فيض العليم ... سورة الأعراف، الآية: 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم ... سورة الأعراف، الآية: 1

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الخميس أبريل 24, 2014 8:25 pm

سُورَةِ الأعراف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةِ الْأَعْرَافِ مَكِّيَّةٌ، إلاَّ ثمان آياتٍ، وهي قولُه تَعالى: {وَاسْألْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ}. وقيلَ هي مَكّيَّةٌ كُلُّها إلاَّ خَمْسَ آياتٍ، أوَّلُها {واسْألهم عن القرية}، وهي مئتان وسِتُّ آياتٍ، وثلاثةُ آلافٍ وثلاثمئة وخمسٌ وعِشرون كَلِمةً، وأَربعةَ عَشرَ أَلْفِ حَرْفٍ وعشرةُ أَحْرُفٍ.
وسُمِّيَتْ بِهذا الاسْمِ لِوُرودِ ذِكْرِ الأَعْرافِ فيها، والأَعْرافُ في اللُّغَةِ كُلُّ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأَرْضِ أَوْ الرَمْلِ أو غيرِ ذلك، قالَ الشاعرُ الكُمَيْتُ الأسدي:
أَهاجَكَ بالعُرُفِ المَنْزِلُ .................... وما أَنْتَ والطَّلَلُ المُحْوِلُ
وقيلَ هو: موضِعٌ أَو جَبَلٌ، كالعُرْفةِ بالضّمِّ، وجمْعُه: أَعْرافٌ، مثلُ أَقْفالٍ. وقال الأصمعي العُرْفُ في كلام أهل البحرين: ضَرْبٌ من النَّخْلِ. وقاله ابْنُ دُرَيْدٍأيضاً، وقال الجوهري العرف شجر الأترجِّ لرائحته، والعُرفُ التتابعُ يُقال: طارَ القَطَا عُرْفاً بالضَّم: أَي مُتَتابِعَةً بَعْضُها خَلْفَ بَعْضِ، ويُقالُ: جاءَ القَوْمُ عُرْفاً عُرْفاً أَي مُتَتابِعَةً كذلك ومنهُ حدِيثُ كعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ: (جاءُوا كأَنَّهُم عُرْفٌ) أَي يَتْبَعُ بعضُهُمْ بَعْضاً، ومنه قَولُه تعالى: والمُرْسَلاتِ عُرْفاً وهي الملائكةُ أُرْسِلَتْ مُتَتابِعَةً، وقال الزَّجَّاجُ: الأَعْرافُ أَعالي السُورِ، وجَبَلٌ أَعْرَفٌ، أي لَهُ ما يشبهُ العُرْفَ، وأَعْرافُ الرياحِ أَعاليها، وسَيْأتي الكلامُ مفصّلاً على أصحاب الأعراف في مكانِهِ إنْ شاءَ اللهُ.
رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ السيدة عَائِشَةَ أُمِّ المؤمنين ـ رضيَ اللهُ عنها ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ، فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ.
وهي مِنَ السُوَرِ التى ابْتَدَأَتْ بِبَعْضِ حُروفِ التَهَجّي (ألمص) ولم يَسْبِقْها في النُزولِ مِنْ هذا النَّوْعِ مِنَ السُوَرِ سِوى ثَلاثةٌ وهي سُوَرةُ: (ن) وسورة (ق) وسورة (ص)، ويَبْلُغُ عددُ السُوَرِ القُرآنيَّةِ التي ابْتُدِئتْ بالحروفِ المُقَطَّعةِ تِسْعاً وعِشْرينَ سًورةً.
والسُّوَرُ التي بُدِئتْ بالأَحْرُفِ وبِذِكْرِ الكِتابِ، هي التي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ لِدَعْوَةِ المُشْركين إلى الإسْلامِ، واثْباتِ النُبُوَّةِ والوَحْيِ. أَمَّا ما نَزَلَ مِنْها بالمَدينةِ كسورة البَقَرَةِ وسورة آلِ عُمرانَ، فالدَّعْوَةُ فيها موجَّهةٌ إلى أهلِ الكِتابِ.
وهكذا الحالُ في سورةِ مَريَمَ والعَنْكَبوتِ والرّومِ، و(ص)، و(ن) فإنَّ ما فيها يَتَعَلَّقُ بإثباتِ النُبوَّةِ والكِتابِ كفِتنةِ الضعفاء عن دينهم بإيذائهم ليرجاعِوا عنه بالقُوَّةِ القاهِرةِ، وكالإنْباءِ بِقَصَصِ فارِسَ والرّومِ، ونَصْرِ اللهِ للمُؤمنين على المشركين، وكان هذا مِنْ أظْهَرِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ على نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ـ صلى الله عليه وسَلَّمَ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المص
(1)
هذه حُروفٌ تٌكتَبُ بصورةِ كَلِمَةٍ واحدةٍ:"المص"، ولكنَّها تُقرأُ بأسماءِ حُروفِها وَتُقْرَأُ مُقَطَّعَةً، كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ، بالإِسْكانِ، وبالفَصْلِ بَيْنَ كلِّ حَرْفٍ وحَرْفٍ. وقد قُرئت أسْماءً ولَم تُقْرَأْ مُسَمَّياتٍ، فإذا قرَأتَ: ذَهَبَ، لا تَقولُ: "ذال" "هاء" "باء"، بلْ تَنْطُقُ مُسَمَّى الذال "ذَ"، واسْمُها ذالٌ مَفْتوحَةٌ، أَمَّا مُسَمَّاها فهو "ذَ" وهكذا. فلِكُلِّ حَرْفٍ مُسَمًّى، أيْ الصَوْتُ الذي يَلفُظُهُ الإِنْسانُ، ولَهُ اسْمٌ، والأُمِّيُّ يَلفظُ المُسَمَّيات، وإنْ لم يَعْرِفْ أَسْماءَها. فالمُتَعَلِّمُ وَحدَهُ الذي يَفْهَمُ أَنَّهُ حين يَقولُ: "ذَهَبَ" أَنَّها مُكَوَّنَةٌ مِنْ ذالٍ مفتوحةٍ، وهاءٍ مَفتوحَةٍ، وباء مَفْتوحةٍ، أَمَّا الأُمِيُّ فهُوَ لا يَعْرِفُ هَذا التَفْصيلَ.
فمن إذاً عَلَمَ رسولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم ـ أن ينْطُقَ بهذه المسمّياتِ هكذا حتَّى قال: أَلِفْ لامْ مِيمْ، وهو أُمِّيٌّ لم يَتَعلَّم البتَّةَ؟. لقد بيَّن لَنا الحَقُّ ـ سبحانَه وتَعالى ـ ذلك فقال: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} القيامة: 18. أيْ يا مُحَمَّدُ اقرأْ ما سوفَ تَسمَعُهُ، كما تسمعُه، فهو إذاً مَنْ عَلَّمَهُ. فأنتَ تَقرأ "ألم" في أَوَّلِ سورة البقرةِ، وفي أَوَّلِ سورة آلِ عُمرانَ، مُقَطَّعَةً حَرْفاً حَرْفاً أي أسماءً، بينَما تَقرأُ الآيةَ الأُولى في كلٍّ مِنْ سُورةِ الفيلِ وسورةِ الانْشراحِ: {أَلَمْ} هكذا موصولةً أي مسمّياتِ ومَعناها الاسْتِفهامُ. ولو أَنَّكَ قرأتَ العكسَ لاختلفَ المعنى اختلافاً بَيِّناً. فالقِراءةُ إذاً تَوْقيفِيَّةٌ، وليسَ لأَحَدٍ أَنْ يَجْتَرِئَ فيَقرَأَ القُرآنَ دون سَمَاعٍ مِنْ مُعَلِّمٍ ليَعْرِفَ كيفَ يَقْرَأُ.
والحروفُ في العربيّةِ ثمانيةٌ وعِشرونَ حَرْفاً، نِصْفُها في فواتِحِ السُوَرِ، أَيْ أَرْبعةَ عَشَرَ حَرْفاً، منها ما جاءَ واحداً أَوَّلَ السُورةِ مثل: {ق. والقرآنِ المَجيد} و{ص. والقرآنِ ذِي الذكر} و{ن. والقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}. ومنها ما جاءَ مثنى، كما في قولِهِ: {حم} الأحقاف. وقد تأتي ثلاثةُ حروفٍ مثل: {الم}، أو أربعة كقولِهِ: {المص}، أو خمسةٌ كقولِهِ: {كهيعص}. وبَعْضُها جاء مِنْ أحرُفِ التفشّي، أو مِنْ أَحْرُفِ الهَمْسِ، أَوٍ مِنْ المَرقَّقِ، أَوِ من المفخَّم، ومِنْ كُلِّ نوعٍ تَجِدُ نِصْفَه في أوائلِ السُوَرِ، مِمَّا يَدُلُّ على أَنَّها موضوعةٌ بِحِسابٍ دَقيقٍ، صحيحٌ أَنَّ هذا التَصنيفَ جاءَ مُتَأَخِّراً عنْ نُزولِ القُرآنِ، لكنَّ الذي أَنْزَلهُ يَعلمُ ما يَنْتَهي إليْهِ خَلْقُهُ، ولَهُ في ذلك حِكْمَةٌ ربّما يُعَرِّفْناها وربّما لا.
وإذا كان مَعلوماً أَنَّ محمّداً رَسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ كان أُمِيَّاً، فكيفَ نَطَقَ بأسماءِ هذه الحروفِ، وأَسماؤها لا يعرفُها إلاَّ مَنْ تَعَلَّمَ؟! فهو إذاً قد تَلَقَّنَها، خاصَّةً وأنَّ القرآنَ قد جاءَ مُتَحدِّياً العرَبَ؛ ليكونَ مُعْجِزَةً لِسَيِّدِ الخَلْقِ. ولا يُتَحَدَّى في أَمْرٍ إلاَّ مَنْ كانَ بارِعاً فيه. والعربُ كانوا مَشْهورين بالبَلاغَةِ، والخِطابَةِ والشِّعْرِ، والسَجْعِ، والأمثالِ؛ فهم أُمَّةُ كلامٍ، وفَصاحَةٍ، وبَلاغَةٍ، لذلك فقد جاءَ القرآنُ مِنْ جِنْسِ ما نَبَغُوا فيه، فتحدَّاهمُ اللهُ بأنْ أنزلَ قُرآناً لا يَسْتَطيعونَ أَنْ يَأْتوا ولو بآيةٍ من مِثْلِهِ أبَداً ولو كان الإنسُ والجِنُّ بعضهم لبعض ظهيراً ومعيناً في ذلك، فالمادَّةُ الأوّليَّةُ ـ وهي اللُّغَةُ العربيّةُ ـ واحدةٌ، ومِنْ حُروفِ اللُّغَةِ نَفْسِها التي بَرَعوا فيها. وبالكلماتِ نفسِها التي يَسْتَعْمِلونَها، لكنَّهم عَجَزوا أَنْ يَأْتوا بِمِثْلِهِ؛ لأنَّهُ جاءَ مِنْ رَبٍّ عليم عظيمٍ قادِرٍعلى كلٍّ شيءٍ وليسَ كَمِثْلِ عِلْمِهِ عِلْمٌ، ولا كَقُدْرَتِهِ قُدْرَةٌ.
وهكذا نَعْلَمُ سِرَّاً من أسرارِ الحُروفِ المُقَطَّعةِ التي جاءتْ لِتُثْبِتَ أَنَّ رَسولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليْه وسلَّمَ ـ تَلَقّى هذا القرآنَ مِنَ المَلَأِ الأَعْلى لأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يَتَعَلَّمْ شيئاً قطُّ، لكنَّهُ عَرَفَ أَسْماءَ هذه الحروفِ، التي لا يَعْرِفُها إلاَّ المُتَعَلِّمُ، ممّا يدُلُّ على أنَّ الذي عَلَّمَ بالقَلَمِ وعَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ هو الذي علَّمَهُ.
وفي هذه الحروفِ معانٍ كثيرةٌ، ذكرناها عند الكلامِ على {ألم} أوَّل سورة البقرة. وقد وجَدَ الكثيرُ مِنَ المُفَكِّرين والمُتَدَبِّرين لِكلامِ اللهِ في مجالِ جلالِ وجَمالِ القُرآنِ الكثيرَ، فتَجِدُ مَنْ يَقولُ إنَّ "المص" جاءتْ هُنا لِحِكْمَةٍ، فأَنْتَ تَنْطقُ كلمةَ "ألف" وهي الهمزةُ مِنَ الحَلْقِ، و"اللامَ" منَ اللسانِ، و"الميم" من الشَفَةِ، وبِذلكَ تَسْتَوْعِبُ مَخَارِجَ الحُروفِ مِنَ الحَلْقِ واللِّسانِ والشَفَةِ.
وأمّا في معانيها فقد وقعَ خلافٌ بيْنَ العُلَماءِ ـ كما تقدمَ في سورة البقرة ـ في المعنى المقصود مِنْ حُروفِ التَهْجّي هذه التي افتتح اللهُ بها بعضَ سُوَرِ القُرآنِ، نُجْمِلُهُ بالآتي:
الأوَّلُ: أَنَّ المَعنى المَقصودَ مِنْها غيرُ معروفٍ، فهي مِنَ المُتَشابِهِ الذي اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ. وهو رأيُ كلٍّ من ابْنِ عبّاسٍ ـ في إحْدى الرواياتِ عَنْهُ ـ والشَعْبِيُّ، وسفيان الثوريُّ، وغيرهم مِنَ العُلَماءِ؛ فقد رويَ عن أمير المؤمنين عليٍّ ـ رضي اللهُ عنْهُ ـ أَنَّه قال: "إنَّ لِكُلِّ كِتابٍ صَفوَةٌ، وصفوةُ هذا الكِتابِ حُروفُ التَهَجي "وسئلَ الشَعْبيُّ عن فواتحِ السُوَرِ فقال: "إنَّ لِكُلِّ كِتابٍ سِرّاً، وإنَّ سِرَّ هذا القُرآنِ فَواتِحُ السُوَرِ" وفي روايةٍ أُخْرى أنَّه قال: "سِرُّ اللهِ فَلا تَطْلُبوه". ورُويَ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّه قال: "عَجَزتِ العُلَماءُ عن إدراكها".
واعْتُرِضَ على هذا الرأيِ بأنَّهُ إذا كانَ الخِطابُ بهذِهِ الفَواتِحِ غَيْرَ مَفْهومٍ للنّاسِ لأَنَّه مِنَ المُتَشابِهِ فإنَّه يَتَرَتَّبُ على ذلك أَنَّهُ كالخِطابِ بالمُهْمَلِ، فمَثَلُهُ مَثَلُ مخاطبةِ الناسِ بِلُغَةٍ لا يَفهمونَها.
وقدْ أُجيبَ عنْ ذلكَ بِأَنَّ هذِهِ الأَلْفاظُ لَمْ يَنْتَفِ الإفْهامُ عنْها عندَ كلِّ الناسِ فالرَّسولُ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ كان يَفْهَمُ المُرادَ مِنْها، وكذلك بعضُ المقرَّبين مِنْ أَصحابِه. ولكنَّ الذي نَنْفيهِ أَنْ يَفهمَهُ الناسُ جميعاً.
أمَّا الرأيُ الثاني: فيرى أصحابُه أَنَّ المَعنى المَقصودَ مِنْها مَعْلومٌ، وأَنَّها لَيْسَتْ مِنَ المُتَشابِهِ الذي اسْتَأثَرَ اللهُ بعِلْمِه، و قد اختلفَ أَصحابُ هذا الرأي فيما بينَهم في تَعيينِ هذا المعنى المَقصودِ على أقوال كثيرةٍ أَهَمُّها:
ـ أَنَّ هذه الحُروفُ أَسْماءٌ للسُوَرِ، بِدليلِ قولِ النبيِّ ـ عليْه الصلاةُ والسَلام: ((مَنْ قَرَأَ "حَم" السَجْدَةَ، حُفِظَ إلى أَنْ يُصْبِحَ))، وبدليل اشْتِهارِ بَعضِ السُوَرِ بالتَسْميةِ بها، كسورةِ "ص" وسورة "يس" إلخ.
ولا يخلو هذا القولُ مِنْ وَهْنٍ، لأَنَّ كَثيراً مِنَ السُوَرِ قدِ افْتُتِحَتْ بِلَفظٍ واحدٍ مِنْ هذِهِ الفَواتِحِ، فلو كانت أَسماءً للسُوَرِ لَمْ تَتَكَرَّرْ لِمَعان مختلفَةٍ؛ لأنَّ الغَرَضَ مِنَ التَسْمِيَةِ رَفْعُ الاشْتِباهِ. وأَيْضاً فالتَسْمِيَةُ بِها أَمْرٌ عارضٌ لا يَتَنافى مَعَ المُرادَ مِنْها في ذاتِها.
ـ وقيلَ إنَّ هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلةً للدَّلالَةِ على انقضاءِ سُورَةٍ وابتداءِ أُخْرى. وقال مجاهدٌ: هي فواتِحُ افْتَتحَ اللهُ بها كِتابَه، وقال الشعبيُّ: فواتحُ السُوَرِ مِنْ أَسْماءِ اللهِ تعالى إذا وَصَلَها كانتِ اسْماً.
وقال الإمامُ القشيري: هذه الحروف مِنَ المُتَشابِهِ في القُرآن على طريقةِ قومٍ مِنَ السَلَف، والحَقُّ ـ سبحانَهُ ـ مُسْتَأْثِرٌ بِعِلْمِها دون خلقه. وعلى طريقة قومٍ فلَها معانٍ تُعْرَفُ، وفيها إشاراتٌ إلى أَشياءَ تُوصَفُ: فالألِفُ تُشيرُ إلى أُلْفَةِ الأَرْواحِ العَطِرَةِ أَصابَتْ الشَكْلِيَّةَ مَعَ بعضِ الأَرْواحِ العَطِرَةِ، فهي ـ في التحقيقِ ـ في ذلكَ المَعنى كالمُتَّحِدَةِ؛ فمِنْه تَقَعُ الأُلْفَةُ بيْن المُتشاكلين، ولأجلِ اتِّحادِ المَقْصودِ يَتَّفِقُ القاصِدون.
وقيلَ في {المص} خاصَّةً: إنَّ معناها المُصَوِّرُ، رُويَ ذلك عن السُّدِّيِّ، وأَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغيرُهُ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما ـ أَنَّ المَعنى أَنا اللهُ أَعْلَمُ وأَفْصِلُ، واختارَهُ الزَّجَّاجُ ورُويَ كذلك عنْ سَعيدٍ بْنِ جُبيْرٍ، وفي روايةٍ أُخرى عنْ حَبْرِ هذه الأمَّة: أَنَّهُ ونَظائرُه قَسَمٌ أَقْسَمَ اللهُ بِهِ وهو مِنْ أَسْمائهِ ـ سُبْحانَه وتعالى. وعَنِ الضَحَّاكِ أَنَّ مَعناه: أَنا اللهُ الصادقُ، وعَنْ مُحَمَّدٍ بِنِ كَعْبٍ القَرَظِيِّ أَنَّ الأَلِفَ واللامَ مِنَ اللهِ، والميمَ مِنَ الرحمنِ، والصادَ مِنَ الصَمَدِ؛ وقيل: المُرادُ بِهِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدَرَكَ. وذَكَرَ بَعْضُهم أَنَّه ما مِنْ سُورةٍ افْتُتِحَتْ بـ "ألم" إلاَّ وهي مُشْتَمِلَةٌ على ثلاثةِ أُمورٍ: بدءِ الخلقِ، والنِهايَةِ التي هي المَعادُ، والوَسَطُ الذي هو المَعاشُ، وإليها الإشارةُ بالاشْتِمالِ على المَخارِجِ الثلاثةِ: الحَلْق واللِّسان والشفتين، كما تقدَّم. وزِيدَ في هذه السُورةِ على ذلك الصادِ لِما فيها مَعَ ما ذُكِرَ مِنْ شَرْحِ القِصَصِ، وقالَ عطاءٌ بْنُ أَبي رَباحٍ: هو مِنْ ثَناءِ اللهِ ـ سبحانه ـ على نفسِهِ، وقالَ قَتادةُ: اسْمٌ مِنْ أَسْماءِ القُرآن. وقيل: اسْمُ السورةِ.
وقيل معنى "المص": {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} الإنشراح: 1. وقيل: هي حروف هجاء مقطّعة، وقيل: هي حسابُ الجُمَّلِ المعروف، وقيل: هي حروفُ اسْمِ اللهِ الأعْظمِ، وقيل: هي حروفٌ تحوي معاني كثيرة.
وقيل: "ا" إشارةٌ إلى الذاتِ الأحديَّةِ، و"ل" إشارةٌ إلى الذات مَعَ صِفَةِ العِلْمِ، و"م" إشارة إلى مَعْنى مُحَمَّدٍ ـ صلى اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ ـ أي نفسِه وحَقيقتِه، و"ص" إشارةٌ إلى الصُورَةِ المُحَمَّدِيَّةِ وهي جَسَدُه الطاهرُ وظاهرُهُ. قالَ المُتَصَوِّفَةُ ذلك للدَّلالةِ على أَنَّ هذه السُورَةَ تَتَكَلَّمُ في أُمورِ الحياةِ بِدْءً للخلقِ مِنْ آدَمَ. إشارةً إلى أَوَّلِيَّةِ خَلْقِ الإنسانِ، ووَسَطاً وهو المَعاشُ، ونهايةً وهو المَوْتُ والحِسابُ ثمَّ الحياةُ في الدارِ، الآخِرَةِ، وجاءتِ "الصادُ" لأنَّ في هذِهِ السُورةِ قِصَصُ أَغْلَبِ الأَنْبِياءِ.
ويُقالُ الألِفُ أَلِفَ القَلْبُ حديثَه فلَمْ يَحْتَشِمْ مِنْ بَذْلِ رُوحِه. ويًقالُ الأَلِفُ تَجرُّدُ مَنْ قَصَدَه عَنْ كُلِّ غَيْرٍ فلَمْ يَتَّصِلْ بِشَيْءٍ، وحينَ اسْتَغْنى عنْ كُلِّ شيءٍ اتَّصلَ بِهِ كُلُّ شيءٍ على جِهَةِ الاحْتِياجِ إليْه.
ويُقالُ صُورةُ اللامِ كَصُورَةِ الأَلِفِ ولكنْ لَمَّا اتَّصَلَتْ بالحُروف تَعاقبَتْها الحَركاتُ كَسائرِ الحُروفِ؛ فمَرَّةً أَصْبَحَتْ مَفْتوحَةً، ومرَّةً مسكُونَةً، ومَرَّةً مَرْفوعةً، وأَمّا الأَلِفُ التي هي بَعيدةٌ عنِ الاتِّصالِ بالعَلاقاتِ فباقيةٌ على وَصْفِ التَجَرُّدِ عَنْ تَعاقُبِ الحَرَكاتِ عَليْها فهي على سُكونِها الأَصليِّ.
وأَمّا الصادُ فتُشيرُ إلى صِدْقِ أَحوالِ المُشتاقين في القَصْدِ، وصدقِ أَحوالِ العارفينِ في الوَجْدِ، وتُشيرُ إلى صِدْقِ قُلوبِ المُريدين وأربابِ الطَلَبِ، إذِ العَطَشُ نَعْتُ كُلِّ قاصِدٍ، كما أَنَّ الدَهْشَةَ وَصْفُ كلِّ واحدٍ .
ويقال الصاد تُبْدي مَحَبَّةً للصُدورِ وهو بَلاءُ الأَحْبابِ. ويُقالُ الصادُ تُطالبُكَ بالصِدْقِ في الوِدِّ، وأَمَارَةُ الصِدْقِ في الوِدِّ بُلوغُ النِّهايةِ والكَمالِ، حتّى لا يَزيدَ بالبِرِّ، ولا يَنْقُصَ بالمَنْع.
هكذا جَالَ هَذا المُتَصَوِّفُ جَوْلَةً وَطَلَعَ بِها، أَنَرُدُّها عَلَيه؟ يقولُ الإمامُ الشعراويُّ: لا، نَرُدُّها بِطبيعةِ الحالِ، ولكنْ نَقولُ: أَذلِكَ هُوَ كُلُّ عِلْمِ اللهِ فيها؟ لا؛ لأنَّ عَلَيْنا أَنْ نَتَعَرَّفَ على المعاني التي فيها وأَنْ نَأْخُذَها على قَدْرِ بَشَرِيَّتِنا، ولكنْ إذا قَرَأناها على قَدْرِ مُرادِ اللهِ فيها فلَنْ نَسْتَوْعِبَ كُلَّ آفاقِ مُراداتِ اللهِ فيها؛ لأنَّ أَفْهامَنا قاصِرَةٌ.
ونحنُ البَشَرُ نَضَعُ ـ أحياناً ـ كَلِماتٍ لا مَعنى لَها لِكَيْ تَدُلَّ على أَشياءَ تَخْدُمُ الحياةَ، فمَثلاً نَجِدُ الجيوشَ تضعُ ما تسميه بـ "كلمة السرِّ" حتى لا يَدْخُلَ أو يمُرُّ في قطاع عملياتِها عدو لها فيضرُّ بها. وكلمة السرِّ هذه لها معنًى عندَ واضِعِها، وقد يكون ثمنُها الحياةُ عندَ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ مُعَسْكَرِ هذا الجيشِ دون معرِفتها.
وقد أشارَ الرسول ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ إلى أَنَّ هذه الحروفَ قد أُريدَ بها أُمورٌ اسْتِقْلالِيَّةٌ، ولا تَكونُ كذلكَ إلاَّ إذا كانتْ لها فائدةٌ يَحْسُنُ السكوتُ والوُقوفُ عليْها، فَهِمَها مَنْ فَهِمَها، وتَعَبَّدَ بها مَنْ تَعَبَّدَ، وكلُّ قارئ للقُرآنِ يأخُذُ ثوابَه بِكُلِّ حَرْفٍ، فلو أَنَّ قارئاً قال: (أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ الرَّجيم) ونَطقَ بعدَ ذلك بِحَرْفٍ أَوْ بِأَكْثَرَ، فهو قدْ أَخَذَ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةً.
وعند قراءةِ: {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} نجدُ أَنَّ {رَّحيِمٌ}، مَبْنِيَّةٌ على الوَصْلِ ـ وآياتُ القرآنِ كلُّها مَوصولةٌ ـ وإنْ وُجِدتْ بينَها فَواصِلُ آياتٍ، ولِذلك تَجْدُ في المُصْحَفِ على {رَّحِيمٌ} تنوينَ الضمَّ وبِجِوارِهِ مِيمٌ صغيرةٌ؛ لأنَّ التنوين إذا جاء بعدَه باءٌ، يُقْلَبُ ميماً، فالميمُ الصغيرةُ موجودةٌ على {رحيم}، فإذا فَرَغْتَ من قراةِ سورة الأنعامِ، وأَرَدْتَ أَنْ تُتابِعَ القراءَةَ فعليك أَنْ تَقرأَ {بِسْمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحِيمِ}، وتُصبِحُ القراءةُ: "غفورُ رَّحيمُمْ بِسْمِ اللهِ..". فكأَنَّهُ ـ سُبْحانَهُ وتعالى ـ يقولُ لَنا إنَّ هذا القرآنَ ليسَ أَبْعاضاً وإنَّما هو كلٌّ متَّصلٌ. وكان مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَجْعَلَها سُكوناً، وأَنْ يَجْعَلَ لكُلَّ آيةٍ وقفاً، إلاَّ أنَّهُ ـ سبحانَهُ ـ أَرادَ القرآنَ مَوْصولاً، وهكذا تَلَقَّاهُ الأَئمَّةُ عنْ الصحابِةِ ـ رُضوانُ اللهِ تعالى عليهم أجمعين ـ عن رسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسَلَّمَ ـ عن جبريلَ ـ عليه السلامُ ـ عن المَلِكِ العَزيزِ العَلاّمِ ـ تباركتْ أسماؤهُ الحُسْنى، وجَلَّتْ صِفاتُه العُلى.
قولُه تعالى: {ألمص} مَوْضِعُهُ رَفْعٌ بالأبْتِداءِ، و"كتابٌ" خَبَرُهُ.
avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى