَ فعدّوا اليومَ معَ الليلةِ يوميْن فلمّا مضتْ عِشرونَ يَوماً ولم يَرْجِعْ موسى وقعوا في الفِتنةِ.

وقيل: كان موسى قد وَعَدَهم ثلاثين ليلةً ثمَّ زِيدتْ العَشَرَةُ فكانت فتنتُهم في تلك العَشَرةِ فلمّا مَضَتْ الثلاثون ولم يَرْجِعْ موسى، ظنّوا أنَّه قد مات، ورأَوْا العِجلَ وسَمِعوا قولَ السامِريِّ فعَكَفَ ثمانيةُ آلافِ رجلٍ منهم على العِجْلِ يَعْبُدونَه، وقيل: كلُّهم عبدوه إلَّا هارونَ مع اثْنَى عَشَرَ ألفِ رجلٍ، وقيل كلُّهم عبدوه إلاّ هارون وحدَه.

قولُه: {وَاعَدْنَا} قرأ أبو عمروٍ "وَعَدْنا" على أنَّ المُواعدةَ إنّما تكونُ من البشر، وأمَّا اللهُ تعالى فهو المنفردُ بالوَعْد والوعيد، وعلى هذا وجَدْنَا القرآن، نحو: {وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ} و{وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ } و{وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق} و{وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله} وأيضاً فإنَّ ظاهرَ اللفظِ فيه وَعْدٌ من اللهِ لموسى، وليسَ فيه وعدٌ مِنْ موسى فَوَجَبَ حَمْلُهُ على الواحدِ بظاهر النص. ولأن المواعَدَةَ أكثرُ ما تكونُ من المخلوقين وبين المتكافِئين.

وقرأ باقي القراء:"واعَدنْا" بألف وقالوا بأن المفاعلةَ هنا صحيحةٌ، بمعنى أنَّ موسى نزَّلَ قبولُه لالتزام الوفاءِ بمنزلة الوَعْدِ منه، أو أنَّه وَعَدَ أن يُعْنَى بما كلَّفه ربُّه. فالمواعدة أصلُها من اثنين، وقد تأتي بمعنى فَعَل، فالقراءتان بمعنىً واحد.

ورجَّح قوم "واعدنا" لأن واعَدْنا موسى إنما هو من قولك: مَوْعِدُكَ يومُ كذا وموضعُ كذا، والفصيحُ في هذا "واعَدْنا" لأنّ الطاعةَ في القَبول بمنزلةِ المواعدة، فمِنَ الله وَعْدٌ، ومِنْ موسى قَبولٌ واتِّباعٌ، فجَرى مَجْرَى المواعدة.

و"وعدَ" يتعدَّى لاثنين، فموسى مفعولٌ أولُ، وأربعين مفعولٌ ثانٍ، ولا بُدَّ من حَذْفِ مضاف، أي: تمامَ أربعين، ولا يجوزُ أن ينتصِبَ على الظرفِ لفسادِ المعنى وعلامةُ نصبه الياءُ لأنه جارٍ مجرى جَمْعِ المذكر السالم ، وهو في الأصلِ مفرد اسمُ جمعٍ، سُمِّي به هذا العَقْدُ من العَدَد، ولذلك أَعْربه بعضُهم بالحركاتِ ومنه في أحدِ القولين قولُ سحيم بن وثيل:

أنا ابن جلا وطلاَّع الثنايا .................. متى أضع العمامة تعرفوني

وماذا يبتغي الشعراء مني ................... وقد جاوزت حد الأربعين

بكسر النون. و"ليلةً" نصبٌ على التمييز، والعُقود التي هي من عِشْرين إلى تسعين وأحدَ عشرَ إلى تسعةَ عشرَ كلُّها تُمَيَّز بواحدٍ منصوبٍ.

وموسى اسمٌ أعجمي ـ ممنوع من الصرفٍ ـ، وهو في الأصل مركب من مُوشى بالشين لأنَّ "ماء" بلغتهم يقال له: "مُو" والشجر يقال له "شاء" فعرَّبته العربُ فقالوا موسى، قالوا: وقد لَقِيه آلُ فرعون عند ماءٍ وشجرٍ.

واختلافُهم في موسى: هل هو مُفْعَل مشتقٌّ من أَوْسَيْتُ رأسَه إذا حلقتُه فهو مُوسى، كأعطيتُه فهو مُعْطَىً، أو هو فُعْلَى مشتقٌّ من ماسَ يميس أي: يتبخترُ في مِشْيَته ويتحرَّكُ، فقُلِبَتِ الياءُ واواً لانضمامِ ما قبلَها كمُوْقِن من اليقين، إنما هو في مُوسى الحديدِ التي هي آلةُ الحَلْق، لأنها تتحرَّك وتضطربُ عند الحَلْقِ بها،ولا خلاف على موسى اسمِ النبي عليه السلام في أنه أعجميٌّ.

قولُه تعالى: {ثُمَّ اتخذتم العجل} اتَّخذ يتعدَّى لاثنينِ، والمفعولُ الثاني محذوفٌ أي: ثم اتّخذتم العجلَ إلهاً. وقد يتعدَّى لمفعولٍ واحد إذا كان معناه عَمِل وجَعَل نحو: {وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً} وقال بعضُهم: تَخِذَ واتَّخَذَ يتعدَّيانِ لاثنين ما لَمْ يُفْهِمَا كَسْباً، فيتعدَّيان لواحدٍ.

واختُلِفَ في اتَّخَذَ فقيل: هو افْتَعَلَ من الأخْذ والأصلُ: أأتخذ الأوُلى همزةُ وصلٍ والثانيةُ فاءُ الكلمةِ فاجتمعَ همزتان ثانيتُهما ساكنةٌ بعد أخرى، فَوَجَبَ قلبُها ياءً كإيمان، فَوَقَعَت الياءُ قبلَ تاءِ الافتعالِ فأُبْدِلَتْ تاءً وأُدْغِمَتْ في تاءِ الافتعال كاتَّسر مِن اليُسْر، إلاَّ أنَّ هذا قليلٌ في باب الهمز نحو: اتَّكل من الأكْل واتَّزَرَ من الإِزارِ.

والقُرَّاءُ على إدغامِ الذالِ في التاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجِهما، وابنُ كثيرٍ وعاصم في رواية حَفْصٍ بالإِظهار، وهذا الخلافُ جارٍ في المفردِ نحو: اتَّخَذْتُ،والجمع نحو: اتَّخَذْتُم، وأتى في هذه الجملة بـ "ثُمَّ" دلالةً على أنَّ الاتخاذَ كان بعدَ المواعدة بمُهْلَةٍ.

قولُه: {مِنْ بعدِه وأنتم ظالمون} متعلِّقٌ باتَّخَذْتُمْ، و"مِنْ" لابتداءِ الغايةِ، والضميرُ يعودُ على موسى، ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ، أي: مِنْ بعدِ انطلاقِه أو مُضِيِّهِ، يعودُ على موسى. "وأنتم ظالمون" جملةٌ حاليةٌ من فاعل"اتَّخَذْتُمْ".

avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 811
نقاط : 2408
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى