فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 261

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم ، سورة البقرة ، :الآية: 261

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الأحد أكتوبر 07, 2012 8:05 am

َثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)

قوله سبحانه: {الذين ينفقون أموالَهم في سبيلِ اللهِ} الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله فالخَلَفُ لهم الجنَّةُ، أمّا الذين يُنفقون أنفسَهم في سبيلِ اللهِ فالخَلَفُ الحقُّ سبحانَه، وشتّانَ بين خَلَفِ مَن أنفقَ مالَه، وخَلَفِ مَنْ أنفقَ حالَه؛ فإنفاقُ المالِ بالصَدَقةِ، وإنفاقُ الحالِ بالصِدْقِ، فتَنفي كلِّ حَظٍّ لنفسِك، وتَرضى لِجَريانِ حُكْمِهِ عليك، قال عبد الرحمن بن المبارك المعروف بابن المنجّم:
حبيب لست أنظره بعيني ................... وفي قلبي له حب شديد
أُريد وِصالَه ويُريدُ هجْري ...................... فأتركُ ما أُريدُ لِما يُريدُ
قولُه: { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِتَضْعِيفِ الثَّوَابِ لِمَنْ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ، وَأَنَّ الْحَسَنَةَ تُضَاعَفُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَقَالَ مَكْحُولٌ يَعْنِي بِهِ الْإِنْفَاقُ فِي الْجِهَادِ مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ، وَإِعْدَادِ السلاح وغير ذلك، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: الْجِهَادُ وَالْحَجُّ يضعَّف الدِّرْهَمَ فِيهِمَا إلى سبعمائة ضعف ولهذا قال تَعَالَى: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ}، وَهَذَا الْمَثَلُ أَبْلَغُ فِي النُّفُوسِ مِنْ ذِكْرِ عَدَدِ السَّبْعِمِائَةِ، فَإِنَّ هَذَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَالِحٍةَ يُنَمِّيهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَصْحَابِهَا، كَمَا يُنَمِّي الزَّرْعَ لِمَنْ بَذَرَهُ فِي الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ، وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِتَضْعِيفِ الْحَسَنَةِ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. كما روى الإمامُ أحمد عَنْ عِيَاضِ بْنِ غَطِيفٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابه بجنبه، وامرأتُه قاعدةٌ عن رَأْسِهِ قُلْنَا: كَيْفَ بَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَاتَ بِأَجْرٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا بَتُّ بِأَجْرٍ، وَكَانَ مُقْبِلًا بِوَجْهِهِ عَلَى الْحَائِطِ فَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ بِوَجْهِهِ، وَقَالَ أَلَا تَسْأَلُونِي عَمَّا قُلْتُ! قَالُوا: مَا أَعْجَبَنَا مَا قَلْتَ فَنَسْأَلُكَ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ أَنْفَقَ نفقةً فاضلةً في سبيلِ اللهِ فسبعمائة، وَمَنْ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ أَوْ عَادَ مريضاً أو أماط أذى فالحسنة بعشر أمثالِها، والصومُ جُنَّةٌ مالم يَخْرُقْهَا، وَمَنِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِبَلَاءٍ في جسدِه فهو له حِطَّةٌ)). أي كفارة لذنوبه. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رجلاُ تَصَدَّقَ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَتَأْتِيَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بسبعمائة ناقة مخطومة)) (رواه أحمد وأخرجه مسلم) وعن ابنِ عبدِ اللهِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: ((أنَّ اللهَ جعلَ حسنَةَ ابنِ آدم إلى عشرةَ أمثالها إلى سبعمئة ضعفٍ...)) رواه الإمام أحمد والبَسْتِيُّ في صحيح مسنده. عن ابن عُمَرَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((رَبِّ زِدْ أُمَّتِي))، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَنًا} قال: ((ربِّ زِدْ أُمّتي))، قال: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (أخرجه ابنُ مَرْدَوَيْهِ ورواه أبو حاتم وابنُ حِبّان) وقوله: {والله يُضَاعِفُ لم يَشَآءُ} أَيْ بِحَسْبِ إِخْلَاصِهِ فِي عَمَلِهِ {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أَيْ فَضْلُهُ وَاسِعٌ كَثِيرٌ أَكْثَرُ مِنْ خَلْقِهِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ وَمَنْ لَا يستحقّ، سبحانه وبحمده. فلَمَّا قَصَّ اللَّهُ مَا فِيهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الْبَرَاهِينِ، حَثَّ عَلَى الْجِهَادِ، وَأَعْلَمَ أَنَّ مَنْ جَاهَدَ بَعْدَ هَذَا الْبُرْهَانِ الَّذِي لَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا نَبِيٌّ فَلَهُ فِي جِهَادِهِ الثَّوَابُ العظيمُ. فَيَكُونُ مَثَلُ الْمُتَصَدِّقِ مَثَلَ الزَّارِعِ، إِنْ كَانَ حَاذِقًا فِي عَمَلِهِ، وَيَكُونُ الْبَذْرُ جَيِّدًا وَتَكُونُ الْأَرْضُ عَامِرَةً يَكُونُ الزَّرْعُ أَكْثَرَ، فَكَذَلِكَ الْمُتَصَدِّقُ إِذَا كَانَ صَالِحًا وَالْمَالُ طَيِّبًا وَيَضَعُهُ مَوْضِعَهُ فَيَصِيرُ الثَّوَابُ أَكْثَرَ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ تَضْعِيفٌ عَلَى سَبْعِمِائَةٍ.
رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ حِينَ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ جَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ لِي ثَمَانِيَةُ آلَافٍ فَأَمْسَكْتُ لِنَفْسِي وَلِعِيَالِي أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ أَقْرَضْتُهَا لِرَبِّي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ وَفِيمَا أَعْطَيْتَ)). وَقَالَ عُثْمَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ جَهَازُ مَنْ لَا جَهَازَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمَا. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي نَفَقَةِ التَّطَوُّعِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ الزَّكَاةِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ الزَّكَاةِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى دَعْوَى النَّسْخِ، لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَسُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَأَعْظَمُهَا الْجِهَادُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} الْحَبَّةُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ مَا يَزْرُعُهُ ابْنُ آدَمَ وَيَقْتَاتُهُ، وَأَشْهَرُ ذَلِكَ الْبُرُّ فَكَثِيرًا مَا يُرَادُ بِالْحَبِّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُتَلَمِّسِ:
آلَيْتُ حَبَّ الْعِرَاقِ الدَّهْرَ أَطْعَمُهُ ..... وَالْحَبُّ يَأْكُلُهُ فِي الْقَرْيَةِ السُّوسُ
وَحَبَّةُ الْقَلْبِ: سُوَيْدَاؤُهُ، وَيُقَالُ ثَمَرَتُهُ وَهُوَ ذَاكَ. وَالْحِبَّةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ: بُذُورُ الْبُقُولِ مِمَّا لَيْسَ بِقُوتٍ، وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: ((فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ (ما يحملُه من الطين) السَّيْلِ)). وَالْجَمْعُ حِبَبٌ. وَالْحُبَّةُ (بِضَمِّ الْحَاءِ) الْحُبُّ، يُقَالُ: نَعَمٌ وَحُبَّةٌ وَكَرَامَةٌ. وَالْحُبُّ الْمَحَبَّةُ، وَكَذَلِكَ الْحِبُّ (بِالْكَسْرِ). وَالْحِبُّ أَيْضًا الْحَبِيبُ، مِثْلُ خِدْنٍ وَخَدِينٍ وَسُنْبُلَةٌ مِنْ أَسْبَلَ الزَّرْعَ إِذَا صَارَ فِيهِ السُّنْبُلُ، أَيِ اسْتَرْسَلَ بِالسُّنْبُلِ كَمَا يَسْتَرْسِلُ السِّتْرُ بِالْإِسْبَالِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ صَارَ فِيهِ حَبٌّ مَسْتُورٌ كَمَا يُسْتَرُ الشَّيْءُ بِإِسْبَالِ السِّتْرِ عَلَيْهِ. وَالْجَمْعُ سَنَابِلُ.
وَرَدَ الْقُرْآنُ بِأَنَّ الْحَسَنَةَ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَاقْتَضَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ نَفَقَةَ الْجِهَادِ حَسَنَتُهَا بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ {وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ} فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هِيَ مُبَيِّنَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ السَّبْعِمِائَةِ، وَلَيْسَ ثَمَّ تَضْعِيفٌ فَوْقَ السَّبْعِمِائَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: بَلْ هُوَ إِعْلَامٌ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ أَوَّلَ الْآيَةِ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَبْدِ الله بن عمرو وَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ـ رضي الله عنهم ـ كُلِّهِمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَرْسَلَ بِنَفَقَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَقَامَ فِي بَيْتِهِ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَمَنْ غَزَا بِنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْفَقَ فِي وَجْهِهِ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ تَلَا هذه الآية "والله يضاعف لمن يشاء الله")).
وفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَ الزَّرْعِ مِنْ أَعْلَى الْحِرَفِ الَّتِي يَتَّخِذُهَا النَّاسُ وَالْمَكَاسِبُ الَّتِي يَشْتَغِلُ بِهَا الْعُمَّالُ، وَلِذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ بِهِ الْمَثَلَ فَقَالَ: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ} الْآيَةَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً)). وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عروة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْتَمِسُوا الرِّزْقَ فِي خَبَايَا الْأَرْضِ)). يَعْنِي الزَّرْعَ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّخْلِ: ((هِيَ الرَّاسِخَاتُ فِي الْوَحْلِ الْمُطْعِمَاتُ فِي الْمَحْلِ)). وَهَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ. وَالزِّرَاعَةُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُجْبِرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا مِنْ غَرْسِ الْأَشْجَارِ. وَلَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى مَالٍ أُعَالِجُهُ، فَأَنْشَأَ ابْنُ شِهَابٍ يَقُولُ:
أَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ يَوْمَ لَقِيتُهُ .............. وَقَدْ شَدَّ أَحْلَاسَ الْمَطِيِّ مُشَرِّقَا
تَتَبَّعْ خَبَايَا الْأَرْضِ وَادْعُ مَلِيكَهَا .......... لَعَلَّكَ يَوْمًا أَنْ تُجَابَ فَتُرْزَقَا
فَيُؤْتِيكَ مَالًا وَاسِعًا ذَا مَثَابَةٍ .......... إِذَا مَا مِيَاهُ الْأَرْضِ غَارَتْ تَدَفُّقَا
وَحُكِيَ عَنِ الْمُعْتَضِدِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي اللهُ عنه فِي الْمَنَامِ يُنَاوِلُنِي مِسْحَاةً وَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّهَا مفاتيحُ خزائنِ الأرض.
قوله تعالى: {مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ} مَثَلُ: مبتدأٌ، و"كمثلِ حبةٍ" خبرُه. ولا بُدَّ من حذفٍ حتى يَصِحَّ التشبيهُ، لأنَّ الذين ينفقون لا يُشَبَّهون بنفسِ الحبَّةِ. واختُلِفَ في المحذوفِ، فقيل: من الأول تقديرُه: وَمَثلُ مُنْفَقِ الذين أو نفقةِ الذين. وقيل: من الثاني تقديرُه: ومثل الذي ينفقون كزارعِ حبةٍ؛ أو مِنَ الأولِ والثاني باختلافِ التقدير، أي: مَثَلُ الذين يُنفقون ونفقتُهم كمثلِ حبَّةٍ وزارِعِها. وهذه الأوجهُ قد تقدَّم تقريرُها محررةً عند قولِه تعالى: {وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ} البقرة: 171 بأتمِّ بيانٍ فليُراجَعْ.
قوله: {أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} هذه الجملةُ في محلِّ جرٍ لأنّها صِفةٌ لحَبَّةٍ، كأنه قيل: كَمَثَلِ حَبَّةٍ مُنْبَتَةٍ. وأَدْغم أبو عَمْرٍو وحمزةُ والكسائيُّ وهِشامٌ تاءَ التأنيثِ في سين "سبع" وأَظْهر الباقون، والتاءُ تقاربُ السينَ ولذلك أُبْدِلَتْ منها، قالوا: ناسٌ ونات، وأكياس وأكيات، قال:
عمرَو بنَ يربوعٍ شرارَ الناتِ ................. ليسوا بأجيادٍ ولا أَكْياتِ
أي: شرارُ الناس ولا أكياس.
وجاء التمييزُ هنا على مِثال مَفاعِل، وفي سورة يوسف مجموعاً بالألفِ والتاء، فقال {سبع سنبلات} ووقوع أمثلةِ الجمعِ متعاورةً مواقعَها هو من بابِ الاتساعِ، والقاعدة في ذلك: أنَّ جَمْعَيْ السلامةِ لا يُمَيَّزُ بهما عددٌ إلّا في مَوْضعين، أحدهما: ألّا يكونَ لذلك المفردِ جمعٌ سواه، نحو: سبع سماوات، وسبع بقرات، وتسع آيات، وخمس صلوت، لأنَّ هذه الأشياءَ لم تُجْمَعْ إِلا جمعَ السلامةِ، فأمَّا قولُه:
.......... . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . فوقَ سَبْعِ سَمائيا
فشاذٌّ منصوصٌ على قِلَّتِهِ، فلا التفاتَ إليه. والثاني: أنْ يُعْدَلَ إليه لأجلِ مجاورةِ غيرهِ كقولِهِ: {وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خَضْرٍ} عَدَل من "سنابل" إلى "سنبلات" لأجلِ مجاورتِهِ "سبعِ بقرات"، ولذلك إذا لم توجَدْ المجاورةُ مُيِّز بجمعِ التكسيرِ دونَ جمع السلامةِ، وإنْ كان موجوداً نحو: {سبع طرائق} و{سبع ليالٍ} مع جواز: طريقات وليلات. والحاصلُ أنَّ الاسمَ إذا كان له جمعان: جمعُ تصحيحٍ وجمعُ تكسيرٍ، فالتكسيرُ إمَّا للقِلَّةِ أو للكَثْرَةِ، فإنْ كان للكَثْرَةِ: فإمَّا من بابِ مَفَاعِل أو من غيره، فإنْ كان من بابِ مَفاعل أُوثِرَ على التصحيحِ، تقول: ثلاثةُ أَحَامِدٍ: وثلاثُ زَيانِبٍ، ويجوزُ قليلاً :أحمدِين وزَيْنَبات. وإن كانَ من غيرِ بابِ مفاعِلِ: فإمَّا أَنْ يكثُرَ فيه غيرُ التصحيحِ وغيرُ جمعِ الكثرةِ أو يَقِلَّ. فإنْ كانَ الأوَّلَ فلا يجوزُ التصحيحُ ولا جمعُ الكَثرةِ إلّا قليلاً نحو: ثلاثةُ زَيود وثلاثُ هَنود وثلاثةُ أفْلُس، ولا يجوزُ: ثلاثة زيدين، ولا ثلاث هِنْدات، ولا ثلاثة فلوس، إلاَّ قليلاً. وإنْ كان الثاني أُوثِرَ التصحيحُ وجمعُ الكثرة نحو: ثلاثُ سُعادات وثلاثةُ شُسُوع، وعلى قلةٍ يجوز: ثلاثُ سعائد، وثلاثةُ أَشْسُع. فإذا تقرَّر هذا فقولُهُ: "سبع سنابل"
جاءَ على المختارِ، وأمَّا "سبعِ سنبلات" فلأجلِ المجاورةِ كا تقدَّم.
والسنبلةُ فيها قولان، أحدهما: أنَّ نونَها أصليةٌ لقولِهِم: سَنْبَلَ الزرعُ أي أخرجَ سنبلَه. والثاني: أنها زائدةٌ، وهذا هو المشهورُ لقولِهم: "أسبلَ الزرعُ"، فوزنُها على الأولِ: فُعْلُلَة وعلى الثاني: فُنْعُلَة، فعلى ما ثبت من حكايةِ اللغتين: سَنْبَلَ الزرعُ وأَسْبَلَ تكونُ من بابِ سَبِط وسِبَطْر.
قوله: {فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ} هذا الجارُّ في محلِّ جر صفةً لسنابل، أو نصب صفةً لسبع، نحو: رأيتُ سبعَ إمَّاءٍ أحرارٍ وأحراراً، وعلى كِلا التقديرين فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. وفي رفعِ "مئة" وجهان، أحدُهما: بالفاعليةِ بالجارِّ؛ لأنه قد اعتمد إذ قد وَقَعَ صفةً. والثاني: أنها مبتدأٌ والجارُّ قبلَه خبرُه، والجملةُ صفةٌ، إمَّا في محلِّ جرٍ أو نصبٍ على حَسَبِ ما تقدَّم، إلا أنَّ الوجهَ الأول أولى؛ لأنَّ الأصلَ الوصفُ بالمفرداتِ دونَ الجملِ. ولا بد من تقديرِ حذفِ ضميرٍ أي: في كلِّ سنبلةٍ منها أي: من السنابِلِ.
والجمهورُ على رفع "مئة" على ما تقدَّم، وقرىء بنصبَها. وجَوَّزَ أبو البقاء في نصبِها وجهينِ، أحدُهما: بإضمارِ فعلٍ، أي: أَنْبَتَتْ أو أَخْرَجَتْ. والثاني: أنها بدلٌ من "سبعُ"، وفيه نظرٌ، لأنه: إمَّا أنْ يكونَ بدلَ كلٍّ من كلَّ أو بعضٍ من كلٍ أو اشتمالٍ، فالأولُ لا يَصِحُّ لأنَّ المئة ليست نفسَ سبع سنابل، والثاني لا يَصِحُّ أيضاً لعدمِ الضميرِ الراجِعِ على المبدلِ منه، ولو سُلِّمَ عدم اشتراطِ الضميرِ فالمئة ليسَتْ بعضَ السبعِ ، لأنَّ المظروفَ ليس بعضاً للظرفِ والسنبلةُ ظرفٌ للحبةِ ، ألا تَرَى قولَه: {فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} فَجَعَلَ السنبلةَ وعاءً للحَبِّ، والثالثُ أيضاً لا يَصِحُّ لعدمِ الضميرِ، وإنْ سُلَّمَ فالمشتملُ على "مئة حبة" هو سنبلة من سبع سنابَل، إلا أَن يقال إن المشتمل على المشتملِ على الشيء هو مشتملٌ على ذلك الشيءِ، فالسنبلةُ مشتملةٌ على مئة والسنبلة مشتمَل عليها سبعُ سنابلَ، فَلَزِمَ أنَّ السبعَ مشتملةٌ على "مئة حبة". وأسهلُ من هذا كلِّه أن يكونَ ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي: حَبَّ سبعِ سنابل، فعلى هذا يكونُ "مئة حبة" بدلَ بعضٍ مِنْ كل.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى