فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 54

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 54

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الأربعاء سبتمبر 26, 2012 2:51 pm

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ} الْقَوْمُ: الْجَمَاعَةُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ}. الحجرات: 11. ثم قال: {وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ}. الحجرات: 11. وَقَالَ زُهَيْرٌ:
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ................ أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ}. الأعراف: 80. أَرَادَ الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ. وَقَدْ يَقَعُ الْقَوْمُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ}. نوح: 1. وَكَذَا كُلُّ نَبِيٍّ مُرْسَلٌ إِلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ جَمِيعًا. وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْقَوْمِ عَبَدَةُ الْعِجْلِ وَكَانَتْ مُخَاطَبَتُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لهم بأمرٍ مِنَ اللهِ تعالى. وفي نِداءِ موسى ـ عليه السلامُ ـ لهم بقولِه: "يا قوم" تَلَطُّفٌ في الخطابِ لِيَجْذِبَ قلوبَهم إلى سَماعِه، ولِيَحمِلَهم على تَلَقِّي أَوامِرِه بحُسْنِ الطاعةِ، ولِيُشعِرَهم بأنَّهم قومُه فهو منهم وهُمْ منهُ، وإنَّما يُريدُ لَهُمُ الخيْرَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} اسْتَغْنَى بِالْجَمْعِ الْقَلِيلِ عَنِ
الْكَثِيرِ وَالْكَثِيرُ نُفُوسٌ وَقَدْ يُوضَعُ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ مَوْضِعَ جَمْعِ الْقِلَّةِ
وَالْقَلِيلُ مَوْضِعَ الكَثرةِ. قال الله تعالى: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}. البقرة: 228. وقال: {وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ}. الزخرف: 71. وَيُقَالُ لِكُلِّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا يَعُودُ عَلَيْهِ ضَرَرُهُ: إِنَّمَا أَسَأْتَ إِلَى نَفْسِكَ. وَأَصْلُ الظُّلْمِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
قَالَ تَعَالَى: {بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ}. قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْمَعَانِي عِجْلُ كُلِّ إِنْسَانٍ نَفْسُهُ فَمَنْ أَسْقَطَهُ وَخَالَفَ مُرَادَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ ظُلْمِهِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ هُنَا عِجْلٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ عَبَدُوهُ كَمَا نَطَقَ بِهِ التَّنْزِيلُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ} لَمَّا قَالَ لَهُمْ: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ قَالُوا: كَيْفَ؟ قَالَ: "فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ". قَالَ أَرْبَابُ الْخَوَاطِرِ: ذَلِّلُوهَا بِالطَّاعَاتِ وَكُفُّوهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ. والصحيح أنَّه قتلٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُنَا. وَالْقَتْلُ: إِمَاتَةُ الْحَرَكَةِ. وَقَتَلْتُ الْخَمْرَ: كَسَرْتُ شِدَّتَهَا بِالْمَاءِ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: التَّوْبَةُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ وَكَانَتْ تَوْبَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقَتْلَ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَبَدَةِ الْعِجْلِ بِأَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: {فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}. قَامُوا صَفَّيْنِ وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا فَكَانَ ذَلِكَ شَهَادَةً لِلْمَقْتُولِ وَتَوْبَةً لِلْحَيِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ظَلَامًا فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَقِيلَ وَقَفَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ صَفًّا وَدَخَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ عَلَيْهِمْ بِالسِّلَاحِ فَقَتَلُوهُمْ وَقِيلَ: قَامَ السَّبْعُونَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ مُوسَى فَقَتَلُوا ـ إِذْ لَمْ يَعْبُدُوا الْعِجْلَ ـ مَنْ عَبَدَ الْعِجْلَ. وَيُرْوَى أَنَّ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مُحْتَبُونَ فَقَالَ مَلْعُونٌ مَنْ حَلَّ حَبْوَتَهُ أَوْ مَدَّ طَرَفَهُ إِلَى قَاتِلِهِ أَوِ اتَّقَاهُ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَمَا حَلَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَبْوَتَهُ حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ (يَعْنِي مَنْ قُتِلَ) وَأَقْبَلَ الرَّجُلُ يَقْتُلُ مَنْ يَلِيهِ. ذَكَرُهُ النَّحَّاسُ وَغَيْرُهُ. وَإِنَّمَا عُوقِبَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا الْعِجْلَ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُغَيِّرُوا الْمُنْكَرَ حِينَ عَبَدُوهُ وَإِنَّمَا اعْتَزَلُوا وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَنْ عَبَدَهُ. وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ إِذَا فَشَا الْمُنْكَرُ وَلَمْ يُغَيَّرْ عُوقِبَ الْجَمِيعُ.
رَوَى جَرِيرٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ وَأَمْنَعُ لَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ. فَلَمَّا اسْتَحَرَّ (اشتدَّ) فِيهِمُ الْقَتْلُ وَبَلَغَ سَبْعِينَ أَلْفًا عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَإِنَّمَا رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْقَتْلَ لِأَنَّهُمْ أَعْطَوُا الْمَجْهُودَ فِي قَتْلِ أَنْفُسِهِمْ فَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ نِعْمَةً بَعْدَ الْإِسْلَامِ هِيَ أَفْضَلُ مِنَ التَّوْبَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {بارِئِكُمْ} الْبَارِئُ: الْخَالِقُ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْبَارِئَ هُوَ الْمُبْدِعُ الْمُحْدِثُ. وَالْخَالِقُ هُوَ الْمُقَدِّرُ النَّاقِلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ. وَالْبَرِيَّةُ الْخَلْقُ وَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تُهْمَزُ وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو" بَارِئْكُمْ" بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُشْعِرْكُمْ وَيَنْصُرْكُمْ وَيَأْمُرْكُمْ. وَاخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي هَذَا فَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنُ الضَّمَّةَ وَالْكَسْرَةَ فِي الْوَصْلِ وَذَلِكَ فِي الشِّعْرِ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ: لَا يَجُوزُ التَّسْكِينُ مَعَ تَوَالِي الْحَرَكَاتِ فِي حَرْفِ الْإِعْرَابِ فِي كَلَامٍ وَلَا شِعْرٍ وَقِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو لَحْنٌ قَالَ النَّحَّاسُ وَغَيْرُهُ وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاءُ الْأَئِمَّةُ وَأَنْشَدُوا:
إِذَا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صَاحِبْ قَوِّمِ ............ بِالدَّوِّ أَمْثَالَ السَّفِينِ الْعُوَّمِ
الدوُّ: الصحراءُ. وأراد بأمثالِ السفينِ رواحلَ محمَّلةً تقطعُ الصحراءَ قطعَ السُفُنِ البحرَ. وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
فَالْيَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ .................. إِثْمًا مِنَ اللَّهِ وَلَا وَاغِلِ
المُستَحْقِبُ: المُتَكَسِّبُ. والواغلُ: الذي يدخُلُ على القومِ في طعامِهم وشرابِهم مِنْ غيرِ أنْ يَدعوه. يَقولُ الشاعر هذا حينُ قُتِلَ أَبوه ونَذَرَ أَلّا يَشربُ الخمرَ حتّى يَثأَرَ بِه فلمّا أَدرَكَ ثَأرَه حلّتْ لَه بِزَعْمِه فلا يَأثَمُ بِشُرْبِها إذْ وفّى بِنَذْرِهِ فيها.
فَمَنْ أَنْكَرَ التَّسْكِينَ فِي حَرْفِ الْإِعْرَابِ فَحُجَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ مِنْ حَيْثُ كَانَ عَلَمًا لِلْإِعْرَابِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَأَمَّا حَرَكَةُ الْبِنَاءِ فَلَمْ يَخْتَلِفِ النُّحَاةُ فِي جَوَازِ تَسْكِينِهَا مَعَ تَوَالِي الْحَرَكَاتِ. وَأَصْلُ بَرَأَ مِنْ تَبَرَّى الشَّيْءُ مِنَ الشَّيْءِ وَهُوَ انْفِصَالُهُ مِنْهُ. فَالْخَلْقُ قَدْ فُصِلُوا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَمِنْهُ بَرَأْتُ مِنَ الْمَرَضِ بَرْءًا (بِالْفَتْحِ) كَذَا يَقُولُ أَهْلُ الْحِجَازِ. وَغَيْرُهُمْ يَقُولُ بَرِئْتُ مِنَ الْمَرَضِ بُرْءًا (بِالضَّمِّ) وَبَرِئْتُ مِنْكَ وَمِنَ الدُّيُونِ وَالْعُيُوبِ بَرَاءَةً وَمِنْهُ الْمُبَارَأَةُ لِلْمَرْأَةِ. وَقَدْ بَارَأَ شَرِيكَهُ وَامْرَأَتَهُ.
وفي هذا التعبيرِ الحكيمِ، تحريضٌ لهم على التوبةِ والاسْتِجابةِ للبارئ ـ سبحانه ـ الذي أَحْسَنَ كلَّ شيءٍ خَلَقَهُ، وفيه أيضًا تقريعٌ لهم على غَبائِهم، حيثُ تَرَكوا عِبادَةَ بَديعِ السَمَواتِ والأرضِ، وعَبَدوا عِجْلاً ضُرِبَ بِه المَثلُ في الغباءِ فقالوا "أَبْلَدُ مِنْ ثَوْرٍ" فكأنَّه ـ سبحانه ـ يقولُ لهم: لقد اتَّخذتُمُ هذا العجلَ إلهاً لِتَشابِهِكم مَعَه في البَلادَةِ وضِيقِ الأفق.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتابَ عَلَيْكُمْ} فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَفَعَلْتُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ أَيْ فَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ أَيْ عَلَى الْبَاقِينَ مِنْكُمْ. {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.
قولُهُ تعالى: {يَا قَوْمِ} مُنادى مُضافٌ إلى ياء المُتَكَلِّمِ، وفيه سِتُّ لُغاتٍ أفصحُها: حَذْفُها مُجْتَزَأً منها بالكسرةِ وهي لغةُ القرآن، الثانية: ثبوتُ الياءِ ساكنةً "يا قومي"، الثالثة: ثبوتُها مفتوحةً "يا قوميَ" ، الرابعةُ: قَلْبُهَا ألفاً "يا قوما"، الخامسةُ: حَذْفُ هذهِ الألفِ والاجتزاءُ عنها بالفتحةِ كقولِه:
ولَسْتُ بِراجعٍ ما فاتَ مِنِّي ................. بِلَهْفَ ولا بِلَيْتَ ولا لَوَنِّي
أي: بقولي يا لَهْفا، السادسة: بناءُ المضاف إليها على الضمِّ تشبيهاً بالمفرد، نحو قراءةِ مَنْ قَرَأ: {قَالَ رَبُّ احكم بالحق} الأنبياء: 112.
والقومُ: اسمُ جمعٍ، لأنَّه دالٌّ على أكثرَ مِن اثنين، وليس له واحدٌ مِنْ لفظِهِ ولا هو على صيغةٍ مختصَّةٍ بالتكسيرِ، ومفردُه رَجُل، واشتقاقُه مِن قام بالأمرِ يَقُوم به، قال تعالى: {الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء} النساء: 34، والأصلُ في إطلاقِه على الرجال، ولذلك قُوبل بالنساءِ في قولهِ: {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ . . . وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ} الحجرات:
11 وفي قولِ زهير:
وما أَدْرِي وسوفُ إخالُ أَدْرِي ................ أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نِساءُ
وأما قوله تعالى:{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ} الشعراء:105. و{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ} الشعراء: 160، والمكذِّبون رجالٌ ونساءٌ فإنَّما ذلك من بابِ التغليب، ولا يجوزُ أن يُطْلَقَ على النساءِ وَحْدَهُنَّ البتةَ.
قولُه: {باتِّخاذِكُمُ العِجْلَ} الباءُ للسببيَّةِ، متعلِّقَةٌ بـ "ظَلَمْتُم" و"العجل" مفعولٌ أولُ والثاني محذوفٌ أي: إلهاً. والمصدرُ هنا مضافٌ للفاعِلِ وهو أحسنُ الوجهينِ ، فإنَّ المصدَرَ إذا اجتمع فاعلُه ومفعولُه فالأَوْلَى إضافتُه إلى الفاعل لأنَّ رُتْبَته التقديمُ، وهذا من الصورِ التي يَجِبُ فيها تقديمُ الفاعل. فأمَّا: {قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ}. الأنعام: 137. فسيأتي بيانُه إن شاء الله تعالى.
والعِجْلُ معروفٌ وهو وَلَدُ البقرة. قالوا: سمّي عِجلاً لِتَصوُّرِ عَجَلَتِها التي تَعْدَمُ منه إذا صارَ ثَوْراً. وقيل: إنّما سُمِيَّ عِجْلاً لأنهم تَعَجَّلُوا عبادتَه قبل مجيءِ موسى ـ عليه السلامُ ـ، والجمعُ عَجاجِيلٌ وعُجُولٌ.
قوله: {إلى بارِئِكم} متعلِّقٌ بـ "تُوبوا" والمشهورُ كَسْرُ الهمزة، لأنّها حركةُ إعرابٍ، ورُوي عن أبي عمرو ثلاثةُ أوجهٍ أُخَرَ: الاختلاسُ، وهو الإِتيانُ بحركةٍ خفيَّة، والسكونُ المَحْضُ، وهذه قد طَعَنَ عليها جماعةٌ من النحويين، ونَسَبوا راويَها إلى الغَلَطِ على أبي عمرو.
وقراءةُ أبي عَمْرٍو صحيحةٌ، وذلك أنَّ الهمزةَ حرفٌ ثقيلٌ، ولذلك
اجْتُرِئَ عليها بجميعِ أنواعِ التخفيفِ، فاسْتُثْقِلَتْ عليها الحركةُ فقُدِّرَت.
وجميعُ روايةِ أبي عَمْرٍو دائرةٌ على التخفيفِ، ولذلك يُدْغِمُ المِثْلَيْن والمتقارِبَيْن ويُسَهِّلُ الهمزة ويُسكِّنُ.
وروي عن الزهري "بارِيِكم" بكسرِ الياء من غيرِ هَمْزٍ، ورُوِيَتْ عن نافع بسُكون الياءِ لأنَّ الكسرةَ ثقيلةٌ عليهَا، ولا يَجوزُ ظهورُها إلّا في ضرورةِ شعرٍ كقول أبي طالب:
كَذَبْتُمْ وبَيْتِ اللهِ نُبْزِي مُحَمَّداً ...... ولم تَخْتَضِبْ سُمْرُ العَوالِيِّ بالدَّمِ
قولُه: {فاقتلوا} فعلُ أمر وفاعلُه واو الجماعة. ونقل عن قتادة أنه قرأ: "فأقيلوا أنفسكم" والمعنى أن أنفسكم قد تورَّطت في عذاب الله تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه، وقد هلكت فأقيلوها بالتوبة والتزام الطاعة، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات. ونقل عنه أنه قرأ أيضاً: "فاقْتالوا" وقال: هي من الاستقالةِ، قال ابن جني: اقتال: افْتَعَل، ويُحَتمل أنْ تكونَ عينُها واواً كاقتادوا أو ياءً كاقتاس (من القياس) والتصريفُ يُضْعِفُ أن تكونَ من الاستقالة، ولكن قتادةَ ينبغِي أن يُحْسَنَ الظَّنُّ به في أنَّه لم يُوْرِدْ إلَّا بحُجَّةٍ عنده.
قولُه تعالى: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} جملة معترضة للتحريض على التوبة أو معلِّلة. وقال بعضُهم: "ذلكم" مفردٌ واقعٌ موقعَ "ذانكم" المثنَّى، لأنّه قد تقدَّم اثنان: التوبة والقتلُ. و"خَيْر" تفضيل على وزن أفعلُ وأصلُه: أَخْيَرُ، وإنّما حُذِفَتْ همزتُه تخفيفاً ولا تَرْجِعُ هذه الهمزةُ إلّا في ضرورةٍ، قال:بلالُ خيرُ الناسِ وابنُ الأَخْيَرِ، ومثلُه شَرّ، لا يجوز
أَشَرُّ، إلّا في نُدور، وقد قُرىء: {مَنِ الكّذَّابُ الأَشَرُّ} القمر: 26. وإذا بُني من هذه المادةِ فعلُ تعجُّبٍ على أَفْعَل فلا تُحْذَفُ همزتُه إلّا في ندورٍ كقولِهم: "ما خَيْرَ اللبنِ للصحيحِ، وما شَرَّه للمبطونِ" فخيرٌ وشَرٌّ قد خَرَجَا عن نظائرهما في بابِ التفضيل والتعجُّب، و"خَيْر" أيضاً مخفَّفَةٌ مِن خَيَّرَ على فَيْعِل ولا يكونُ من هذا البابِ، ومنه: "فيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ" قال بعضهم: "مُخَفَّف من خَيِّرات". والمفضَّلُ عليه محذوفٌ للعِلْمِ به، أي: خيرٌ لكم من عدم التوبة. وقد تأتي ولا تفضيلَ، والمعنى: أنّ ذلكم خيرٌ لكم من العِصيانِ والإصرارِ على الذَّنْبِ أو خيرٌ من ثَمَرةِ العِصيان، وهو الهلاك الدائم. والعِنديَّةُ هنا مَجازٌ، وكَرَّرَ البارىءَ اعتناءً بالحثِّ على التسليمِ لَه في كلِّ حال، وتلقى ما يَرِدُ من قِبَلِه بالقَبول والامتثالِ، فإنّه كما رأيُ الإنشاءِ راجحاً فأنشأ رأي الإعدام راجحاً، فأمر به وهو العليم الحكيم.
قوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} جوابُ شرطٍ محذوفٍ بتقدير "قد" إن كان من كلام موسى ـ عليه السلام ـ لهم، تقديره إن فعلتم ما أُمرتم به فقد تاب عليكم، ومعطوفٌ على محذوفٍ إن كان خطاباً من الله تعالى لهم، كأنه قال: ففعلتم ما أُمرتم فتاب عليكم بارئُكم، وفيه التفات لتقدم التعبير عنهم في كلام موسى ـ عليه السلام ـ بلفظ الـ "قوم" وهو من قَبيل الغيبة، أو مِن التكلُّم إلى الغيبة في "فَتَابَ" حيث لم يقل: فتبنا، ورجح العطف لسلامته من حذف الأداة والشرطِ، وإبقاءُ الجوابِ في الكلامِ حَذْفٌ، وهو: "فَفَعَلْتُم ما أُمِرْتُمْ به من القتلِ فتابَ عليكم". والفاءُ الأولى في قوله: "فتوبوا" للسببية، لأنَّ الظلمَ سَببُ التوبةِ، والثانيةُ للتعقيبِ، لأنَّ المعنى: فاعْزِموا على التوبة، فاقتلوا أنفسَكم، والثالثةُ متعلقةٌ بمحذوفٍ، ولا يخلو: إمَّا أن ينتظمَ في قولِ موسى لهم فيتعلَّقَ بشرطٍ محذوفٍ كأنّه: وإنْ فَعَلْتُم فقد تابَ عليكم، وإمَّا أَنْ يكونَ خطاباً مِنَ اللهِ لهم على طريقةِ الالتفاتِ، فيكونُ التقديرُ: فَفَعَلْتُم ما أَمركم به موسى فتابَ عليكُم.
{إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم} تذييل لقوله تعالى: {فَتُوبُواْ} فإن التوبة بالقتل لما كانت شاقَّةً على النفس هوَّنَها سبحانه بأنَّه هو الذي يوفق إليها ويسهلها ويبالغ في الإنعام على من أتى بها، أو تذييل لقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} وتفسَّرُ التوبة منه تعالى حينئذ بالقَبولِ لتوبةِ المذنبين، والضمير المنصوب إن كان ضمير الشأن فالضمير المرفوع مبتدأ، وهو الأنسب لدلالته على كمال الاعتناء بمضمون الجملة، وإن كان راجعاً إلى البارئ سبحان فالضمير المرفوع إما فصل أو مبتدأ.
وحظُّ العارِفِ من هذه القِصَّةِ أنْ يَعرِفَ أنَّ هواه بمنزلةِ عجلِ بني إسرائيلَ فلا يتَّخذَ منه إلهاً {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} الجاثية:3 2 وأنّ اللهَ سبحانَه قد خَلقَ نفسَه في أصلِ الفِطرةِ مستعدة لقَبولِ فيضِ اللهِ تعالى والدينِ القويم، ومتهيئةٌ لسلُوك المِنْهَجِ المستقيمِ، والترقّي إلى جنابِ القُدسِ وحضرةِ الأُنسِ، وهذا هو الكتاب الذي أُوتيه موسى القلبِ، والفرقان الذي يُهتدى بنوره في ليالي السلوك إلى حضرة الربِّ، فمتى أخلدتْ النفسُ إلى الأرضِ واتّبعت هواها، وآثرت شهواتها على مولاها، أُمِرتَ بقتلِها بأن تكسر شهواتَها وتُقلِع مشتهياتها ليصح لها البقاءُ بعد الفناءِ، والصحو بعد المحو، وليست التوبة الحقيقيّة سوى محوِ البشريّة بإثبات الأُلوهيّة، وهذا هو الجهاد الأكبر:
ليس من مات فاستراح بميت ............... إنما الميْت ميِّت الأحياء
وهذا صعبٌ لا يَتَيَسَّرُ إلّا لِخَواصِّ الحَقِّ ورِجالِ الصِدْقِ، وإليه الإشارةُ بـ ((موتوا قبل أن تموتوا)). وقيل أوّلُ قَدَمٍ في العُبوديَّةِ إتْلافُ النفسِ وقتلُها بترك الشهوات، وقطعُها عَنِ المَلاذّ، فكيف الوصول إلى شيءٍ مِن مَنازِلِ الصدِّيقين ومَعارِج المقرَّبين؟.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى