فيض العليم ... سورة الأعراف، الآية: 57

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فيض العليم ... سورة الأعراف، الآية: 57

مُساهمة من طرف عبد القادر الأسود في الخميس مايو 01, 2014 11:39 am

وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
(57)
قَوْلُهُ ـ تَعَالَى وعزَّ: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يذَكَرَ لنا الحقُّ ـ تبارك وتعالى ـ شَيْئًا آخَرَ مِنْ نِعَمِهِ، وَيدُلُّ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَثُبُوتِ إِلَهِيَّتِهِ. ولكنَّه يجعلُ معَها القدْرَ المُصاحِبَ لِكُلِّ حَرَكةٍ مِنْ حَرَكاتِ النّاموسِ، ولكلِّ مَرَّةٍ تتحقق فيها السُنَّةُ الكونيَّةُ. القَدْرُ الذي يُنشئُ الحَرَكَةَ ويُحَقِّقُ السُنَّةَ، وِفْقَ المَشيئةِ الطَليقةِ مِنْ وَراءِ السُنَنِ والنواميسِ الثابتةِ. فيربط السياقُ القرآنيُّ بيْنَ حقيقةِ الحياةِ الناشئةِ بإرادةِ الله وقَدَرِهِ في هذه الأرضِ، وبيْنَ النَّشأةِ الآخِرَةِ، التي تتحقَّقُ كذلك بِمَشيئةِ اللهِ وقَدَرِهِ؛ على المِنْهجِ الذي يَراهُ الأَحياءُ في نَشْأةِ هذه الحياة. فإنَّ معجزة الحياةِ مِنْ وراءِ أَشكالِها وصُوَرِها ومُلابَساتها ذات طبيعة واحدة.
وَرِيَاحٌ جَمْعُ كَثْرَةٍ وَأَرْوَاحٌ جَمْعُ قِلَّةٍ. وَأَصْلُ رِيحٍ رِوْحٌ. وَقَدْ خُطِّئَ مَنْ قَالَ فِي جَمْعِ الْقِلَّةِ أَرْيَاحٌ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما أَنَّ الرياحَ ثمانيةٌ، أَرْبَعٌ مِنها عذابٌ وهي: القاصِفُ، والعاصفُ، والصَرْصَرُ، والعَقيمُ، وأَربعٌ منها رَحمةٌ وهي: الناشراتُ، والمُبَشِّراتُ، والمُرْسَلاتُ، والذارياتُ. ومن أنواع الريح المشهورة عند العرب: الصَّبا والشمأل والجنوب والدبور، وبيانُ كونِ الرياحَ مُرسَلَةً أمامَ ذلك ما قيلَ: إنَّ الصَبا تُثيرُ السَّحابَ، والشَمْألُ تَجْمَعُهُ والجَنوبُ تُدِرُّه، والدَّبورُ تُفرِّقه.
والريحُ مِنْ أَعْظَمِ مِنَنِ اللهِ على عِبادِهِ، فقد جاء عنْ كعبِ الأَحْبارِ ـ رضي اللهُ عنه: لو أنَّ اللهَ ـ سبحانَهُ ـ حبَسَ عَنْ عِبادِهِ الريحَ ثلاثةَ أيّامٍ لأَنْتَنَ أَكْثَرُ أَهْلِ الأَرْضِ. وفي بعضِ الآثارِ أَنَّ اللهَ ـ تَعالى ـ خَلَقَ العالَمَ ومَلأَهُ هَواءً، ولوْ أَمْسَكَ الهواءَ ساعةً لأنْتَنَ ما بَيْنَ السماءِ والأَرْضِ، وذكَرَ غيرُ واحدٍ مِنَ العُلَماءِ أَنَّهُ يُكرَهُ سَبُّ الريحِ، فقَدْ رَوى الشافِعِيُّ عنْ أَبي هُريرَةَ أنَّه قال: (أَخَذَتِ النَّاسُ ريحٌ بِطريقِ مَكَّةَ، وعُمرُ ـ رضيَ اللهُ عنه ـ حاجٌّ، فاشْتَدَّتْ، فقالَ عُمَرُ لِمنْ حولَه: ما بَلَغَكم في الرّيحِ؟ فلم يَرْجِعوا إليْهِ شيئاً، وبَلَغَني الذي سَأَلَ عُمَرُ عنْهُ مِنْ أَمْرِ الرِّيحِ، فاسْتَحْثَثْتُ راحِلَتي حتَّى أَدْرَكْتُ عُمَرَ ـ وكنتُ مُؤَخَّرَ النّاسِ ـ فقلتُ: يا أميرَ المُؤمنين: أُخْبِرْتُ أَنَّكَ سَأَلْتَ عَنِ الرِّيحِ، فإنّي سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسَلَّمَ ـ يَقولُ: ((الريحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ تَعالى، تأتي بالرَّحْمَةِ، وتَأتي بالعَذابِ، فإذا رَأَيْتُموها، فلا تَسُبّوها واسْأَلوا اللهَ تَعالى مِنْ خَيْرِها واسْتَعيذوا باللهِ ـ سُبْحانَهُ ـ مِنْ شَرِّها)). ولا تعارُضَ بَيْنَ الآيَةِ وهذا الخَبَرِ إذِ ليسَ في الآيةِ أَنّه ـ سُبحانَه ـ لا يُرْسِلُها إلاَّ بيْنَ يَدَيْ رحمتِهِ، وإذا سلَّمنا بذلك فهو خارجٌ مُجْرَى الغالِبِ، فإنَّ العذابَ بالريحِ نادِرٌ.
قولُهُ: {بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} أيْ: قُدَّامَ رحمتِه، وهو مِنَ المَجازِ ـ كما نُقِلَ عن أبي بكرٍ ابْنِ الأنْباري، والمُرادُ بالرَّحمةِ ـ كما ذَهَبَ إليْهِ غالبُ المُفَسِّرين ـ المَطَر، وسُمِّيَ رَحمةً لِما يَترتَّبُ عليه مِنَ المَنافِعِ بحَسَبِ جَرْيِ العادةِ. ولا يَخْفى أَنَّ الرَّحمةَ ـ في المَشهورِ ـ عامَّةٌ فإطلاقُها على ذلك ـ إنْ كان مِنْ حيثُ خُصوصِهِ ـ مَجازٌ، لكونِهِ اسْتِعمالَ اللفظِ في غيرِ ما وُضِعَ لَهُ، إذِ اللَّفظُ لم يُوضَعْ لِذلك الخاصِّ بِخُصوصِهِ، وإنْ كان إطلاقُها عليهِ لا بِخُصوصِهِ بَلْ باعتبارِ عُمومِه. وكونُهُ فرداً مِنْ أَفرادِ ذلك العامِّ فهو حقيقةٌ لأنَّه استعمالُ اللفظِ فيما وُضِعَ لَهُ.
قولُهُ: {حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا} أقلَّت: حَمَلَتْ، لكنَّه يخُصُّ الثقيلَ مِنَ الأَحْمالِ، وهُو ـ هُنا ـ السحابُ المُثقَلُ بالمَطَرِ الكثيرِ، والقُلَّةُ بِضَمِّ القافِ هوَ ذلك الإناءُ المَعروفُ، سُمِّيَتْ بِذلكَ لأنَّها تُقَلُّ، أَيْ تُحْمَلُ على بعيرٍ أو غيرِه، وتُجمَعُ على قِلالٍ، وقَلا فلانٌ فُلاناً إذا هَجَرَه. و"سَحَابًا" أيْ غَيْماً، سُمِّيَ بِذلكَ لانْسِحابِهِ في الهَواءِ، وهُوَ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ يُفَرَّقُ بينَهُ وبَيْنَ واحدِهِ بالتاءِ، وَكَذَا كُلُّ جَمْعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدَتِهِ هَاءٌ أو ياءُ النَسَبِ. كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ، وبَقَرٍ وبَقَرَةٍ، وعَرَبٍ وعَرَبِيٍّ، ورُومٍ ورُوميٍّ. وهوَ يُذَكَّرُ ويُؤنَّثُ، ويُفْرَدُ وَصْفُهُ ويُجْمَعُ. وأهلُ اللُّغةِ يسمونَهُ جَمْعاً فلذا رُوعِيَ فيهِ الوَجْهان في وصْفِهِ وضَميرِهِ، فيَجُوزُ نَعْتُهُ بِوَاحِدٍ فَتَقُولُ: سَحَابٌ ثَقِيلٌ وَثَقِيلَةٌ. وجاءَ في الجَمْعِ سُحُبٌ وسَحائبُ، وَالْمَعْنَى: حَمَلَتِ الرِّيحُ سَحَابًا ثِقَالًا بِالْمَاءِ، أَيْ أَثْقَلَتْ بِحَمْلِهِ. يُقَالُ: أَقَلَّ فُلَانٌ الشَّيْءَ أيْ حَمَلَهُ.
قولُهُ: {فسُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ} البلدُ الميِّتُ هو: الأرضُ المَيْتَةُ التي لَا ماءَ فيها، ولا يُنْتَفَعُ بها في زَرْعٍ أوْ غَرْسٍ، ولا يُوجَدُ فيها ما يَأْكُلُ مِنْهُ حَيَوانٌ، أوْ يَحيا بِهِ إنْسانٌ، فيُحيها اللهُ العليمُ الحَكيمُ الرَزَّاقُ ذو القوَّةِ المَتينِ بالماءِ بعدَ مَوتِها بمشيئتِه. و يتعدى فعلُ "ساقَ" باللام وبـ "إلى" فيُقَالُ: سُقْتُهُ لِبَلَدِ كَذَا وَإِلَى بَلَدِ كَذَا. وَقِيلَ لِأَجْلِ بَلَدٍ مَيِّتٍ، فَاللَّامُ لَامُ أَجْلِ. وَالْبَلَدُ كُلُّ مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ عَامِرٍ أَوْ غَيْرِ عَامِرٍ خَالٍ أَوْ مَسْكُونٍ. وَالْبَلْدَةُ وَالْبَلَدُ وَاحِدُ الْبِلَادِ وَالْبُلْدَانِ. وَالْبَلَدُ الْأَثَرُ وَجَمْعُهُ أَبْلَادُ. قَالَ الشَّاعِرُ ابنُ الرقاع:
عَرَفَ الدّيارَ تَوَهُّماً فاعْتَادَها ........... مِنْ بَعْدِ مَا شَمِلَ الْبِلَى أَبْلَادَهَا
وَالْبَلَدُ: أُدْحِيُّ النَّعَامِ. يُقَالُ: هُوَ أَذَلُّ مِنْ بَيْضَةِ الْبَلَدِ، أَيْ مِنْ بَيْضَةِ النَّعَامِ الَّتِي يَتْرُكُهَا. وَالْبَلْدَةُ الْأَرْضُ، يُقَالُ: هَذِهِ بَلْدَتُنَا كَمَا يُقَالُ بَحْرَتُنَا. وَالْبَلْدَةُ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَنْجُمٍ مِنَ الْقَوْسِ تَنْزِلُهَا الشَّمْسُ فِي أَقْصَرِ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ. وَالْبَلْدَةُ الصَّدْرُ، يُقَالُ: فُلَانٌ وَاسِعُ الْبَلْدَةِ أَيْ وَاسِعُ الصدْرِ، ومن ذلك قولُ الشَّاعِرِ ذِي الرُّمَّةِ:
أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ ......... قَلِيلٌ بِهَا الْأَصْوَاتُ إِلَّا بُغَامَهَا
يَقُولُ: بَرَكَتِ النَّاقَةُ فَأَلْقَتْ صَدْرَهَا عَلَى الْأَرْضِ. وَالْبَلْدَةُ (بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا): نَقَاوَةُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ، فَهُمَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ.
قولُهُ: {فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ} أَيْ بِالْبَلَدِ. وَقِيلَ: أَنْزَلْنَا بِالسَّحَابِ الْمَاءَ، لِأَنَّ السَّحَابَ آلَةٌ لِإِنْزَالِ الْمَاءِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَأَنْزَلْنَا مِنْهُ الْمَاءَ، كَقَوْلِهِ: {يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ} أَيْ مِنْهَا.
قولُهُ: {فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ} أَيْ مِثْلَ ذَلِكَ الْإِخْرَاجِ نُحْيِي الْمَوْتَى. وَخَرَّجَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُعِيدُ اللهُ الْخَلْقَ، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: ((أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي قَوْمِكَ جَدْبًا ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا)) قُلتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَتِلْكَ آيَةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ)). وَقِيلَ: وَجْهُ التَّشْبِيهِ أَنَّ إِحْيَاءَهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ يَكُونُ بِمَطَرٍ يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى قُبُورِهِمْ، فَتَنْشَقُّ عَنْهُمُ الْقُبُورُ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَيْهِمُ الْأَرْوَاحُ. وَفِي صحيح مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ـ رضي اللهُ عنهما ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ ـ أَوْ قَالَ يُنْزِلُ اللهُ ـ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ ثُمَّ يُقَالُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ)). وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قولُهُ: { كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أيْ:كهذا الذي رأيتم مِنْ إخراجِ ثَمَراتِ كُلِّ شيءٍ نباتاً حيّاً، وغَرْساً مُثْمِراً، وحَبّاً مُتَراكِباً، وكَلَأً طَعاماً للأنعَامِ، كهذا الذي شاهدتم، وتُشاهدون كلَّ يَومٍ، فكما يُخرجُ اللهُ الحياةَ مِنَ المَواتِ في هذِه الأرضِ، كذلك يُخرج الحياة مِنَ الموتى في نِهايَةِ المَطافِ. فإنَّ المَشيئةَ التي تبثُّ الحياةَ في صُوَرِ الحياةِ وأَشْكالِها في هذهِ الأرضِ، هي ذاتُها المَشيئة التي تَرُدُّ الحياةَ في الأَمْواتِ. وإنَّ القَدَرَ الذي يَجْري بإخراجِ الحياةِ مِنَ المَواتِ في الدُنيا، لَهُوَ ذاتُه القدرُ الذي يَجري بِجَريان الحياةِ في الموتى مَرَّةً أُخرى. فيُخرِجُ اللهُ الأَمواتَ مِنْ قبورِهم أَحياءً. فالتذكير بقدرة الله تعالى على البعثِ ثابتٌ في كلِّ ما يُشاهدون، يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، ويُخْرِجَ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ.
قولُهُ تعالى: { وَهُوَ الَّذِي} و: عاطفة، أوْ استئنافيّة، "هو" ضميرٌ
مُنْفَصِلٌ في مَحَلِّ رَفعِ مُبْتَدَأٍ. "الذي" اسْمٌ مَوصولٌ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ. وهذه الجملةُ عطفٌ على جملةِ: {إنَّ ربَّكم} من الآية السابقة: 54. فهي مثلها ليس لها محلٌّ من الإعراب، ويجوزُ أن تكون استئنافاً، فهي أيضاً لا محلَّ لها.
قولُهُ: {يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يرسل: مُضارعٌ مَرْفوعٌ والفاعلُ ضَميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُهُ "هو" يعود على الله تعال. "الرياح" مفعولٌ بِهِ مَنصوبٌ. "بُشْراً" حالٌ مِنَ الرياحِ منصوبةٌ، وهوَ جَمْعُ بَشُورٍ، صفةٌ مشتَقَّةٌ مبالغَةُ اسْمِ الفاعلِ، ووزنُه "فَعول" بفتح الفاء، أو هو جَمْعُ بَشيرٍ، وبُشْرٌ بِضَمِّ الباءِ وسُكونِ الشين، وهوَ مُخَفَّفٌ مِنْ بُشُرٍ بِضَمَّتيْن. "بين" ظَرفُ مكانٍ، مَنْصوبٍ مُتعلِّقٍ بـ "بُشْراً" أو بـ "يرسلُ" وهو مضافٌ، "يدي" مُضافٌ إليهِ مَجرورٌ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنُّ مثنّى. "رحمة" مُضافٌ إليهِ مجَرورٌ كذلك. و (الهاءُ) ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليْهِ. وهذه الجملةُ صلة الاسم الموصولِ "الذي" ولا محلَّ لها من الإعراب.
قولُهُ: {حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً} حتى: حرفُ ابْتِداءٍ، "إذا" ظَرْفٌ للزَمَنِ المُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، في مَحَلِّ نَصْبٍ، مُتَعَلِّقٌ بالجوابِ "سقناه". و"أقلت" أقلَّ: فعلٌ ماضٍ مبنيٍّ على الفتحِ، والتاءُ للتأنيثِ والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُهُ "هي" يعودُ على الرياح. "سحاباً" مفعولٌ بِهِ مَنصوبٌ. "ثقالاً" نَعْتٌ لـ "سحاباً" منصوبٌ مثله، ووهي جمعُ ثَقيلٍ، وثَقالٍ، بفتْحِ الثاءِ وضَمِّها، من ثَقُلَ يَثْقُلُ، وبابُهُ "نَصَرَ"، وهوَ صِفَةٌ مُشَبَّهةٌ على وزنِ "فِعالٍ" بِكَسْرِ الفاءِ وفتحِ العينِ. وثمةَ جَمْعٌ آخَرُ لِثَقيلٍ هُوَ "ثُقَلاء" بضمِّ الثاءِ، و"ثُقُلٌ" بضَمتين. وقوله: "حتى إِذَا أَقَلَّتْ" غايةٌ لقولِهِ "يرسل". وجملةُ "أقلّت" في مَحَلِّ جَرِّ مُضافٍ إليْهِ بإضافةِ "إذا" إليها.
قولُهُ: { سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ} سقنا: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضمير رفعٍ متحركٍ و"نا" ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، و"الهاء" ضميرٌ متَّصلٌ في محَلِّ نصبِ مَفعولٍ له، والسَّحابُ، يُذَكَّر ويُؤَنَّثُ، ولذلك عادَ الضَميرُ عليهِ مُذكَّراً في قولِهِ: "سُقْناه". ولو حُمِل على المعنى كما حُمِل قولُهُ: "ثقالاً" فجُمِع لَقالَ "سقناها". "لبلدٍ" جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ "سقناه"، وجعلَ الزَمَخْشَرِيُّ اللامَ للعِلَّةِ، أيْ: لأجْلِ بَلَدٍ. قال الشيخ أبو حيان: فرقٌ بين قولِكَ: سُقْتُ لَهُ مالاً، وسُقْتُ لأجلِهِ مالاً، فإنَّ "سُقْتُ لَه" أَوْصَلْتَه إليه وأَبْلَغْته إيّاه، بخلافِ "سُقْته لأجله" فإنَّه لا يَلْزَمُ مِنْهُ إيصالُهُ لُهُ، فقد يَسوقُ المالَ لغيري ولكن لأَجلي وهو واضحٌ. و"ميِّتٍ" نَعْتٌ لِبَلَدٍ مَجرورٌ مثلُه، وقد تقَّم في سورةِ آلِ عمرن تفصيلٌ في تخفيفه وتثقيلِه. وهذه الجملة واقعةٌ جوابَ شرطٍ غير جازمٍ، لا محلَّ لها من الإعراب.
قولُهُ: {فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ} الفاء: عاطفةٌ، "أنزلنا" مثلُ "سُقْنا" و"بِهِ" جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ بـ "أنزلنا"، والباءُ للسَبَبِيَّةِ، وقيلَ إنَّ الضميرَ في "به" يعودُ على أقربِ مذكورٍ وهو "بَلَدٍ" وعلى هذا فلا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكونَ الباءُ ظرفيَّةً بمعنى: أَنْزلْنا في ذلكَ البلدِ المَيِّتِ الماءَ. وهذا هو الظاهرُ. وقيل: الضميرُ يعودُ على السَّحابِ. ثمَّ في الباءِ وجهانِ، أَحَدُهُما: هي بمعنى "مِنْ" أي: فأنزلنا مِنَ السحابِ الماءَ. والثاني: أنَّها سببيةٌ كما تقدَّم أي: فأنزلْنا الماءَ بِسَبَبِ السَّحابِ. وقيل إنَّ الضمير في "به": يعودُ على السَوْقِ المَفهومِ مِنَ الفِعْلِ. والباءُ سَببيّةٌ أَيْضاً، أي: فأنزلْنا بِسَبَبِ سَوْقِ السَّحابِ. وهو ضَعيفٌ لِعَوْدِ الضَميرِ على غيرِ مذكورٍ مَعَ إمْكانِ عَوْدِهِ على مَذْكورٍ.
و"الماءَ" مفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ. وهذه الجملةُ معطوفةٌ على جملةِ جواب الشرط غير الجازم فلا محلّ لها من الإعراب.
قولُهُ: { فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ} الفاء: عاطفةٌ، "أَخْرَجْنا به" مثل: "أنزلْنا بِهِ"، وفيها الخلافُ نفسُهُ، ونَزيدُ عليْهِ وجْهاً أَحْسن وهو العَوْدُ على الماء، ولا يَنْبَغي أَنْ يُعْدَلَ عَنْه. و"مِنْ كلِّ" جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ "أخرجنا" و"كلِّ". مضافٌ، "الثمراتِ" مضافٌ إليهِ مَجرورٌ. و"مِنْ" تبعيضيَّةٌ أوْ ابْتِدائيَّةٌ وقدْ تَقدَّمَ نَظيرُهُ. وجملة "أخرجنا" لا مَحَلَّ لَها أيضاً لأنَّها معطوفةٌ على جُملةِ جوابِ الشَرْطِ.
قولُه: { كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى} كذلك: الكاف: حرفُ جَرٍّ وتَشبيهٍ، و"ذا" اسْمُ إشارةٍ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بمَحْذوفِ مَفعولٍ مُطْلَقٍ عامِلُهُ "نُخرج"، والتقدير: كذلكَ الإخراجِ نُخرجُ، و"اللامُ" للبُعْدِ و"الكافُ" الثانيةُ للخطابٍ. و"كذلك" نعتُ مصدرٍ محذوفٍ أي: يُخْرج الموتى إخراجاً كإخراجِنا هذِهِ الثَمَراتِ. "نخرجُ" فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ وجوباً تقديرُهُ "نحن" للتَعظيمِ. و"الموتى" مَفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعلامةُ نصبِه فتحةٌ مقدَّرةٌ على آخرهِ منع من ظهورِها تعذُّرُ لفظها. وجملةُ: "نُخرجُ" لا مَحَلَّ لَها لأنها استئنافيَّة.
قولُهُ: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} لعل: حرفٌ مُشْبِهٌ للفِعْلِ ـ ناسخ ـ للتَرَجّي و"الكافُ" ضميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ نَصْبِ اسْمِ "لعل". والميمُ للمذكَّرِ. "تذكرون" فعلٌ مضارعٌ مَرفوعٌ بثبوتِ النونِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في مَحلِّ رفعِ فاعله. جملة "تذكرون" في محلِّ رفعِ خَبَرٍ لـ "لعل"، وجُملة: "لعلكم" استئنافٌ بيانيٌ
أو تعليلية فلا محلّ لها.
قرأَ الأكثرون: "رياحاً" وقرأَ ابْنُ كَثيرٍ والأخوين (حمزة والكسائي) "الريح" وهو مُتَحَمِّلٌ لِمَعْنى الجِنْسِيَّةِ فيُطلًقُ على الكَثيرِ. وخبرُ (اللهُمَّ اجْعَلْها رِياحاً ولا تَجْعلَها رِيحاً) مُخَرَّجٌ على قِراءَةِ الأَكْثَرينَ.
وقرأَ عاصمٌ: "بُشْرًا" بضمِّ الباءِ المُوحَّدةِ وسُكونِ الشينِ، مُخَفَّفُ "بُشُراً" بِضَمَّتَيْنِ، جمعُ بَشيرٍ، ك "نُذُرٍ" و"نذيرٍ" و"قَليبٍ" و"قُلُب" أيْ: مُبَشِراتٍ، أي تُبَشِّر بالمطر، ثم خُفِّفت الضمَّة، ويؤيد ذلك أن ابنَ عبّاسٍ والسُلَمِيِّ وابْنِ أَبي عَبْلَةَ، قرؤوا جميعاً بضمِّها، وهي مرويَّةٌ عن عاصم نفسِهِ. ورُويَ عنْه أيْضاً "بَشَرًا" على الأصل.
وقرأ أبو عبد الرحمن: "بَشْراً" بِفَتحِ الباءِ وسُكونِ الشين. ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ أيْضاً على أنَّهُ مَصْدَرُ "بَشَر" ثلاثياً. وقُرِئَ بِفَتْحِ الباءِ على أَنَّه مَصْدَرُ "بَشَرَهُ" بالتَخفيفِ بِمَعنى "بَشَّرَهُ" المُشدَّدِ. والمُرادُ باشِراتٌ أوْ لِلبِشارة.
وقرأ ابن السَّمَيْفَع "بُشْرى" بِزِنَةِ "رُجعى" و"حُبلى" وهو مَصْدَرٌ أَيْضاً مِنَ البِشارَةِ.
وقرأَ نافع، وأبو عمْرٍو، وابنُ كثيرٍ: "نُشُراً" في هذِه السُورةِ وحيثُ ورَدَ في غيرِها مِنَ السُوَرِ، بِضَمِّ النونِ والشينِ، وهي قراءةُ الحَسَنِ، وأَبي عبدِ الرحمنِ، وأَبي رَجاءٍ ـ بِخلافٍ عنهم ـ وشيبةَ بْنِ نصاح، والأَعرجُ، وعيسى بنِ عُمَرَ، وأبي يَحيى، وأبي نوفل، الأعرابيين. وفي هذه القراءةِ وجهانِ فيَتَحَصَّلُ في "بشراً" ستَّةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُها: أَنَّ "نُشُراً" جمعُ "ناشِرٍ" ك "بازِل" و"بُزُل" و"شارِف" و"شُرُف" وهو جمعٌ شاذٌّ فيما كان على وزن "فاعل".
ثم اخْتُلِفَ في مَعنى: "نُشُرٍ" فقيلَ: هوَ على النَسَبِ: إمَّا إلى "النَّشْرِ" ضِدِّ "الطَيِّ"، وإمَّا نسبةً إلى "النُشُورِ" بمعنى الإِحياءِ، كقولِهِ تعالى في سورة المُلكِ: {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} الآية: 15. والمعنى: ذا نَشْرٍ أوْ ذا نُشورٍ كما يقالُ "لابِنٍ" من اللَّبَنِ، و"تامِرٍ" مِنَ التَمْرِ. وقيل: هو على وزن "فاعِل" مِنْ نَشَرَ مطاوعُ أَنْشَرَ، يُقالُ: أَنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ فنُشِرَ فهوَ ناشِرٌ وأُنْشِدَ عليه بيتُ الأعشى:
حتّى يقولَ الناسُ ممَّا رَأَوا .................... يا عجباً للميتِ الناشِرِ
وقيلَ: ناشِرٌ بمعنى مُنْشِرٌ، أيْ: المُحْيِي، تقولُ: نَشَرَ اللهُ الموتى وأَنْشَرَها، وعليه فـ "فَعَل" و"أَفْعَل" بمعنىً واحدٍ، وهذه الثالثةُ ضعيفةٌ.
الوجهُ الثاني: أَنَّ "نُشُراً" جمعُ نَشُورٍ. وفيه احتمالان، أَوَّلُهُما: أَنَّهُ بمَعنى "فاعِل"، و"فَعُولٌ" بمعنى "فاعِل" ويَنْقاسُ جَمْعُه على "فُعُل" ك "صَبُورٍ" و"صُبُرٍ" و"شَكورٍ" و"شُكُرٍ". وهذا هو الأرجح، ومنه قولُ الشاعر:
إني لأرجو أن تموتَ الريحُ ..................... فأقعدُ اليومَ وأستريحُ
وثانيهما: أَنَّهُ بمَعنى "مَفعول" ك "رَكُوبٍ" بمعنى "مركوب"، و"حَلُوب" بمعنى "محلوب"، قالوا: لأنَّ الريحَ تُوْصَفُ بالموتِ وتوصفُ بالإِحياءِ، ومنه قولُهم: (أَنْشَرَ اللهُ الريحَ وأَحياها) فـ "فَعول" بمعنى "مفعول" ويُجْمَعُ على "فُعُلٍ" ك "رسولٍ" و"رُسُل". وبهذا قالَ جماعةٌ كثيرةٌ، إلاَّ أنَّ ذلك غيرُ مَقيسٍ في المُفردِ وفي الجَمْعِ، أَعْني أَنَّهُ لا يَنْقاسُ "فَعول" بمعنى مفعولٍ، فلا تقول: زيد ضَروبٌ بمعنى مضروب، ولا قَتُولٌ بمعنى مقتول، ولا ينقاس أيْضاً جَمْعُ "فَعُول" بمعنى "مفعول" على "فُعُل".
وبيانُ ستَّةِ الأَوْجُهِ في هذِهِ القِراءَةِ: أَنَّها جَمْعٌ لِناشِرٍ بمَعنى ذا نَشْرٍ ضدّ الطَيّ. الثاني: جمع ناشِر بمعنى ذي نُشُورٍ. الثالث: جمعُ ناشِرٍ مُطاوعِ أَنْشَرَ. الرابعُ: جَمْعُ ناشِرٍ بمعنى مُنْشِرٍ. الخامِسُ: جَمْعُ نَشور بمعنى فاعل. السادس: جمع نُشور بمعنى مَفْعول.
وقرأ ابنُ عامر بضمِّ النُونِ وسُكونِ الشينِ، وهي قراءةُ ابْنِ عبّاسٍ، وزَرّ ابْنِ حُبَيْشٍ، ويَحيى بنِ وَثَّابٍ، والنُخعيِّ، وابْنِ مُصَرِّفٍ، والأعمش، ومَسروق. وهذه القراءةُ مخرَّجَةٌ بما ذُكِر في القراءةِ قبلَها فإنَّها مخفَّفةٌ منها كما قالوا: "رُسْل" في "رُسُل" و"كُتْب" في "كُتُب"، فَسَلَبُوا الضَمَّةَ تَخفيفاً، وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في المُفْرَدِ الذي هو أَخَفُّ مِنَ الجَمْعِ كقولِهم في "عُنُق: عُنْق"، وفي "طُنُب: طُنْب"، فما بالُهم في الجمعِ الذي أَثْقلُ مِنَ المُفْرَدِ؟
وقرأ الأخَوان، (حمزةُ الكسائيُّ): "نَشْراً" بِفَتْحِ النُونِ وسُكونِ الشين. ووَجْهُها: أنَّها مَصْدرٌ واقعٌ مَوْقِعَ الحالِ، بمعنى "ناشرة" أو "منشورة" أو "ذات نَشْر" كلُّ ذلك على ما تَقَدَّمَ في نَظيرِهِ. وقيلَ: "نَشْراً" مصدرٌ مُؤكِّدٌ؛ لأَنَّ "أرسل" و"أنشرَ" متقاربان في المعنى. وقيل: "نَشْراً" مصدرٌ على حذفِ الزوائدِ، أيْ: إنْشاراً، وهو واقعٌ موقِعَ الحالِ أيْ: مُنْشِراً أوْ مُنْشَراً حسْبَ ما تقدَّمَ في ذلك.
وقرأ مَسروق: "نَشَراً" بفتح النون والشين، وفيها تخريجان أحدُهُما: أنَّه اسمُ جمعٍ ك "غَيَب" لغائبةٍ، و"نَشَأ" لناشئة. وثانيهما: أنَّ "فَعَل" بمعنى مفعول، ك "قَبَضَ" بمعنى "مَقبوضٍ".
وأمَّا نَصْبُها فإنَّها في قراءة نافع ومن معَه وابنِ عامرٍ مَنصوبةٌ على الحالِ مِنْ "الرياح" أو "الريح" حسبما تقدَّم في الخلاف. وكذلك هي في قراءة عاصم وما يُشْبهها. وأمَّا في قراءة الأخوين (حمزة والكسائي) ومسروق فتحتمل المصدريَّة أو الحاليّةَ، وكلُّ هذا واضح وكذلك قراءة بُشْرى بزنة رُجْعى. ولا بد من التعرُّض لشيء آخر وهو أنَّ مَنْ قرأ "الرياح" بالجمع وقرأ "نُشْراً" جمعاً: كَ نَافِعٍ، وأبي عَمْرو، فواضحٌ. وأمَّا مَنْ أفرد "الريح" وجمع "نشراً": ك ابنِ كثيرٍ، فإنَّه يجعلُ الريحَ اسمَ جِنْسٍ فهي جمع في المعنى فوَصَفَها بالجمع. وهو كقول عنترةَ:
فيها اثنتانِ وأربعونَ حَلُوبةً .............. سُوداً كخافيةِ الغُرابِ الأسْحَمِ
والحاليَّة في بعض الصور يَجوزُ أنْ تكون مِنْ فاعل "يُرْسل" أو مفعوله، وكلُّ هذا يُعْرف مما قَدَّمْتُه فلا حاجةَ إلى ذِكْر كلِّ صورةٍ بلفظها.
في هذه الآية المباركة تشبيهٌ تمثيليٌّ، ووجهُ الشَبَهِ في إخْراجِ الأمواتِ بإخراجِ النَباتِ أَنَّ المَنْزِلَةَ فيهِما سَواءٌ، والقادرُ على أَحَدِهِما قادرٌ على الآخَرِ في مقتضى العقل. وفيها تشبيهٌ مُرْسَلٌ وهو قولُهُ: "كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى" أيْ مثل ذلك الإخراجُ نُخْرِجُ الْمَوْتى. وسُمِّيَ مُرْسَلاً لِذِكْرِ أَدَاةِ التَشبيهِ. وفيها مَجازٌ مُرْسَلٌ، وهو قولُهُ: "بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ" والعلاقةُ سببيَّةٌ، لأنَّ اليَدَ سَبَبُ الإنْعامِ، والإنعامُ رَحمةٌ.


avatar
عبد القادر الأسود
أرمنازي - عضو شرف
أرمنازي - عضو شرف

عدد المساهمات : 771
نقاط : 2288
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 08/06/2010
العمر : 69
الموقع : http://abdalkaderaswad.spaces.live.com

http://abdalkaderaswad.wordpress.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى