فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 59

اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 59

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الثلاثاء أكتوبر 02, 2012 6:38 pm

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)

قولُه تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا}. فَبَدَّلَ الظَّالِمُونَ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: قُولُوا حِطَّةٌ فَقَالُوا حِنْطَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَزَادُوا حَرْفًا فِي الْكَلَامِ فَلَقُوا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَقُوا تَعْرِيفًا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الدِّينِ وَالِابْتِدَاعِ فِي الشَّرِيعَةِ عَظِيمَةُ الْخَطَرِ شَدِيدَةُ الضَّرَرِ. هَذَا فِي تَغْيِيرِ كَلِمَةٍ هِيَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّوْبَةِ أَوْجَبَتْ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَذَابِ فَمَا ظَنُّكَ بِتَغْيِيرِ مَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمَعْبُودِ! هَذَا وَالْقَوْلُ أَنْقَصُ مِنَ الْعَمَلِ فَكَيْفَ بِالتَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فِي الْفِعْلِ.
{فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ} فَبَدَّلَ: تَقَدَّمَ مَعْنَى بَدَّلَ وَأَبْدَلَ وَأَبْدَلْتُ الشَّيْءَ بِغَيْرِهِ. وَبَدَّلَهُ اللَّهُ مِنَ الخوفِ أَمْنًا. وَتَبْدِيلَ الشَّيْءِ أَيْضًا تَغْيِيرُهُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَدَلٍ. وَاسْتَبْدَلَ الشَّيْءَ بِغَيْرِهِ وَتَبَدَّلَهُ بِهِ إِذَا أَخَذَهُ مَكَانَهُ. وَالْمُبَادَلَةُ التَّبَادُلُ. وَالْأَبْدَالُ: قَوْمٌ مِنَ الصَّالِحِينَ لَا تَخْلُو الدُّنْيَا مِنْهُمْ إِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ بِآخَرَ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الْوَاحِدُ بَدِيلٌ. وَالْبَدِيلُ: الْبَدَلُ. وَبَدَلُ الشَّيْءِ: غَيْرُهُ يُقَالُ: بَدَلٌ وَبِدْلٌ لُغَتَانِ مِثْلُ شَبَهٍ وَشِبْهٍ وَمَثَلٍ وَمِثْلٍ وَنَكَلٍ وَنِكْلٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَمْ يُسْمَعْ فِي فَعَلٌ وَفِعْلٌ غَيْرَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَحْرُفِ. وَالْبَدَلُ: وَجَعٌ يَكُونُ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. وَقَدْ بَدِلَ (بِالْكَسْرِ) يَبْدَلُ بَدَلًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} كَرَّرَ لَفْظَ "ظَلَمُوا" وَلَمْ يُضْمِرْهُ تَعْظِيمًا لِلْأَمْرِ. وَالتَّكْرِيرُ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا اسْتِعْمَالُهُ بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَوْلِهِ: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ} البقرة: 79. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} وَلَمْ يَقُلْ مِمَّا كَتَبُوا وَكَرَّرَ الْوَيْلَ تَغْلِيظًا لِفِعْلِهِمْ وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَنْسَاءِ:
تَعَرَّقَنِي الدَّهْرُ نَهْسًا وَحَزَّا ................ وَأَوْجَعَنِي الدَّهْرُ قَرْعًا وَغَمْزَا
وفي بعض الروايات نهشاً والنهشُ: أن يتناول المرءُ الشيءَ بفمِه
ليَعضَّه فيؤثِّرُ فيه ولا يَجرحُه. والنهس: القَبْضُ على اللَّحم ونَتْرُهُ أي جذْبُه. أَرَادَتْ أَنَّ الدَّهْرَ أَوْجَعَهَا بِكُبْرَيَاتِ نَوَائِبِهِ وَصُغْرَيَاتِهَا. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَجِيءُ تَكْرِيرِ الظَّاهِرِ فِي مَوْضِعِ الْمُضْمَرِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ الْكَلَامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ} الحاقّة:1ـ2. و{الْقارِعَةُ. مَا الْقارِعَةُ} القارعة:1ـ2. كَانَ الْقِيَاسُ لَوْلَا مَا أُرِيدَ بِهِ مِنَ التَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ: الْحَاقَّةُ مَا هِيَ وَالْقَارِعَةُ مَا هِيَ وَمِثْلُهُ: {فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ}. كرر "فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ} تَفْخِيمًا لِمَا يُنِيلُهُمْ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ وكرر لفظ {أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ} لِمَا يَنَالُهُمْ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ. وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ قَوْلُ جَريرٍ:
إنَّ الغُرابَ بما كَرِهْتَ لَمُولَعٌ ............. بنَوَى الأَحِبَّةِ دائِمُ التَّشْحاجِ
لَيْتَ الْغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِبًا ........... كَانَ الْغُرَابُ مُقَطَّعُ الْأَوْدَاجِ
يقال شَحَجَ الغرابُ: إذا أَسَنَّ وغَلُظَ صَوْتُهُ. قالَ جَريرٌ. وَقَدْ جَمَعَ عدي بن زيد المعنيين فقال:
لا أَرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيْ ...... نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا
فَكَرَّرَ لَفْظَ الْمَوْتِ ثَلَاثًا وَهُوَ مِنَ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ وَمِنْهُ قَوْلُ الحطيئة:
أَلَا حَبَّذَا هِنْدٌ وَأَرْضٌ بِهَا هِنْدُ ........ وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ
فَكَرَّرَ ذِكْرَ مَحْبُوبَتِهِ ثَلَاثًا تَفْخِيمًا لَهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {رِجْزاً} الرِّجْزُ(بالزاي): الْعَذَابُ، و(بالسين): النَتَنُ والقَذَرُ، ومنه قولُه تعالى: {فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ} التوبة: 125. أي نَتَنًا إلى نَتَنِهم. وقيل: الرِّجْزُ هُوَ الرِّجْسُ كَمَا يُقَالُ السُّدْغُ وَالزُّدْغُ وَكَذَا رِجْسٌ وَرِجْزٌ بِمَعْنًى. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الرُّجْزَ (بِالضَّمِّ) اسْمُ صَنَمٍ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ. وقرئ بذلك في قول تَعَالَى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} وَالرَّجَزُ (بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْجِيمِ): نَوْعٌ مِنَ الشِّعْرِ وَأَنْكَرَ الْخَلِيلُ أَنْ يَكُونَ شِعْرًا. وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّجَزِ وَهُوَ دَاءٌ يُصِيبُ الْإِبِلَ فِي أَعْجَازِهَا فَإِذَا ثَارَتِ ارْتَعَشَتْ أَفْخَاذُهَا. وقولُه: {بِما كانُوا يَفْسُقُونَ} أَيْ بِفِسْقِهِمْ. وَالْفِسْقِ الْخُرُوجُ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ} لا بُدَّ في هذا الكلام من تأويلٍ، إذِ الذَمُّ إنَّما يتوجَّهُ عليهم إذا بَدَّلوا القولَ الذي قيل لهم، لا إذَا بَدَّلوا قولاً غيره، فقيل: تقديرُه: فبدَّل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولاً غيرَ الذي قِيل لهم فـ "بَدَّلَ" يتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ بنفسِه وإلى آخر بالباءِ، والمجرورُ بها هو المتروكُ والمنصوبُ هو الموجودُ كقولِ أبي النجم:
وبُدِّلَتْ والدهرُ ذو تَبَدُّلِ ................. هَيْفاً دَبُوراً بالصَّيا والشَّمْأَلِ
فالمقطوعُ عنها الصَّبا والحاصلُ لها الهَيْفُ، قالَه أبو البقاء. وقال: "يجوز أن يكونَ" بَدَّل مَحْمولاً على المعنى تقديره: فقال الذين ظلموا قولاً غيرَ الذي قيلَ لهم، لأنَّ تبديلَ القولِ بقولٍ فنصْبُ "غيرَ" عنده في هذين القولَيْن على النعت لـ "قولاً" وقيل: تقديرُه: فَبَدَّل الذينَ ظلموا قولاً بغيرٍ الذي، فَحَذَفَ الحرفَ فانتصَبَ، ومعنى التبديلِ التغييرُ كأنّه قيل: فغيَّروا قولاً بغيره، أي جاؤوا بقولٍ آخرَ مكانَ القولِ الذي أُمِروا به، كما يُرْوى في القصة أنَّهم قالوا بَدَلَ "حِطَّة" حِنْطة في شُعَيْرة.
والإِبدالُ والاستبدالُ والتبديلُ جَعْلُ الشيءِ مكانَ آخَرَ، وقد يُقال التبديل: التغييرُ وإنْ لم يَأْتِ بِبَدَلِهِ، وقد تقدَّم الفرقُ بينَ بَدَّل وأَبْدَلَ، وهو أنَّ بَدَّلَ بمعنى غيَّر مِنْ غير إزالةِ العَيْن، وأَبْدَلَ تقتضي إزالة العين، إلّا أنّه قُرئ: {عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا} القلم: 32. و{فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا}. الكهف: 81. بالوجهين، وهذا يَقْتضي اتِّحادَهما معنىً لا اختلافَهما، والبديلُ، والبدل بمعنى واحدٍ، وبَدَّله غيرُه. ويُقال: بِدْل وبَدَل كشِبْه وشَبَه ومِثْل ومَثَل ونِكْل ونَكَل، قال أبو عبيدة: "لم يُسْمع في فِعْل وفَعَل غيرُ هذه الأحرفِ.
{مِّنَ السماء} يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ متعلِّقاً بأَنْزلنا، و"مِنْ" لابتداءِ الغايةِ، أيْ: من جهةِ السماء، وهذا الوجهُ هو الظاهرُ. والثاني أن يكونَ صفةً لـ "رِجْزاً" فيتعلَّقَ بمحذوفٍ و"مِنْ" أيضاً لابتداءِ الغايةِ.
وقوله تعالى: {عَلَى الذين ظَلَمُواْ} فأعادَهم بذِكْرِهم أولاً، ولم يَقُلْ "عليهم" تنبيهاً على أنَّ ظُلْمَهُم سببٌ في عقابِهم.
وجاء في سورة الأعراف {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ}. الأعراف:133. فجاء هنا بلفظ الإِرسالِ، وذلك أنّه تعالى عَدَّد عليهم في هذه السورة نِعَماً جَسيمةً كثيرةً فكانَ توجيهُ الذمِّ عليهم وتوبيخُهم بكُفرانِها أَبَلَغَ، حيث إنه لم يُعَدِّدْ عليهم هناك ما عَدَّد هنا، ولفظُ الإِنزالِ للعذابِ أبلغُ من لفظِ الإِرسالِ.
والرِّجْزُ: العَذَابُ، وفيه لغةٌ أخرى وهي ضَمُّ الراءِ، وقُرِئ بهما وقيل: المضمومُ اسمُ صَنَمٍ، ومنه: {والرُّجْزَ فاهْجُرْ} المدثر:5. وذلك لأنَّه سببُ العذابِ. وقيل: الرِّجْزُ والرِّجْسُ بالزاي والسين بمعنَىً ، والصحيحُ أن الرِّجْزَ: القَذَرُ، والرَّجَزُ داءٌ يُصيبُ الإِبلِ فترتعشُ منه، ومنه بَحْر الرَّجَز في الشعر.
قوله: "بما كانوا يفسُقُون" متعلِّق بـ {أَنزَلْنَا} والباءُ للسببية و"ما" يجوزُ أن تكونَ مصدريةً، وهو الظاهرُ أي: بسببِ فِسْقِهم، ويجوزُ أنْ تكونَ موصولةً اسميّةً، والعائدُ محذوفٌ، والأصلُ يَفْسُقُونَه، وقرأ ابنُ وثَّاب {يَفْسِقُونَ} بكسر السين، وهما لغتان.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 70
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى